قال المصنف ﵀: (يجب الحج والعمرة في العمر مرة واحدة بخمسة شروط:
الإسلام، والعقل. فلا يجب على كافر ولا مجنون ولا يصح منهما.
والبلوغ والحرية. فلا يجب على صبي ولا عبد. ويصح منهما. ولا يجزئهما إن بلغ الصبي أو عتق العبد (١) إلا أن يبلغ أو يعتق في الحج قبل الخروج من عرفة، وفي العمرة قبل طوافها فيجزئهما).
أما وجوب الحج. وهو في اللغة: القصد. ويحكى عن الخليل أنه قال: الحج كثرة القصد إلى من يعظمه.
قال الشاعر:
وأشهد من عوف حؤولا كثيرة يحجون سِبّ الزِّبرقان المزعفرا
أي يقصدون. والسِّب: العمامة.
والحج والحجة تفتح حاؤهما وتكسر.
وفي الشرع: اسم لأفعال مخصوصة.
وهو أحد أركان الإسلام بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حِجّ البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ [آل عمران: ٩٧].
وأما السنة فقول النبي ﷺ: «بني الإسلام على خمس» (٢) متفق عليه. ذكر منها حج البيت.
_________________
(١) زيادة من المقنع.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٨) ١: ١٢ كتاب الإيمان، باب الإيمان وقول النبي ﷺ: «بني الإسلام على خمس». وأخرجه مسلم في صحيحه (١٦) ١: ٤٥ كتاب الإيمان، باب بيان أركان الإيمان كلاهما من حديث ابن عمر ﵄.
[ ٢ / ٦٥ ]
وأما الإجماع فأجمعت الأمة على وجوب الحج في الجملة.
وأما وجوب العمرة. وهي في اللغة: الزيارة.
وفي الشرع: عبارة عن أفعال مخصوصة فبالكتاب والسنة: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦] ومقتضى الأمر الوجوب. ثم عطفها على الحج. والأصل التساوي بين المعطوف والمعطوف عليه.
قال ابن عباس ﵄: «إنها لقرينة الحج في كتاب الله تعالى» (١).
وأما السنة فما روى الصُّبَيُّ بن معبد قال: «أتيت عمر فقلت: يا أمير المؤمنين! إني أسلمت وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليّ فأهللت بهما. فقال عمر ﵁: هُديتَ لسنة نبيك ﷺ» (٢). رواه النسائي وأبو داود.
ورويا أيضًا: «أن رجلًا قال: يا رسول الله! إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن. قال: حج عن أبيك واعتمر» (٣) رواه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح.
وروي «أن رجلًا قال للنبي ﷺ: أوصني. قال: تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج وتعتمر».
وروي «أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن. وكان في الكتاب: وأن العمرةَ الحجُّ الأصغر» (٤).
ولأنها تشتمل على إحرام وطواف وسعي فكانت واجبة كالحج.
وأما كون الواجب من ذلك في العمر مرة واحدة فلما روى أبو هريرة ﵁ قال: «خطبنا رسول الله ﷺ فقال: أيها الناس! إن الله قد فرض عليكم الحج
_________________
(١) ذكره البخاري في صحيحه معلقًا ٢: ٦٢٩ كتاب الحج، باب وجوب العمرة وفضلها.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه (١٧٩٩) ٢: ١٥٨ كتاب المناسك، باب في الإقران. وأخرجه النسائي في سننه (٢٧١٩) ٥: ١٤٦ كتاب مناسك الحج، القران.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه (١٨١٠) ٢: ١٦٢ كتاب المناسك، باب الرجل يحج عن غيره. وأخرجه الترمذي في جامعه (٩٣٠) ٣: ٢٦٩ كتاب الحج، باب منه. وأخرجه النسائي في سننه (٢٦٣٧) ٥: ١١٧ كتاب مناسك الحج، العمرة عن الرجل الذي لا يستطيع. وأخرجه ابن ماجة في سننه (٢٩٠٦) ٢: ٩٧٠ كتاب المناسك، باب الحج عن الحي إذا لم يستطع. وأخرجه أحمد في مسنده (١٦٢٢٦) ٤: ١٠.
