قال المصنف ﵀: (وهو ضربان: كامل يأتى فيه بعشرة أشياء: النية، والتسمية، وغسل يديه ثلاثًا، وغسل ما به من أذى، والوضوء، ويحثي على رأسه ثلاثًا يروي بها أصول الشعر، ويفيض الماء على سائر جسده ثلاثًا، ويبدأ بشقه الأيمن، ويدلك بدنه بيديه، وينتقل من موضعه فيغسل قدميه. ومجزئ وهو: أن يغسل ما به من أذى وينوي ويعم بدنه بالغسل).
أما كون الغسل ضربين كاملًا ومجزءًا؛ فلأنه تارة يشتمل على فروضه وسننه ويسمى كاملًا لرجحانه على غيره، وتارة على فروضه فقط ويسمى مجزءًا لحصول الإجزاء به.
وأما كون الكامل ما يُؤتى فيه بالأشياء المذكورة؛ فلأن كل واحد منها إما واجب وإما مسنون: أما النية فواجبة لما يأتي في المجزئ، وأما التسمية فواجبة أو مسنونة على الاختلاف المذكور في الوضوء لكن الغسل آكد من الوضوء وقد جاء فيه: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» (١).
وأما غسل يديه ثلاثًا؛ فلأن في حديث عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله - ﷺ - إذا اغتسل للجنابة غسل يديه ثلاثًا» (٢) متفق عليه.
وأما غسل ما به من أذى والمراد به ما على فرجه من نجاسة أو مني أو نحو ذلك؛ فلأن في حديث ميمونة: «ثم غسل فرجه» (٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه (١٠١) ١: ٢٥ كتاب الطهارة، باب التسمية على الوضوء. وأخرجه ابن ماجة في سننه (٣٩٩) ١: ١٤٠ كتاب الطهارة، باب ما جاء في التسمية في الوضوء. وأخرجه أحمد في مسنده (٩٤٠٨) ٢: ٤١٨.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٢٦٩) ١: ١٠٥ كتاب الغسل، باب تخليل الشعر وأخرجه مسلم في صحيحه (٣١٦) ١: ٢٥٣ كتاب الحيض، باب صفة غسل الجنابة.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٢٥٦) ١: ١٠٢ كتاب الغسل، باب المضمضة والاستنشاق في الجنابة. وأخرجه مسلم في صحيحه (٣١٧) ١: ٢٥٤ كتاب الحيض، باب صفة غسل الجنابة.
[ ١ / ١٩٤ ]
وأما الوضوء؛ فلأن في حديث عائشة المتقدم: «وتوضأ وضوءه للصلاة» (١).
وفي حديث ميمونة: «ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه» (٢).
وأما حثي الماء على رأسه ثلاثًا وغسل سائر جسده؛ فلأن في حديث عائشة المتقدم: «حتى إذا ظن أنه قد روى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات. ثم غسل سائر جسده» (٣) متفق عليه.
وفي حديث ميمونة: «ثم أفاض على رأسه. ثم غسل جسده» (٤).
وأما تروية أصول الشعر؛ فلأن ذلك مما لا بد منه لقوله ﵇: «إن تحت كل شعرة جنابة. فاغسلوا الشعر وأنقوا البشرة» (٥) رواه أبو داود.
وإذا كان لا بد منه استحال أن يكون الغسل كاملًا بدونه.
وأما البدائة بشقه الأيمن؛ فلأن النبي - ﷺ - «كان يعجبه التيمن في تنعله وتَرَجُّلِه وطَهوره وفي شأنه كله» (٦) متفق عليه.
وفي حديث عائشة ﵂: «كان إذا اغتسل للجنابة بدأ بشقه الأيمن ثم الأيسر» (٧).
_________________
(١) سبق تخريجه ص: ٢٣٢.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٢٦٣) ١: ١٠٤ كتاب الغسل، باب من أفرغ بيمينه على شماله في الغسل.
(٣) سبق تخريجه ص: ٢٣٢.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (٢٧٠) ١: ١٠٦ كتاب الغسل، باب من توضأ في الجنابة ثم غسل سائر جسده ولم يعد غسل مواضع الوضوء. وأخرجه مسلم في صحيحه (٣١٦) ١: ٢٥٣ كتاب الحيض، باب صفة غسل الجنابة.
