قد يكون الخلاف في الفروع ثمرة مترتبة على اختلاف العلماء في قواعد أصولية أو فقهية، يلمس أثرها واضحًا من قرأ كتب القواعد التي ألفت في كل مذهب من المذاهب الأربعة، أو قرأ كتب الأصول التي تتكلم عن القواعد الأصولية ممزوجة بأمثلتها من الفروع الفقهية أو مستنتجة منها، وسوف نتعرض هنا لبعض القواعد التي لمسنا أثرها واضحًا في هذا الكتاب منها:
١ - الجمع بين الدليلين مقدم على النسخ أو الترجيح عند التعارض إذا أمكن الجمع بين الدليلين المتعارضين فإنه يقدم على القول بالنسخ أو الترجيح عند الحنابلة والشافعية؛ لأنّ العمل بالدليلين إذا أمكن فهو أولى من إهمالهما (٢). ويختلف العلماء في تطبيق هذه القاعدة على آحاد الوقائع المختلفة ومنها:
أ- جمع الإمام أحمد بين حديث جابر -قال: "كان النبي - ﷺ - يصلي -يعني الجمعة- ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس" رواه مسلم (٣) - وبين حديث سلمة بن الأكوع: "كنا نجمع مع رسول الله - ﷺ - يصلي الجمعة حين تميل الشمس". رواه البخاري (٤) فجعل حديث جابر دالًا على وقت الجواز وحديث سلمة على وقت الأفضلية.
ب- جمع الإمام أحمد بين آية الخلع: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ الآية (٥). وبين ما رواه ابن ماجة؛ أن جميلة بنت سلول أتت النبي - ﷺ -
_________________
(١) مسلم برقم ٦٧٣، وأبو داود برقم ٥٨٤.
(٢) اللمع ٥٥، والروضة مع مذكرة الشنقيطي ٣١٧.
(٣) مسلم ٨٥٨.
(٤) البخاري ٧/ ٣٤٦.
(٥) سورة البقرة آية ٢٣٠.
[ ١ / ٤٢ ]
فقالت: والله يا رسول الله ما أعتب على ثابت في دين ولا خلق ولكن أكره الكفر في الإِسلام لا أطيقه بغضًا. فقال لها النبي - ﷺ -: "أَتَرُدِّينَ عَلَيهِ حَدِيقَتهُ"؟ قالت: نعم. فأمره النبي - ﷺ - أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد (١) فجعل -﵀- الآية دالة على جواز أخذ الزيادة على المهر في الخلع، والنهي في الخبر دالًا على كراهة ذلك.
٢ - أن صيغة الأمر عند الإطلاق تقتضي الوجوب، ولا تدل على غيره إلا بقرينة.
وهذا مذهب الجمهور (٢). ومنه:
أ- وجوب قبول الحوالة على مليء، فلا يعتبر فيها رضا المُحَال. وقد أخذ أحمد بأمره - ﷺ - في حديث أبي هريرة: "مَطْلُ الغَنِي ظُلْمٌ وَإِذَا أُتْبعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَليءٍ فَليَتّبعْ" [متفق عليه] (٣). وحمله الجمهور على الاستحباب (٤).
ب- وضع الجوائح. وقد أخذ أحمد بحديث جابر -﵁- قال: أمر النبي - ﷺ - بوضع الجوائح، رواه مسلم وأبو داود (٥).
٣ - اقتضاء النهي الفساد:
وقد نص الإمام أحمد عليه في مواضع. قال علاء الدين ابن اللحام: إطلاق النهي؛ هل يدل على الفساد أم لا؟ في ذلك مذاهب:
أحدها: أنه يدلّ على الفساد مطلقًا.
قال أبو البركات: نص عليه في مواضع تمسك فيها بالنهي المطلق على الفساد، وهذا قول جماعة من الفقهاء، حكاه القاضي أبو يعلى.
_________________
(١) ابن ماجة برقم ٢٠٥٧، والبيهقيُّ ٧/ ٣١٣.
(٢) التمهيد في تخريج الفروع على الأصول ٢٦٠ - ٢٦١.
(٣) البخاري ٤/ ٣٨١، ومسلمٌ برقم ١٥٦٤.
(٤) انظر فتح الباري ٤/ ٣٨١، ونيل الأوطار ٥/ ٢٦٧.
(٥) مسلم برقم ١٥٥٤، وأبو داود برقم ٣٣٧٤، والنسائيُّ ٧/ ٣٦٤ - ٣٦٥.
[ ١ / ٤٣ ]
قال الخطابي: ظاهر النهي يوجب فساد المنهي عنه، إلا أن تقوم دلالة على خلافه، قال: وهذا هو مذهب العلماء.
الثاني: لا يدلّ عليه مطلقًا، ونقله في المحصول عن أكثر الفقهاء، والآمدي عن المحققين.
الثالث: يدلّ عليه في العبادات دون المعاملات، وهو المختار في المحصول والمنتخب وغيرهما، وقاله أبو الحسين البصري.
الرابع: أنه يدلّ عليه في العبادات مطلقًا وفي المعاملات، إلا إذا رجع إلى أمر مقارن للعقد غير لازم له بل ينفك عنه، كالنهي عن البيع يوم الجمعة وقت النداء، فإن النهي إنما هو لخوف تفويت الصلاة لا لخصوص البيع؛ إذ الأعمال كلها كذلك، التفويت غير لازم لماهية البيع. وهذا القول قد نقله ابن برهان في الوجيز عن الشافعي، واختاره الرازي في المعالم في أثناء الاستدلال، ونقله الآمدي بالمعنى عن أكثر أصحاب الشافعي (١)، هذه خلاصة آراء العلماء في المسألة. ولهذه القاعدة عند أحمد فروع موجودة في هذا الكتاب منها:
١ - لا تصح الطهارة من آنية الذهب والفضة، ولا من إناء اشتراه صاحبه بثمن محرم، ولا من إناء مغصوب.
٢ - لا يصح الاستجمار بالمغصوب.
٣ - لا تصح الصلاة في ثوب الحرير ولا في الثوب المغصوب.
٤ - بطلان بيع الحاضر للبادي إذا توفرت الشروط الخمسة، وستأتي في موضعها إن شاء الله.
٥ - بطلان الصلاة في المواضع المنهي عنها.
٦ - بطلان صلاة الفذ خلف الصف.
٧ - تحريم ما ذبح بسكين مغصوب.
_________________
(١) القواعد والفوائد الأصولية ١٩٢، وانظر أيضًا: العدة ٢/ ٤٣٢، والإحكام للآمدي ٢/ ١٧٤ - ١٧٥ المطبوع سنة ١٣٨٧ هـ.
[ ١ / ٤٤ ]
التعريف بمؤلف الكتاب
ويشمل:
١ - عصره.
٢ - نسبه ومولده.
٣ - نشأته وتعلمه.
٤ - خلقه.
٥ - صلاته بعلماء نجد.
٦ - شيوخه.
٧ - تلاميذه.
٨ - مؤلفاته.
٩ - وفاته.
[ ١ / ٤٥ ]