(٤) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٤: ٣٥١ كتاب الحج، باب من قال بوجوب العمرة
[ ٢ / ٦٦ ]
فحجوا. فقال رجل: أكل عام؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا. فقال رسول الله ﷺ: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم » (١) مختصر. رواه مسلم.
وأما ما يشترط لوجوبها فخمسة شروط: شرطان للوجوب والصحة وهما: الإسلام والعقل. فلا يجب واحد منهما على كافر ولا مجنون ولا يصح منهما.
أما عدم الوجوب فلأن الكافر والمجنون غير مخاطبين بفروع الإسلام ولذلك قال ﷺ: «رفع القلم عن المعتوه حتى يعقل » (٢) مختصر. رواه أبو داود.
وأما عدم الصحة فلأن كل واحد من الحج والعمرة عبادة من شرطها النية وهي لا تصح منهما.
وشرطان للوجوب والإجزاء وهما: البلوغ والحرية. فلا يجب واحد منهما على صبي ولا عبد ويصح منهما ولا يجزئهما إلا أن يبلغ الصبي ويعتق العبد في الزمن المتقدم ذكره.
أما عدم الوجوب على الصبي فلأنه غير مكلف لقوله ﷺ: «رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ » (٣) مختصر. رواه أبو داود.
وأما على العبد فلأن مدتهما تطول فلم يجبا على العبد لما فيهما من إبطال حق سيده أشبه الجهاد.
وأما الصحة فلما روى ابن عباس ﵄ قال: «رفعت امرأة صبيًا فقالت: يا رسول الله! ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر» (٤) رواه مسلم.
وأما في العبد فلأنه من أهل العبادات فصح حجه وعمرته كالحر.
والشرط الخامس: الاستطاعة. وسيأتي ذكره.
وأما عدم الإجزاء إذا لم يبلغ الصبي ويعتق العبد في الزمن المتقدم ذكره فلما روى ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى» (٥) رواه الشافعي في مسنده.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (١٣٣٧) ٢: ٩٧٥ كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه (٤٤٠٢) ٤: ١٤٠ كتاب الحدود، باب في المجنون يسرق أو يصيب حدًا.
(٣) سبق تخريجه في الحديث السابق.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه (١٣٣٦) ٢: ٩٧٤ كتاب الحج، باب صحة حج الصبي.
(٥) أخرجه الشافعي في مسنده (٧٤٣) ١: ٢٨٣ كتاب الحج، باب فيما جاء في فرض الحج وشروطه.
[ ٢ / ٦٧ ]
ولأنهما فَعَلا العبادة وهما من غير أهل الوجوب فلم يجزئهما إذا صارا من أهل الوجوب كالصبي يصلي ثم يبلغ في الوقت.
وأما الإجزاء إذا بلغ الصبي وعتق العبد قبل الوقوف في الحج والطواف في العمرة فلأنهما أتيا بالنسك حال الكمال فأجزأهما كما لو وجد ذلك قبل الإحرام.
قال ﵀: (ويحرم الصبي المميز بإذن وليه وغير المميز يحرم عنه وليه ويفعل ما يعجز عنه من عمله، ونفقة الحج وكفاراته في مال وليه، وعنه: في مال الصبي).
أما إحرام الصبي المميز بإذن وليه. ومعناه: أن إحرامه لا يصح بغير إذنه فلأنه قد يؤدي إلى لزوم مال فلم ينعقد منه بنفسه كالبيع.
وأما إحرام الولي عن غير المميز فلأنه فعل لا يمكنه فعله بنفسه فناب عنه وليه كسائر ما ينوب عنه فيه.
ومعنى إحرامه عنه عقده الإحرام له فيصير الصبي بذلك محرمًا دون الولي كما يعقد له النكاح.
