بقي الْمُوَفَّق في فلسطين (^١) عشر سنين، بدأ في حفظ القرآن الكريم، ثم هاجر مع والده إلى دمشق وهناك أكمل حفظ القرآن وهو دون سن البلوغ، وحفظ مختصر الخرقي، وكتبَ الخط المليح، وقرأ على مشايخ دمشق، ثم تنوعت رحلاته ﵀ في طلب العلم، فرحل أولًا إلى بغداد هو وابن خالته - الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد بن علي المقدسي (^٢) - وأقاما هناك أربع سنوات، أتقنا خلالها الفقه، والحديث، والخلاف، ثم
_________________
(١) فلسطين: بكسر الفاء وفتح اللام، فتحها معاوية سنة (١٩ هـ)، بلد ذو زروع وفواكه وتجارات مكتظ بالسكان، سميت فلسطين؛ لأن أَوَّل من نزلها فلستين بن كيسوحين يقطن بن يونان بن يافث بن نوح ﵇، وهي مدينة بيت المقدس بينها وبين الرملة ثمانية عشر ميلا، وهي آخر كور الشام من ناحية مصر، ومن مشهور مدنها عسقلان، والرملة، وغزة، ونابلس، وأريحا، وعمان، ويافا، وبيت جبرين، وقيل في تحديدها: إنها أَوَّل أجناد الشام من ناحية الغرب، وطولها للراكب مسافة ثلاثة أيام، أولها رفح من ناحية مصر وآخرها اللجون من ناحية الغور، وعرضها من يافا إلى أريحا نحو ثلاثة أيام أيضا. ينظر: المسالك والممالك ١/ ٤٦٤، والجبال والأمكنة والمياه ص ٢٥٧، ومعجم البلدان ٤/ ٢٧٤، والروض المعطار في خبر الأقطار ص ٤٤١.
(٢) هو: الإمام الحافظ تقي الدِّين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي المقدسي، الجماعيلي، ثم الدمشقي المنشأ الصالحي الحنبلي، ولد بجماعيل من أرض نابلس سنة (٥٤١ هـ)، كان من أهل بيت عرفوا بالعلم والصلاح، اتجه إلى طلب العلم في سن مبكرة، فتتلمذ في صغره على عميد أسرته العلامة محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي أبو عمر، ثم تتلمذ على شيوخ دمشق وعلمائها فأخذ عنهم الفقه وغيره من العلوم، له مصنفات عديدة منها: المصباح في عيون الأحاديث الصحاح، ونهاية المراد من كلام خير العباد، وتحفة الطالبين في الجهاد والمجاهدين، توفي سنة (٦٠٠ هـ) ينظر: العبر في خبر من غبر ٣/ ١٢٩، وتأريخ الإسلام ٤٢/ ٤٤٢، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١١١.
[ ١ / ٢٥ ]
انتقل إلى رِبَاطِ النَّعَّالِ، واشتغل على ابن المَنِّيِّ (^١)، ثم ارتحل إلى مكة عام (٥٧٣ هـ) وأدى مناسك الحج، وقرأ، والتقى بأهل
العلم، ومنهم المبارك بن الطبّاخ (^٢)، وفي طريق العودة ذهب إلى بغداد، حيث بقي فيها سنة، كما رحل إلى الموصل (^٣)، ثم ارتحل إلى دمشق، وبدأ بالتأليف، والكتابة، وكانت رحلاته لطلب العلم وتحصيله.
_________________
(١) هو: العلامة ناصح الدِّين نصر بن فتيان بن مطر بن المني النهرواني، أبو الفتح الحنبلي، فقيه العراق، ولد سنة (٥٠١ هـ)، وتفقه على أبي بكر أحمد بن محمد الدِّينوري، ولازمه حتى برع في المذهب، وسمع من: هبة الله بن الحصين، والحسين بن محمد البارع، والحسين بن عبد الملك الخلال، وأبي الحسن بن الزاغوني، تفقَّه عليه الشيخ الْمُوَفَّق، والبهاء عبد الرحمن، قال ابن النجار: كان ورعا، عابدا، حسن السمت، على منهاج السلف، أضر بأخرة، وثقل سمعه، ولم يزل يدرس إلى حين وفاته بمسجده بالمأمونية، توفي سنة (٥٨٣ هـ). ينظر: تأريخ الإسلام ٤١/ ١٦٦، وسير أعلام النبلاء ٢١/ ١٣٨، وذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٣٥٤، والمقصد الأرشد ٣/ ٦٢.
(٢) هو: المبارك بن علي بن الطباخ البغدادي الحنبلي، أبو محمد، المجاور بمكة، وإمام الحنابلة بالحرم، كان يكتب العبر، ويؤم بحطيم الحنابلة، سمع من ابن الحسين، وأبي بكر المزرفي، وابن غالب بن البنا، والقاضي أبي الحسين بن الفراء، وكتب بخطه، سمع منه أبو سعد بن السمعاني، وأبو القاسم عبيد الله بن الفراء، وأبو العباس أحمد بن محمد بن الفراء، وأبو الفتح بن عبدوس الحراني، كان أديبا فاضلا مليح الإنشاء حسن الطريقة، وروى عن هبة الله بن أحمد الموصلي وجماعة. توفي سنة (٥٧٥ هـ) وله (٨٦ سنة) ينظر: العبر في خبر من غبر ٣/ ٧٠، وذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٣١٧.
(٣) الموصل: بفتح أوله، وإسكان ثانيه، بعده صاد مهملة مكسورة، المدينة المشهورة العظيمة، إحدى قواعد بلاد الإسلام، قليلة النظير كبرا وعظما، وكثرة خلق، وسعة رقعة، فهي محط رحال الركبان ومنها يقصد إلى جميع البلدان فهي باب العراق ومفتاح خراسان، ومنها يقصد إلى أذربيجان، سميت بذلك؛ لأنها وصلت بين الفرات ودجلة. وقيل: لأنها وصلت بين الجزيرة والعراق. نظر: معجم ما استعجم ٤/ ١٢٧٨، ومعجم البلدان ٥/ ٢٢٣، وآثار البلاد وأخبار العباد ص ٤٦٣.
[ ١ / ٢٦ ]