(٥) أخرجه أبو داود في سننه (٢٤٨) ١: ٦٥ كتاب الطهارة، باب الغسل من الجنابة. وأخرجه الترمذي في جامعه ١: ٧١ كتاب الطهارة، باب ما جاء أن تحت كل شعرة جنابة. وأخرجه ابن ماجة في سننه ١: ١٩٦ كتاب الطهارة، باب تحت كل شعرة جنابة. وفي إسناده الحارث بن وجيه الراسبي. قال فيه أبو داود بعد ذكر الحديث: الحارث بن وجيه حديثه منكر وهو ضعيف. وقال الترمذي: حديث الحارث بن وجيه حديث غريب لا نعرفه إلا من حديثه، وهو شيخ ليس بذاك.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه (١٦٦) ١: ٧٤ كتاب الوضوء، باب التيمن في الوضوء والغسل. وأخرجه مسلم في صحيحه (٢٦٨) ١: ٢٢٦ كتاب الطهارة، باب التيمن في الطهور وغيره.
(٧) أخرجه البخاري في صحيحه (٢٥٥) ١: ١٠٢ كتاب الغسل، باب من بدأ بالحلاب أو الطيب عند الغسل. وأخرجه مسلم في صحيحه (٣١٨) ١: ٢٥٥ كتاب الحيض، باب صفة غسل الجنابة.
[ ١ / ١٩٥ ]
وأما دلك بدنه [بيديه] (١) فلئلا يبقى موضع من بدنه غير مغسول.
وأما الانتقال من موضع غسله وغسل قدميه؛ فلأن في حديث ميمونة: «ثم تنحى فغسل رجليه» (٢).
وأما كون المجزئ أن يغسل ما به من أذى وينوي ويعم بدنه بالغسل؛ فلأن ذلك كله واجب.
أما غسل ما به من أذى -والمراد به ما تقدم-؛ فلأن ذلك: إما نجس، وإما مانع من وصول الماء إلى ما تحته مما يجب غسله.
وأما النية؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [البينة: ٥].
ولأن رسول الله - ﷺ - قال: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى» (٣).
وقال ﵇: «لا عمل إلا بنية» (٤).
وأما تعميم البدن بالغسل؛ فلأنه لا يقع اسم الغسل بدون إصابة الماء لجميع البدن.
ولم يذكر المصنف ﵀ التسمية وذلك يدل على عدم وجوبها عنده. ونص في المغني أن أمرها في الغسل أخف؛ لأن حديث التسمية في الوضوء إنما يتناول بصريحه الوضوء لا غير. وغير المصنف ﵀ يختار وجوبها فيهما. فعلى هذا لا بد من التسمية في المجزئ. ونص على ذكرها فيه أبو الخطاب.
_________________
(١) زيادة من ج.
(٢) سبق تخريج حديث ميمونة ص: ٢٣٣.
(٣) سبق تخريجه ص: ١٨٨.
(٤) سبق تخريجه ص: ١٤٧.
[ ١ / ١٩٦ ]
قال: (ويتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع. فإن أسبغ بدونهما أجزأه).
أما كون المتوضئ يتوضأ بالمد والمغتسل يغتسل بالصاع فـ «لأن النبي - ﷺ - كان يغسله الصاع من الجنابة ويوضؤه المد» (١) رواه مسلم.
فإن قيل: ما قدر الصاع والمد؟
قيل: الصاع خمسة أرطال وثلث؛ لأن النبي - ﷺ - قال لكعب بن عجرة: «أطعم ستة مساكين فَرَقًا من طعام» (٢).
قال أبو عبيد: لا خلاف بين الناس أعلم أن الفَرَق ثلاثة آصع، والفَرَق ستة عشر رطلًا.
فثبت أن الصاع خمسة أرطال وثلث.
وروي «أن أبا يوسف دخل المدينة وسألهم عن الصاع. فقالوا: خمسة أرطال وثلث. فطالبهم بالحجة. فقالوا: غدًا. فجاء من الغد سبعون شيخًا كل واحد منهم آخذ صاعه تحت ردائه. فقال: صاعي ورثته عن أبي وورثه أبي عن جدي حتى انتهوا به إلى النبي - ﷺ -. فرجع أبو يوسف عن قوله» (٣). وهذا إسناد متواتر يفيد القطع. وقد ثبت أن النبي - ﷺ - قال: «المكيال مكيال المدينة» (٤). والمد ربع الصاع. فوزنه على ما ذكر رطل وثلث.
وأما كون الإسباغ. ومعناه: أن يعم جميع الأعضاء بالماء بحيث يجري عليها يجزئ؛ فلأن هذا هو الغسل. فإذا أتى به فقد أتى بما أمر به.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٣٢٦) ١: ٢٥٨ كتاب الحيض، باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٣٩٢٧) ٤: ١٥٢٧ كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية. وأخرجه مسلم في صحيحه (١٢٠١) ٢: ٨٦١ كتاب الحج، باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى
(٣) انظر القصة في الإيضاح والتبيان في معرفة المكيال والميزان ص: ٦٣ - ٦٤. والأموال ص: ٤٦٣.