والولي هنا: من يلي ماله، وأمُّه في ظاهر كلامه وظاهر الحديث المتقدم.
وقال القاضي: لا يصح لعدم ولايتها على ماله.
وفي سائر العصبات وجهان بناء على الأم.
وأما فعل الولي عن الصبي ما يعجز عن فعله فلما روى جابر ﵁ قال: «كنا إذا حججنا مع رسول الله ﷺ لبَّيْنا عن الصبيان ورمينا عنهم» (١) رواه ابن ماجة.
وروي «أن أبا بكر طاف بابن الزبير في خرقة» (٢) رواه الأثرم.
فعلى هذا ما يمكن الصبي فعله من وقوف وغيره لزمه فعله لأن النيابة إنما تجوز مع العجز وذلك منتف.
وأما نفقة الحج ففيها روايتان:
إحداهما: أنها في مال الولي لأنه أدخله وغرر بماله.
والثانية: أنها في مال الصبي لأن ذلك من مصلحته ليألف الحج ويتمرن عليه أشبه أجرة المعلم والطبيب وأجرة من يحمله ليشاهد الجمعة والجماعات.
والأول أصح لما ذكر.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة في سننه (٣٠٣٨) ٢: ١٠١٠ كتاب المناسك، باب الرمي عن الصبيان.
(٢) أخرجه عبدالرزاق في مصنفه (٩٠٢٦) ٥: ٧٠ كتاب المناسك، باب أيّ حين يكره الطواف
[ ٢ / ٦٨ ]
والمراد بنفقة الحج ما يزيد على نفقة الحضر لأن نفقة الحضر في مال الصبي بغير خلاف.
وصرح المصنف ﵀ في المغني بأن الروايتين في الزائد على نفقة الحضر. ولم يذكر في القدْر الذي يجب له في الحضر خلافا بل أوجبها في مال الصبي.
وأما الكفارة فما اختلف عمده وسهوه كاللباس والطيب فلا فدية فيه على الصبي؛ لأن عمده خطأ، وما لا يختلف عمده وسهوه فالفدية فيه بفعل الصبي وفي محلها الروايتان المتقدمتان.
قال ﵀: (وليس للعبد الإحرام إلا بإذن سيده، ولا للمرأة الإحرام نفلًا إلا بإذن زوجها. فإن فعلا فلهما تحليلهما ويكونان كالمحصر. وإن أحرما بإذنٍ لم يجز تحليلهما. وليس للزوج منع امرأته من حج الفرض ولا تحليلها إن أحرمت به).
أما كون العبد ليس له الإحرام بغير إذن سيده وكون المرأة ليس لها الإحرام نفلًا بغير إذن زوجها فلأن إحرامهما يتضمن إسقاط حق السيد والزوج فلم يجز لهما ذلك لئلا يؤدي إلى إسقاط حق المستحق.
وأما إطلاق المصنف ﵀ منع العبد من الإحرام وتقييده في المرأة بكونه نفلًا فلأن العبد لا يجب عليه بحال فصح الإطلاق والمرأة يكون الحج تارة واجبًا عليها وتارة تحج متطوعة فاحتاج إلى التقييد بكونه نفلًا لأنه ليس له منعها إذا كان فرضًا وسيأتي ذكره.
وأما كون السيد والزوج لهما تحليلهما إذا فعلا ذلك بغير إذنهما فلأن حقهما ثابت لازم فكان لهما إخراجهما من الإحرام المفوت له كما لو اعتكفا. وفي تحليلهما إشعار بانعقاد إحرامهما وإن وقع بغير إذن وهو صحيح لأن الإحرام عبادة بدنية فصحت بغير إذن كالصلاة.
وأما حكمهما بعد تحليلهما فكالمحصر. وسيأتي ذكره بعد إن شاء الله تعالى (١).
