إن كل عمل بشري من غير معصوم لا بدّ أن يكون فيه نقص وعليه مآخذ، لكن هذه المآخذ تختلف من عمل إلى عمل، فقد تكون في صميم جوهر العمل وقد تكون جانبية أو شكلية؛ لا تقلل من قيمة العمل ولا تضعف ثقة الناس فيه.
[ ١ / ٦٨ ]
وغالب ما سننبه عليه من الملاحظات يكون الشيخ فيها تابعًا لمؤلف الشرح الكبير، حيث اعتمد عليه في عزو المذاهب ونقل الأدلة. وقد يكون خطأ في النقل تجاوز فيه كلمات أو أسطرًا فجاءت العبارة بسبب السقط غير سليمة، وسننبه على جنس هذه المآخذ بضرب بعض الأمثلة مما في الكتاب فنقول:
أ- اعتماده في نقل الأحاديث وعزوها على كتاب الشرح الكبير من غير أن يرجع إليها في كتب الحديث، وقد أوقعه هذا العمل في أخطاء منها:
١ - أخطأ المؤلف في ص ٢٤٧ في عزو حديث: "من قتل قتيلًا فله سلبه غير مخموس". فذكر أنه متفق عليه، وليس كذلك، فإن لفظ غير مخموس ليس عند البخاري ومسلمٌ.
٢ - في ص ٢٩٣ جعل لفظ الحديث المرسل الذي روته عمرة عن رسول الله - ﷺ - وأخرجه مالك في الموطأ وأحمدُ في المسند من رواية الصحيحين، مع أن الشيخين لم يروياه باللفظ الذي ساقه به بل روياه بلفظ آخر.
٣ - في ص ٤٨٧ جعل حديث فاطمة بنت قيس باللفظ الذي ساقه به من رواية الشيخين، وليس كذلك، بل هو بهذا اللفظ من أفراد مسلم.
٤ - في ص ٣٥٩ دمج أثرين أحدهما عن يحيى بن سعيد الأنصاري والثاني عن سعيد بن المسيّب فجعلهما أثرًا واحدًا، وقد بينت ذلك في التعليق.
ب- ادعاء الإجماع في كثير من المسائل التي نقل فيها قول صحابي ولم يعرف له مخالف، وهذا كثير جدًا في الكتاب، وهو الذي نهى عنه أحمد كما سبق في أصول مذهب الإمام أحمد.
ب- اعتمد في نقل مذاهب الأئمة الثلاثة الآخرين على كتاب الشرح الكبير، وقد ذكر ذلك في مقدمة الكتاب، وقد صرح به أيضًا في أثناء الكتاب في مسائل منها:
[ ١ / ٦٩ ]
١ - قال في ص ٣٤٧ قال: وحكى الأصحاب الضمان عن أبي حنيفة والشافعيُّ.
٢ - قال في ص ٤١١ قال: قال في الشرح: وهو أصح وهو قول أبي حنيفة.
٣ - قال في ص ٤٢٣ قال في الشرح: وبه قال أبو حنيفة ومالك. وقال الشافعي: ليس له ذلك إلخ.
وقد أوقعه ذلك في بعض الأخطاء منها:
١ - في ص ٢١٢ ذكر المؤلف عن الحنفية أنهم يوافقون ما حكاه الناظم عن الإمام أحمد في المفردات، وهو اشتراط وجود المحرم لحج المرأة ولو كانت في جوار الحرم.
والذي في المذهب الحنفي اشتراط المحرم لمن بينها وبين مكة مسافة قصر .. (انظر فتح القدير ٢/ ٤١٩ - ٤٢٠ - وبدائع الصنائع ٢/ ١٢٤).
٢ - في ص ٢٦٢ نسب إلى الإمام مالك أنه يقول: يجب قسم الأرضين التي فتحت عنوة، وقد ذكر ابن عبد البر في الكافي ١/ ٤٨١ وابن رشد في بداية المجتهد ١/ ٤٠١ عن مالك أنه يرى أنها لا تقسم بل توقف.
٣ - في ص ٢٩١ نسب إلى الشافعي أنه يقول: لا يصح رهن الثمرة قبل بدو صلاحها، ولا الزرع الأخضر حتى يشتد؛ لأنه لا يصح بيعهما. وقد نص الشافعي في الأم ٣/ ١٤٣ على جواز ذلك.
د- الخطأ في النقل ومنه:
١ - نقل المؤلف في ص ٦٢ عند ذكر من قال: يجزئ التيمم بضربة واحدة عن الترمذيُّ قوله: وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب رسول الله - ﷺ - وغيرهم، منهم علي وعمار وابن عباس وعطاء والشعبي والأوزاعي ومالك وإسحاق. وهذا النقل غير دقيق، فإن الأوزاعي ومالك لم يكونا من القائلين به في عبارة الترمذيُّ، أما مالك فقد ذكره الترمذيُّ مع فريق آخر يقول بأن التيمم لا بد فيه من ضربتين.
[ ١ / ٧٠ ]
وأما الأوزاعي فلم يذكره الترمذيُّ بشيء. (انظر سنن الترمذيُّ مع شرحها تحفة الأحوذي ١/ ٤٤٢ - ٤٤٣).
٢ - وفي ص ١١١ عند الكلام على عدم لزوم متابعة المأموم لإمامه في سجدة التلاوة في السرية نقل المؤلف قول الموفق في المغني ١/ ٦٥٤:
والأولى السجود لقول النبي - ﷺ -: "إنَّما جُعِلَ الإمَامُ ليُؤتَمَّ به فَإذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا"، وما ذكره يبطل بما إذا كان الإمام بعيدًا أو أطرش .. إلخ.