(٤) أخرجه أبو داود في سننه (٣٣٤٠) ٣: ٢٤٦ كتاب البيوع، باب في قول النبي - ﷺ -: «المكيال مكيال أهل المدينة». وأخرجه النسائي في سننه (٢٥٢٠) ٥: ٥٤ كتاب الزكاة، كم الصاع.
[ ١ / ١٩٧ ]
وقد روي عن عائشة ﵂ «أنها كانت تغتسل هي والنبي - ﷺ - في إناء واحد يسع ثلاثة أمداد أو قريبًا من ذلك» (١) رواه مسلم.
قال: (وإذا اغتسل ينوي الطهارتين أجزأ عنهما. وعنه لا يجزئه حتى يتوضأ (٢».
أما كون الغسل المذكور يجزئ عنه وعن الوضوء على المذهب؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل الآية﴾ [النساء: ٤٣] جعل الاغتسال نهاية المنع من الصلاة فيجب أنه إذا اغتسل تجوز له الصلاة.
ولأنهما عبادتان فوجب أن تدخل الصغرى في الكبرى كما تدخل العمرة في الحج.
وأما كونه لا يجزئه حتى يتوضأ على روايةٍ فـ «لأن النبي - ﷺ - توضأ لما اغتسل للجنابة» (٣). وأُمرنا باتباعه.
ولأن الحدث والجنابة وجدا منه فوجب لهما طهارتان كما لو كانا منفردين.
ولأن الترتيب شرط في رفع الحدث الأصغر [على الصحيح] (٤) ولم يوجد.
قال: (ويستحب للجنب إذا أراد النوم (٥) أو الأكل أو الوطء ثانيًا أن يغسل فرجه ويتوضأ).
أما كون الجنب يستحب له أن يغسل فرجه في جميع ما ذكر فلإزالة ما عليه من الأذى.
وأما كونه يستحب له أن يتوضأ إذا أراد النوم فلما روى ابن عمر «أن عمر سأل رسول الله - ﷺ - أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم. إذا توضأ أحدكم فليرقد» (٦) متفق عليه.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٣٢١) ١: ٢٥٦ كتاب الحيض، باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة
(٢) في المقنع: يتوضأ عنهما.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٢٧٧) ١: ١٠٨ كتاب الغسل، باب التستر في الغسل عند الناس. وأخرجه مسلم في صحيحه (٣١٧) ١: ٢٥٤ كتاب الحيض، باب صفة غسل الجنابة.
(٤) زيادة من ج.
(٥) ساقط من (ب).
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه (٢٨٣) ١: ١٠٩ كتاب الغسل، باب نوم الجنب. وأخرجه مسلم في صحيحه (٣٠٦) ١: ٢٤٨ كتاب الحيض، باب جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له
[ ١ / ١٩٨ ]
وإنما لم يجب عليه ذلك لأن عائشة قالت: «كان رسول الله - ﷺ - ينام وهو جنب ولا يمس ماء» (١) رواه الترمذي.
ويجب حمل الأول على الاستحباب وحمل هذا على الجواز لما فيه من الجمع بينهما.
وأما كونه يستحب له ذلك إذا أراد الأكل فلما روت عائشة ﵂ «أن رسول الله - ﷺ - كان إذا أراد أن يأكل أو ينام توضأ. يعني وهو جنب» (٢) رواه أبو داود.
وأما كونه يستحب له ذلك إذا أراد الوطء ثانيًا فلما روى أبو سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ» (٣) رواه مسلم.
وإنما لم يجب عليه ذلك لأن عائشة قالت: «كان رسول الله - ﷺ - إذا كانت له حاجة إلى أهله أتاهم ثم يعود ولا يمس ماء» (٤) رواه أحمد.
والحمل كما تقدم لما تقدم.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه (٢٢٨) ١: ٥٨ كتاب الطهارة، باب في الجنب يؤخر الغسل. وأخرجه الترمذي في جامعه (١١٨) ١: ٢٠٢ أبواب الطهارة، باب ما جاء في الجنب ينام قبل أن يغتسل.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه (٢٢٢) ١: ٥٧ كتاب الطهارة، باب الجنب يأكل. وأخرجه مسلم في صحيحه (٣٠٥) ١: ٢٤٨ كتاب الحيض، باب جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له ، بلفظ: «كان رسول الله - ﷺ - إذا كان جنبًا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة».
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه (٣٠٨) ١: ٢٤٩ كتاب الحيض، باب جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له
(٤) أخرجه أحمد في مسنده (٢٤٨٢٢) ٦: ١٠٩.
[ ١ / ١٩٩ ]