وأما كونهما ليس لهما تحليلهما إذا أحرما بإذن فلأن الحج عبادة تلزم بالشروع فلم يملكا تحليلهما من الإحرام إذا شرعا بإذن كقضاء رمضان.
_________________
(١) ص: ٢٢٨.
[ ٢ / ٦٩ ]
وأما كون الزوج ليس له منع امرأته من حج الفرض ولا تحليلها إن أحرمت به فلأنه واجب بأصل الشرع أشبه صوم رمضان.
[ ٢ / ٧٠ ]
فصل [في الاستطاعة]
قال المصنف ﵀: (الشرط الخامس: الاستطاعة. وهو: أن يملك زادًا وراحلة صالحة لمثله بآلتها الصالحة لمثله، أو ما يقدر به على تحصيل ذلك فاضلًا عما يحتاج إليه من مسكن وخادم وقضاء دينه ومؤونته ومؤونة عياله على الدوام. ولا يصير مستطيعًا ببذل غيره بحال. فمن كملت له هذه الشروط وجب عليه الحج على الفور).
أما اشتراط الاستطاعة لوجوب الحج فلأن الله ﷾ قال: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] قيّد الوجوب بالاستطاعة.
وقال ﷺ: «بني الإسلام على خمس. ذكر منها: حج البيت من استطاع إليه سبيلا» (١).
ولأن الحج عبادة يتعلق بقطعها مسافة بعيدة فاعتبر لوجوبها الاستطاعة كالجهاد.
فإن قيل: هل الاستطاعة شرط في الصحة والإجزاء؟
قيل: لا؛ لأن خَلْقًا من الصحابة حجوا ولا شيء لهم ولم يؤمروا بإعادة ذلك.
ولأن الاستطاعة إنما اشترطت للوصول فإذا وصل وفعل الأفعال المعتبرة وجب أن تصح وتجزئ عنه كما لو تكلف المريض فصلى قائمًا أو سعى إلى الجمعة فصلاها.
وأما قول المصنف ﵀: وهو أن يملك إلى آخره فبيان ماهية الاستطاعة شرعًا. وفي الحديث عن ابن عمر قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! ما يوجب الحج؟ قال: الزاد والراحلة» (٢) رواه الترمذي. وقال: حديث حسن.
وأما اشتراط صلاحية ذلك لمثله (٣) فلأن ذلك معنى يتعلق به أمر شرعي فاعتبر فيه الصلاحية كالنفقة والسكنى في حق الزوجة.
_________________
(١) سبق تخريجه ص: ٦٧.
(٢) أخرجه الترمذي في جامعه (٨١٣) ٣: ١٧٧ كتاب الحج، باب ما جاء في إيجاب الحج بالزاد والراحلة.
(٣) زيادة يقتضيها السياق.
[ ٢ / ٧١ ]
ولأن في تكليف الإنسان ما لا يصلح له ضررًا عليه.
فعلى هذا يعتبر في الزاد أن يكون من الخاص إن كان الحاج من أولاد الأمراء والتجار. ومن الكاصة إن كان من أولاد السوقة. وفي الراحلة وآلتها أن يكون جملًا جيدًا بمحارة (١) إن كان كالأول. وإن كان من أولاد السوقة وهو قادر على الركوب على القتب فلا تشترط له المحارة ولا كون الجمل جيدًا، ولو كان ضعيفًا لا يمكنه الركوب على القتب اشترط في حقه ما يمكنه الركوب معه.
وأما اعتبار ملك ذلك أو القدرة على تحصيله بدراهم أو دنانير أو نحو ذلك فلأن المشترط الاستطاعة وهي حاصلة بكل واحد منهما.
وأما كون الزاد والراحلة المتقدم ذكرهما فاضلًا عما يحتاج إليه من مسكن وخادم فلأن المسكن والخادم من حوائجه الأصلية.
ولأن المفلس يقدم بذلك على غرمائه فلأن يقدم الإنسان بذلك على حجه بطريق الأولى.