وقد يبدو للقارئ أن قوله: وما ذكره يبطل، رد على الموفق، وليس كذلك، بل هو من كلام الموفق يرد به على طائفة من الحنابلة كرهوا قراءة السجدة في السرية، وصحة العبارة كما في المغني: وما ذكروه، وليس في الكلام ما يدل على مرجع للضمير المستتر في: ذكره فيبدو أنه عائد إلى الموفق.
٣ - وفي ص ٢٠١ نقل من الفروع ٣/ ١٩١ في توجيه كلام أبي بكر القائل بلزوم الكفارة بالوطء في الاعتكاف، قال: ومراد أبي بكر ما اختاره صاحب المغني والمحرر والمستوعب وغيرهم أنه أفسد المنذور بالوطء، فهو كما لو أفسده بالخروج لما له منه بد على ما سبق أ. هـ وقد يتوهم القارئ أنه سبق في هذا الكتاب، وخصوصًا أنه لم يضع حدًا لنهاية النقل من الفروع، والحق أنه سبق في كتاب الفروع وليس في هذا الكتاب.
٤ - وفي ص ١٩٦ نقل عن أبي قلابة كلامًا، هو من قول الشافعي، وقد بينته في موضعه.
هـ - الخطأ في الأسماء: ومنه:
١ - في ص ٧٧ جعل حديث النبي - ﷺ - في المستحاضة عن علي بن ثابت عن أبيه عن جده والصواب عديّ بن ثابت. (انظر الحديث في سنن أبي داود برقم ٢٩٧ وفي سنن الترمذيُّ برقم ١٢٦، ١٢٧).
٢ - وفي ص ١٩١ نقل عدم إجزاء الصوم في السفر عن عبد الله بن عوف والصواب عبد الرحمن بن عوف. (انظر سنن النسائيُّ ٤/ ١٨٣ والمحلى ٤/ ٢٥٧).
[ ١ / ٧١ ]
٣ - وفي ص ٢٦٤ ذكر المؤلف أنه ورد في كتاب أهل الجزيرة، لعياض بن غنم: ولا نجدد ما خرب من كنائسنا. والصواب: عبد الرحمن بن غنم، كما ورد في سنن البيهقي ٩/ ٢٠٢ وفي المغني ١٠/ ٦٠٦.
٤ - ذكر المؤلف في ترجمة القاضي الفاضل ص ١٦ أنه توفي ليلة السبت سحر خامس جمادى الأولى سنة ستين وخمسمائة.
وقال: كذا ذكره ابن الجوزي في طبقاته.
وقد راجعت ترجمة ابن الجوزي في ذيل طبقات الحنابلة ١/ ٤١٦ - ٤٢١ ولم أجد له مؤلفًا بهذا الاسم مع كثرة مؤلفاته، وقد وجدت أن ابن الجوزي ترجم للقاضي الفاضل في كتابه المنتظم ١٠/ ٢١٣، وفيه أنه توفي ليلة السبت خامس جمادى الآخرة من سنة ستين وخمسمائة.
و- عدم تحرير محل النزاع:
قد يفوت على المؤلف أحيانًا أن يحرر موضع النزاع في المسألة فيدمجها من غير تحرير، وذلك كما فعل في ص ١٠١ حين تكلم على ما انفرد به أحمد حول مسألة ما إذا نسي التشهد الأوّل ثم ذكره، فإن لهذه المسألة ثلاثة أحوال:
الأولى: أن يذكره قبل أن يستتم قائمًا فحينئذ يجب عليه الرجوع، وهو مذهب الجمهور.
الثانية: أن يستتم قائمًا ثم يذكر قبل أن يبتدئ في القراءة فيجوز له الرجوع مع الكراهة، وهذا ما ذكره الناظم من المفردات.
الثالثة: إذا استتم قائمًا وشرع في قراءة الفاتحة حرم رجوعه، وهذا مذهب الجمهور.
وفي ص ٤٩٨ شرح المؤلف بيت الناظم:
إعفاف ابنِ لازمُ للوالد كعكسه لا تكُ بالمعاند
بأنّه يجب على الابن أن يعف أباه إذا احتاج إلى الإعفاف .. إلخ، مع أن البيت في وجوب إعفاف الوالد لولده:
[ ١ / ٧٢ ]
ز- أخطاء لغوية:
اتفقت عليها النسخ الخطية، ولعلها من الناسخ الأوّل: ومنها:
١ - قال المؤلف في ص ١٧: دلائل جمع دليل. وقد راجعت كتب اللغة فوجدت أن دلائل جمع دلالة ودليلة، وأن دليلًا يجمع على أدلة وأدلاء. (انظر لسان العرب ١١/ ٢٤٨، وتاج العروس ٧/ ٣٢٥).
٢ - وقال في ص ٢٩: ومولده سنة اثنين وثلاثين وأربعمائة، والصواب اثنتين وثلاثين وأربعمائة.
٣ - وقال في ص ٣٨٩: وقال الثوري والشافعيُّ وأبو يوسف: السدس بينهما نصفين، والصواب نصفان.
٤ - وقال في ص ٤٤٣: إذا خالعت المريضة في مرض موتها المخوف بزيادة عن ميراثها .. إلخ، والصواب: ميراثه؛ لأنه هو الذي سيرث لو ماتت في مرضها هذا.
٥ - وقال في ص ٤٨٨: فأقل زمن يمكن فيه ذلك تسع وعشرون يومًا ولحظة، والصواب: تسعة وعشرون يومًا.