كان -﵀- موضع التبجيل والاحترام من علماء نجد الحنابلة، فكانوا يراسلونه ويتلقفون ببالغ الشوق كتبه وحواشيه! بل لقد سافر بعضهم إلى مصر لأخذ العلم عنه والقراءة عليه، وقد ترجم له ابن بشر -في كتابه: عنوان المجد في تاريخ نجد- في السوابق، وقد نقل الشيخ أحمد بن محمَّد المنقور المتوفى سنة ١١٢٥ هـ في مجموعه الذي دون فيه فتاوى وتعليقات شيخه عبد الله بن محمَّد بن ذهلان المتوفى سنة ١٠٩٩ هـ، نقل فيه من جميع كتب الشيخ منصور، ففي ١/ ٧٨ نقل من كتاب المنح الشافيات قوله:
قال في المفردات:
وبدخول الوقت طهر يبطل لمن بها استحاضة قد نقلوا
لا بالخروج منه لو تطهرت للفجر لم يبطل لشمس ظهرت
قال في شرحها: لا تبطل الطهارة بخروج الوقت إذا لم يدخل وقت صلاة أخرى من الخمس؛ فمن تطهرت لصلاة الصبح لم يبطل وضوؤها بطلوع الشمس؛ لأنه لم يدخل وقت صلاة أخرى.
وقد ذكر ابن منقور في هذا المجموع نقولًا كثيرة من كتابه "كشاف القناع" ومن حاشيته على المنتهى. ويذكر ابن منقور أن الشيخ أحمد بن بسام أرسل إلى الشيخ أحمد بن محمَّد بن خيخ النجدي -كان بالمدينة- يسأله عن مسألة في الوقف، فوافق وجود الشيخ منصور، فأجاب: وصورة السؤال:
شخص وقف عقاره -وله ثلاثة أولاد- على ولديه فلان وفلان وسكت عن الثالث. ومات الجميع؛ الموقوف عليهم والمسكوت عنه. وخلف الكل أولادًا. الموقوف عليه والمسكوت عنه ورفع الأمر إلى خويدم نعالكم، وأفتيت بدخول أولاد الجميع -المسكوت عنه والموقوف عليه- على ما صرح به في "المغني، والإنصاف، والفروع، وشرح المنتهى".
وخالف في ذلك آخر، ونقل عن الإقناع عبارة توهم من ليس له
[ ١ / ٥٢ ]
ممارسة بمذهب أحمد. وأفتاه شافعية بغير الفهم الواضح، حتى إبراهيم ابن حسن مفتي الإحساء فهم كما فهموا، ولما نقلت له العبارة قال: والله فتيا الرجل في غير مذهبه يؤدي إلى الزلل وأنا راجع، فقد قال عمر على المنبر: أصابت الجارية وأخطأ عمر. ولم تأخذه العزة (١).
فأجاب الشيخ منصور: قد سر الفقير بما أفتيتموه وأوضحتموه، وأن الحق لأولاد الجميع لا يختص به أولاد أحدهم؛ لأنّ هذا منقطع الآخر، وهم ورثة الواقف؛ ينصرف المنقطع عليهم على قدر إرثهم من الواقف وقفًا.
ومسألة (المغني) و(الإقناع) و(المنتهى) إن كانت هي التي عبروا عنها بقولهم: وإن قال: هذا وقف على ولدي فلان وفلان وولد ولدي. وله ثلاثة بنين، كان على المسمين وأولادهما وأولاد الثالث دونه وليست هذه المسألة؛ لأنّ الواقف في هذه المسألة له مآل، وولد ولدي مفرد مضاف لمعرفة فيعم، وفي المسألة المستفتى فيها ليس له مآل بالكلية، لكن جاء الاشتراك بينهم من حيث إن الكل من ورثة الواقف، وإن المنقطع يصرف لورثته نسبًا، وقفًا على قدر إرثهم. كتبه منصور البهوتي عفا الله عنه، ونقله ابن منقور من خطه (٢).
وكان علماء نجد حريصين على لقاء الشيخ والسماع منه، وقد ذكر ابن بشر في تاريخه "عنوان المجد" أنه في سنة ١٠٤٩ هـ حج الشيخ منصور وحج عالم نجد في وقته الشيخ سلمان بن علي بن مشرف، فاجتمعا وتباحثا، وأطلعه الشيخ منصور على شرحه للإقناع -وكان لم ينته منه إلا ذلك العام- فتأمله الشيخ سليمان وكان قد ابتدأ في شرح الإقناع فوجده مطابقًا لما عنده، إلا مواضع يسيرة فأتلف شرحه.
ولعل قوله: إنه لم ينته من شرحه للإقناع إلا ذلك العام، يعني انتهاءه
_________________
(١) هذا الأثر ساق أسانيده العجلوني في كشف الخفا، ومزيل الألباس ١/ ٣١٦ - ٣١٧.
(٢) الفواكه العديدة ١/ ٥١٠ - ٥١١.
[ ١ / ٥٣ ]
من تنقيحه ومراجعته، وإلا فقد ذكر ابن بشر أن الشيخ ابتدأ بشرح المعاملات أولًا، وفرغ من المجلد الأوّل منها تاسع عشر ذي الحجة سنة أربع وأربعين، وشرع في المجلد الثاني وفرغ منه سنة خمس وأربعين وألف يوم الخميس مستهل شعبان (١) وشرح العبادات في سنة ست وأربعين ثم ذكر أنه فرغ من شرح المنتهى سنة تسع وأربعين وألف من الهجرة، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.