وأما كونهما فاضلين عن قضاء دينه فلأن ذمته مشغولة به وبه حاجة إلى براءتها.
وأما كونهما فاضلين عن مؤونته ومؤونة عياله فلأن ذلك مقدم على الدين المقدم على الحج فلأن يقدم على الحج بطريق الأولى.
وفي الحديث: «كفى بالمرء إثمًا أن يُضيّعَ من يقوت» (٢) رواه أبو داود.
وأما قول المصنف ﵀: على الدوام ففيه نظر وذلك أنه ذكر في المغني والكافي نفقة العيال. وقال فيهما: إلى أن يعود. وكذلك قال سائر الأصحاب. وطريق التصحيح أن يحمل قوله هنا على ذلك، ويمكن أن يحمل ذلك على ظاهره ويكون قد قصد النفقة عليه وعلى عياله في ذهابه وعوده وما بعد ذلك. فإن أبا الخطاب وغيره ذكر نفقة العيال إلى أن يعود. ثم قال: وأن يكون له إذا عاد ما يكفيه من صناعة أو تجارة أو عقار. إلا أن ظاهر كلامه في المغني يقتضي عدم اشتراط ذلك لأنه ذكر نفقة العيال والمسكن والخادم وعلل ذلك. ثم قال: وذكر أبو الخطاب أن من شرط وجوب الحج عليه أن يكون له إذا رجع ما يكفيه من تجارة أو عقار أو نحو ذلك.
_________________
(١) المحارة: شبه الهَوْدج.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه (١٦٩٢) ٢: ١٣٢ كتاب الزكاة، باب في صلة الرحم.
[ ٢ / ٧٢ ]
فإن قيل: المعتبر في المسكن والخادم ملكهما أو استئجارهما؟
قيل: ليس في كلام المصنف ﵀ هنا ولا في بقية كتبه ما يؤذن بذلك لكن ينبغي -والله أعلم- أن ينظر إلى حاله: فإن كان ممن عادته اتخاذ ذلك ملكًا له لم يجب إلا أن يفضل ماله عن ثمن ذلك، وإن كان ممن عادته اتخاذ ذلك استئجارًا لم يقف الوجوب على كونه فاضلًا عن الثمن بل يكون حكم الأجرة حكم نفقته.
وأما عدم صيرورة الإنسان مستطيعًا ببذل غيره بحال فلأن عليه فيه منة فلم يلزمه قبوله كما لو بذلت له الرقبة في الكفارة، وإذا لم يلزمه القبول بقي على ما كان عليه من عدم القدرة على الحج فلا يصير مستطيعًا.
وأما وجوب الحج على من كملت له هذه الشروط فلما تقدم من الكتاب والسنة والإجماع أول الباب السالمة عن معارضة اشتراط الشروط المذكورة.
وأما وجوبه على الفور فلما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من أراد الحج فليتعجل فإنه قد يمرض المريض وتضل الضالة وتعرض الحاجة» (١) رواه ابن ماجة.
وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من ملك زادًا وراحلة
توصله إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديًا أو نصرانيًا» (٢) رواه الترمذي.
ولأنه أحد أركان الإسلام فلم يجز تأخيره إلى غير وقت كالصيام.
قال ﵀: (فإن عجز عن السعي إليه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه لزمه أن يقيم من يحج عنه، ويعتمر من بلده، وقد أجزأ عنه وإن عوفي).
أما لزوم من عجز عن السعي إلى الحج لكِبَر أو مرض لا يرجى برؤه إقامة من يحج عنه ويعتمر فلما روى ابن رَزِين: «أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن. قال: حج عن أبيك واعتمر» (٣) وهو حديث حسن.
وأما قول المصنف ﵀: من بلده فتنبيه على الموضع الذي يجب الحج منه وذلك بلده أو الموضع الذي أيْسَرَ فيه. وذلك في حق الحي العاجز عن السعي والميت
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة في سننه (٢٨٨٣) ٢: ٩٦٢ كتاب المناسك، باب الخروج إلى الحج.
(٢) أخرجه الترمذي في جامعه (٨١٢) ٣: ١٧٦ كتاب الحج، باب ما جاء في التغليظ بترك.
(٣) سبق تخريجه ص: ٦٨.
[ ٢ / ٧٣ ]
الذي وجب عليه قبل موته لأن الحج يجب على المنوب مِنْ ذلك فكذلك النائب لأن القضاء على وفق الأداء كقضاء الصلاة والصيام.
وأما إجزاء ذلك عنه وإن عوفي فلأنه أتى بما أُمر به فخرج عن عهدته كما لو لم يبرأ.
ولأنه أدى حجة الإسلام بأمر الشرع فلم يلزمه حج ثان كما لو حج بنفسه.
قال ﵀: (ومن أمكنه السعي إليه لزمه ذلك إذا كان في وقت المسير ووجد طريقًا آمنا لا خفارة فيه يوجد فيه الماء والعلف على المعتاد.
وعنه: أن إمكان المسير وتخلية الطريق من شرائط الوجوب.
وقال ابن حامد: إن كانت الخفارة لا تجحف بماله لزمه بذلها).
أما اشتراط إمكان المسير وتخلية الطريق للزوم الأداء لا للوجوب على الرواية الأولى فلأنهما عذران يمنعان الأداء فقط فلم يمنعا الوجوب كالمرض.
وأما اشتراطهما للوجوب على الرواية الثانية فلأنه لا يستطاع فعله بدونهما فكانا شرطين للوجوب كالزاد والراحلة.
فإن قيل: ما فائدة اختلاف الروايتين؟
قيل: فائدته أن الشروط الخمسة لو وجدت في شخص ثم مات، فإن قلنا أنهما شرطان للزوم الأداء حُجّ عنه لأنه مات بعد أن وجب عليه الحج، وإن قلنا أنهما شرطان للوجوب لم يجب أن يستناب عنه لأنه لم يجب عليه بعد.
وأما كونها موجودًا فيها الماء والعلف فلأنه لو كلف حمل الماء وعلف دوابه من بلده إلى مكة لكان فيه مشقة عظيمة.
وأما قول المصنف ﵀: على المعتاد فمعناه لا يعتبر ذلك في كل منزله لأنه لو اعتبر ذلك لم يجب الحج البتة بل المعتبر ما هو عادة مثل وجود الماء في المنازل المعروفة ووجود الكلأ في مظانه. فعلى هذا يجب عليه حمل الماء من منهل إلى منهل وحمل الكلأ ونحوه من موضع إلى موضع.
فإن قيل: هلا وجب عليه حمل الماء والعلف من بلده كزاده؟
قيل: لأنه لم تجر العادة بذلك بخلاف الزاد فوجب أن يحمل كل واحد منهما على المعتاد فيه.
[ ٢ / ٧٤ ]
وأما معنى إمكان المسير فهو أن الشروط المشترطة في الحج إذا اجتمعت في زمن ينبغي أن يكون ذلك الزمن واسعًا للسفر من موضعه إلى مكة. مثل أن تجتمع الشروط للدمشقي في أول شوال فإن لم يكن الزمن واسعًا لم يكن المسير في تلك السنة ممكنا.
وأما معنى تخلية الطريق فأن تكون آمنة موجودًا فيها الماء والعلف على المعتاد.
وأما كونها آمنة فلأنها إذا كانت خائفة يكون معذورًا في القعود لما في المسير من احتمال الضرر.
فإن كان الأمن يحصل ببذل شيء خفارة نظرت فيه فإن كانت كثيرة لم تلزمه لأن في بذل ذلك ضررًا فلم يلزمه لقوله ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار» (١).
وإن كانت يسيرة فالمذهب أنه لا يلزمه بذلها لأن فيه صغارًا.
