ألف الشيخ أبو الحسن علي بن محمَّد الطبري الهراسي الشافعي -المعروف بإلكيا، المتوفى سنة ٥٠٤ هـ - كتابًا في مفردات أحمد. وتصدى للرد عليه فيها وبيان ضعف مأخذه في الاستدلال عليها. ولم يعتبر ﵀ القول المشهور لأحمد، ولا ما وافق فيه مالكًا، فجازف بِعَدِّ مسائل ليست من "المفردات". وقد تصدى له فقهاء الحنابلة في وقته وبيَّنوا زيف ادعاءاته وتتبعوا ألفاظه وكلماته.
١ - فألف معاصره أبو الوفاء علي بن محمَّد بن عقيل البغدادي، المتوفى سنة ٥١٣ هـ كتابه "المفردات" في الرد عليه.
٢ - وألف أبو الحسن علي بن عبد الله بن نصر بن السري الزاغوني المتوفى سنة ٥٢٧ هـ كتابه "المفردات" في مجلدين، وهي مائة مسألة.
٣ - ثم ألف عبد الوهاب بن عبد الواحد بن محمَّد الشيرازي المتوفى سنة ٥٣٦ هـ كتابه "المفردات".
_________________
(١) المرجع السابق ١/ ٤١٦.
(٢) المرجع السابق ١/ ٤٦٠.
(٣) المرجع السابق ١/ ٥١٦.
(٤) المرجع السابق ٣/ ١٧٥.
(٥) شرح النوويّ على مسلم ٣/ ١٤٨.
[ ١ / ١٨ ]
٤ - ثم ألف أبو يعلى المغير محمَّد بن محمَّد بن محمَّد عماد الدين ابن أبي يعلى المتوفى سنة ٥٦٠ هـ كتابه "المفردات".
٥ - ثم ألف فيها أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمَّد بن علي جمال الدين بن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ.
٦ - ثم ألف إسماعيل بن علي بن حسين البغدادي المعروف بغلام ابن المني المتوفى سنة ٦١٠هـ كتابه "المفردات".
٧ - ثم ألف أحمد بن الحسين بن عبد الله بن الشيخ أبي عمر المقدسي المشهور بابن قاضي الجبل المتوفى سنة ٧٧١هـ "كتاب الرد على إلكيا الهراسي"، كتب منه مجلدين ولم يتمه.
٨ - وألف محمَّد بن أحمد بن عبد الهادي المتوفى سنة ٧٤٤ هـ كتابه "الرد على إلكيا الهراسي" في جزء كبير.
٩ - ثم ألف محمَّد بن علي بن عبد الرحمن العمري المتوفى سنة ٨٢٠ منظومته التي شرحها الشيخ منصور البهوتي بهذا الكتاب وسماها "النظم المفيد الأحمد في مفردات الإمام أحمد".
وقد اتجه كثير من العلماء الذين وهبهم الله ملكة شعرية إلى نظم العلوم، حيث وجدوه وسيلة سهلة لحفظ قواعدها، والإبقاء على شواردها في الذهن، يتغنون بها في خلواتهم، فيكون ذلك وسيلة لتذكرها. وليس ذلك قاصرًا على الفقه فقط، بل نظمت أكثر العلوم، فالعروض والنحو والصرف والبلاغة والمنطق والعقيدة وأصول الفقه والفرائض كلها قد حظيت بنصيب وافر من النظم. بل نظمت كثير من حوادث التاريخ وقواعد الحساب والفلك، واتجه بعض النظامين إلى كتب معينة فنظمها، ولعل نصيب الفقه كان وافرًا من ذلك، فمختصر الخرقي مثلًا قد نظمه عالمان جليلان:
أحدهما: فخر الدين ابن هبيرة، أخو الوزير ابن هبيرة المتوفى سنة ٥٦٧هـ.
والثاني: يحيى بن يوسف الصرصري المتوفى سنة ٦٥٦ هـ.
[ ١ / ١٩ ]
وكتاب زاد المستقنع للحجاوي، قد نظمه كثير من علماء الحنابلة، منهم:
١ - الشيخ محمَّد بن قاسم آل غنيم المتوفى سنة ١٣٣٥ هـ، وقد بلغ عدد أبيات منظومته ٤٨٩٢ بيتًا.
٢ - الشيخ سليمان بن عطية المزيني المتوفى سنة ١٣٦٣ هـ.
٣ - الشيخ سعد بن حمد بن عتيق. وسماه: "نيل المراد بنظم متن الزاد". وقد وصل فيه إلى كتاب الشهادات، وأتمه بعد وفاته فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز آل سحمان، القاضي بمحكمة التمييز بالرياض.
وقبل أن ألقي الأضواء على مفردات أحمد من خلال هذا الكتاب، أرى أنه من الأحسن الإشارة بإيجاز إلى طبيعة منهج أحمد الفقهي، والأصول التي اعتمد عليها أحمد وتلاميذه في تكوين المذهب الحنبلي فأقول:
منهج الإمام أحمد في الفقه:
إن الإمام أحمد ﵀ إمام أهل الحديث في زمنه بلا منازع، شهد له بذلك شيوخه وأقرانه وتلاميذه.
قال عبد الرزاق الصنعاني: رحل إلينا من العراق أربعة من رؤساء أهل الحديث، الشاذكوني: وكان أحفظهم للحديث، وابن المديني: وكان أعرفهم باختلافه، ويحيى بن معين: وكان أعلمهم بالرجال، وأحمدُ بن حنبل: وكان أجمعهم لذلك كله (١).
وقال وكيع بن الجراح: ما قدم الكوفة مثل هذا الفتى، يعني أحمد بن حنبل (٢).
_________________
(١) مناقب الإمام أحمد ٩٧.
(٢) المرجع السابق ٩٩.
[ ١ / ٢٠ ]
وقال أحمد بن سعيد الرازي: ما رأيت أسود الرأس، أحفظ لحديث رسول الله - ﷺ - ولا أعلم بفقهه ومعانيه من أبي عبد الله أحمد بن حنبل (١).
وكان ﵀ إماما في الفقه.
قال عبد الرزاق الصنعاني: ما رأيت أفقه منه ولا أورع (٢).
وقال الشافعي: خرجت من بغداد وما خلفت بها أحدًا أتقى ولا أورع ولا أفقه -أظنه قال-: ولا أعلم من أحمد بن حنبل (٣).
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: انتهى العلم إلى أربعة: إلى أحمد بن حنبل، وهو أفقههم فيه. وإلى ابن أبي شيبة، وهو أحفظهم له، وإلى علي بن المديني، وهو أعلمهم به، وإلى يحيى بن معين، وهو أكتبهم له (٤).
وقال أبو زرعة: ما أعلم في أصحابنا أسود الرأس أفقه من أحمد بن حنبل (٥).
وقد جمع ﵀ بين الحديث والفقه، وبلغ فيهما منزلة فاق بها أقرانه. وقد استطاع أن يسخر الفقه -لما حازه من ذخيرة فائقة- في الحديث، فظهرت فتاواه وكأنها آثار بحتة لهيمنتها على ديباجة فقهه، فاصطبغت بصبغتها، واندمجت في ثناياها.
ولعل من الأسباب التي ساعدت على تكوين هذا النمط الفريد من الفقه شيوع تدوين الحديث والأثر في بلدان المسلمين، حتى قلّ أن يوجد أهل للرواية إلا ولديه تدوين أو صحيفة أو نسخة، وذلك أنه كم من حديث صحيح لا يرويه -قبل التدوين- إلا أهل بلد خاصة، كأفراد الشاميين
_________________
(١) ابن حنبل لأبي زهرة ٨٨.
(٢) مناقب الإمام أحمد ٩٦.
(٣) المرجع السابق ١٤٥.
(٤) المرجع السابق ١٥١.