وقال ابن حامد: إن كانت الخفارة لا تجحف بماله لزمه بذلها لأنها غرامة يقف إمكان الحج على بذلها فلم يمنع الوجوب مع إمكان بذلها كثمن الماء وعلف البهائم.
قال ﵀: (ومن وجب عليه الحج فتوفي قبله أُخرج عنه من جميع ماله حجة وعمرة. فإن ضاق ماله عن ذلك أو كان عليه دين أخذ للحج بحصته وحج به من حيث يبلغ).
أما وجوب إخراج حجة وعمرة من مال من وجب عليه الحج ثم توفي قبل فعله فـ «لأن النبي ﷺ لما سئل عمن عليه حج. قال: أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم. قال: فاقض فالله أحق بالوفاء» (٢) رواه النسائي.
شبّه الحج بالدين وسوّاه به فوجب أن يخرج من ماله كالدين.
وأما كون ذلك من جميع المال فلأن النبي ﷺ شبهه بالدين والدين يجب من جميع المال فكذا المشبه.
وأما الأخذ بحصة الحج إذا ضاق مال الميت عن ذلك أو كان عليه دين فلأن الحج كالدَّين والدين مع الدين يقسم المال بينهما بالحصص فكذا الحج والدين.
وقال بعض أصحابنا: يقدم الدين على الحج لأنه حق آدمي مبني على الشح بخلاف الحج فإنه حق الله مبني على المسامحة.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة في سننه (٢٣٤١) ٢: ٧٨٤ كتاب الأحكام، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره. قال في الزوائد: في إسناده جابر الجعفي متهم.
(٢) أخرجه النسائي في سننه (٢٦٣٢) ٥: ١١٦ كتاب مناسك الحج، الحج عن الميت الذي نذر أن يحج.
[ ٢ / ٧٥ ]
وأما الحج بالحصة من حيث يبلغ فلأنه لا يمكن من أكثر من ذلك.
فإن قيل: ما مثال ذلك؟
قيل: أن يخلف مائة وعليه مائة والحج من بلده يجيء بمائة فيطلع للحج خمسون فأي موضع أمكنه فعل الحج منه بذلك المقدار وجب فعله لأنه أمكنه فعل بعض الواجب عليه فوجب لقوله ﷺ: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (١).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٦٨٥٨) ٦: ٢٦٥٨ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ.
[ ٢ / ٧٦ ]
فصل [في اشتراط المَحرم]
قال المصنف ﵀: (ويشترط لوجوب الحج على المرأة وجود محرمها. وهو: زوجها أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح إذا كان بالغًا عاقلًا. وعنه: أن المحرم من شرائط لزوم الأداء فإن مات المحرم في الطريق مضت في حجتها ولم تصر محصرة).
أما اشتراط المَحْرَم لوجوب الحج أو للزوم الأداء على المرأة ففيه روايتان وجههما ما تقدم في المسير وتخلية الطريق (١).
وأما المُراد بالمحرم فما ذكره المصنف ﵀ لأن أبا سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرًا يكون ثلاثة أيام فصاعدًا إلا ومعها أبوها أو ابنها أو زوجها أو ذو محرم منها» (٢) رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة.
وأما قوله: أو سبب مباح فيدخل فيه من حَرُم عليه نكاحها بالرضاع وهو محرم؛ لأنه حرم عليه نكاحها بسبب شرعي أشبه النسب.
ويخرج منه من حَرُم نكاحها بالزنا أو وطء شبهة لأنه ليس مأمونًا عليها أشبه الأجنبي.
ولأن تحريمها بسبب غير مشروع فلم يثبت به حكم إباحة النظر كالتحريم الثابت باللعان.
_________________
(١) ص: ٧٥.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (١٣٤٠) ٢: ٩٧٧ كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره. وأخرجه أبو داود في سننه (١٧٢٦) ٢: ١٤٠ كتاب المناسك، باب في المرأة تحج بغير محرم. وأخرجه الترمذي في جامعه (١١٦٩) ٣: ٤٧٢ كتاب الجنائز، باب ما جاء في كراهية أن تسافر المرأة وحدها. وأخرجه ابن ماجة في سننه (٢٨٩٨) ٢: ٩٦٨ كتاب المناسك، باب المرأة تحج بغير ولي. وأخرجه أحمد في مسنده (١١٥٣٣) ٣: ٥٤.
[ ٢ / ٧٧ ]
وأما ما يشترط في المَحْرَم فبلوغه وعقله لأن الصبي والمجنون لا يقومان بأنفسهما فكيف يَخرجان مع غيرهما.
وأما مضيها في حجتها وعدم صيرورتها محصرة إذا مات المحرم في الطريق فلأنها لا تستفيد بالتحليل شيئًا لأن رجوعها يكون بغير محرم.
ولأن المريض لما لم يستفد بالتحلل زوال الأذى لم يبح له التحلل كالمحصر فكذلك هاهنا.
قال ﵀: (ولا يجوز لمن لم يحج عن نفسه أن يحج عن غيره ولا نذره ولا نافلة. فإن فعل انصرف إلى حجة الإسلام. وعنه: يقع ما نواه).
أما عدم جواز حج من لم يحج عن نفسه إذا حج عن غيره فلما روى ابن عباس ﵄ «أن رسول الله ﷺ سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة. فقال النبي ﷺ: من شبرمة؟ قال: قريب لي. قال: حججت قط؟ قال: لا. قال: فاجعل هذه عن نفسك ثم حج عن شبرمة» (١) رواه أبو داود وابن ماجة، وهذا لفظه.
ولأنه حج عن غيره قبل الحج عن نفسه فلم يجز كما لو كان صبيًا.
وأما عدم جواز حج من عليه حجة الإسلام عن نذره أو نافلة فلأن حجة الإسلام واجبة عليه فلم يجز أن يصرف فعله إلى غيرها كما لو أراد أن يحج عن غيره.
وأما انصراف ذلك إلى حجة الإسلام في الصور الثلاث على المذهب فلأنه أحرم بالحج وعليه فرضه فوجب أن يقع عن فرضه كما لو أطلق.
وأما وقوعه عما نواه من نذر أو نافلة على روايةٍ فلأنه نواه فيقع لقوله ﷺ: «وإنما لامرئ ما نوى» (٢).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه (١٨١١) ٢: ١٦٢ كتاب المناسك، باب الرجل يحج عن غيره. وأخرجه ابن ماجة في سننه (٢٩٠٣) ٢: ٩٦٩ كتاب المناسك، باب الحج عن الميت.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (١) ١: ٣ بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ. وأخرجه مسلم في صحيحه (١٩٠٧) ٣: ١٥١٥ كتاب الإمارة، باب قوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنية ».
[ ٢ / ٧٨ ]
قال ﵀: (وهل يجوز لمن يقدر على الحج بنفسه أن يستنيب في حج التطوع؟ على روايتين).
أما الجواز على روايةٍ فلأنها حجة لا تلزمه بنفسه فجاز أن يستنيب فيها كالمعضوب.
وأما عدمه على روايةٍ فلأنه قادر على الحج بنفسه فلم يجز له الاستنابة فيه كالفرض.
قال المصنف ﵀ في المغني: حج التطوع ينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: قادر لم يحج حجة الإسلام فهذا لا يصح أن يستنيب في حج التطوع؛ لأنه لا يصح أن يفعله بنفسه فنائبه أولى.
الثاني: من أدى حجة الإسلام ثم عجز فهذا يصح أن يستنيب في التطوع؛ لأنه إذا جاز في الفرض فالنفل أولى.
الثالث: من أدى حجة الإسلام وهو قادر وقت الاستنابة على الحج بنفسه فهذا هل يجوز له الاستنابة في التطوع؟ فيه روايتان.
وعلى هذا القسم يجب حمل كلام المصنف ﵀.
[ ٢ / ٧٩ ]