(٥) المرجع السابق ١٦٣.
[ ١ / ٢١ ]
والعراقيين والمصريين، أو لم يروه إلا أهل بيت خاص، كنسخة بُرَيْد عن أبي بردة عن أبي موسى، ونسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وربما كان الصحابي مقلًا غير مشهور لم يحمل عنه إلا عدد قليل، فمثل هذه الأحاديث قد لا تصل إلى عامة أهل الفتوى قبل التدوين.
وقد طاف جهابذة الحديث أقطار البلاد الإِسلامية، فجمعوا الكتب ودونوا السنن، وتتبعوا ما جمعه طلبة العلم في نسخهم، فبينوا صحيح الأخبار من سقيمها، ونفوا ما فيها من الموضوعات، وأوضحوا ما فيها من الشاذ والمنكر.
وقد اجتمع باهتمام أولئك الأعلام من الحديث والآثار ما لم يكن مجموعًا من قبل، ويسروا للأئمة الاطلاع على هدي النبي - ﷺ - وصحابته، مما لم يكن ميسورًا من قبل لكل أحد، وخلص إليهم من طرق الأحاديث شيء كثير، حتى كان بعض الأحاديث عندهم له مائة طريق فما فوق، فكشف بعض الطرق ما استتر في بعضها الآخر، وعرف على كل حديث من الغرابة والاستفاضة وأمكن لهم النظر في المتابعات والشواهد، واجتمعت عندهم آثار فقهاء كل بلد من الصحابة والتابعين.
وكان كثير من أهل الفتوى قبلهم لا يتمكن إلا من جمع حديث بلده وأصحابه ومن يلتقي به.
وقد ظهر على الطبقة التي عاصرها أحمد أحاديث صحيحة كثيرة، وآثار عن صحابة النبي - ﷺ - كثيرة لم تظهر على أهل الفتوى من قبل، ويؤيد ذلك أن الشافعي قال لأحمد: أنتم أعلم بالأخبار الصحيحة منا، فإذا كان خبر صحيح فأعلموني حتى أذهب إليه كوفيًا كان أو بصريًا أو شاميًا (١).
فلم تكن مسألة من مسائل الفقه ترد على من تضلع بالحديث وتشبع بالآثار وتسنم ذروة الاستنباط والاجتهاد، إلا وجد لها حلًا في حديث صحيح أو حسن أو صالح للاعتبار، أو وجد أثرًا من آثار الشيخين أو سائر
_________________
(١) انظر حجة الله البالغة ١/ ١٤٨ - ١٤٩ ومفاتيح الفقه الحنبلي ١/ ٣٨٦ - ٣٨٨.
[ ١ / ٢٢ ]
الخلفاء أو الصحابة أو العلماء التابعين، أو قضاة الأمصار أو فقهاء البلدان، أو وجد استنباطًا من عموم أو إيماء أو اقتضاء، فيسر الله لهم العمل بالسنة على هذا الوجه.
ويبين لنا الإمام أحمد أنه لا يجوز للرجل أن يتولى الفتوى للناس إلا إذا كان صاحب رصيد ضخم من الأحاديث والآثار، فقد سئل ﵀: يكفي الرجل مائة ألف حديث حتى يفتي؟ قال: لا. حتى قيل: خمسمائة ألف حديث؟. قال: أرجو (١). وكان ﵀ مع فقهه ودرايته بصناعة الحديث من أحفظ العلماء لحديث النبي - ﷺ - وآثار الصحابة والتابعين. يقول العلامة ولي الله الدهلوي: وكان أعظمهم -أي أهل الحديث- شأنًا، وأوسعهم رواية، وأعرفهم للحديث مرتبة، وأعمقهم فقهًا، أحمد بن حنبل ثم إسحاق بن راهويه (٢).
ويحسن هنا أن نبين الأصول التي اعتمد عليها الإمام أحمد في فتاواه، وبنى عليها منهجه الفقهي، وسيكون ذلك بإيجاز، فنقول: