أولًا: عقيدته:
يعتبر العلامة الْمُوَفَّق من أعلام السلف، سليم المعتقد، حيث تربى على سلامة العقيدة، والأخذ من معين الكتاب والسنة. والسير على منهج السلف.
قال سبط ابن الجوزي ﵀: «كان صحيح الاعتقاد، مبغضا للمشبهة».
وقال: من شرط التشبيهات أن يرى الشيء ثم يشبهه، من رأى الله تعالى حتى يشبهه لنا.
وقال ابن النجار (^١): «كان الشيخ موفق الدِّين إمام الحنابلة بالجامع، وكان ثقة حجة نبيلًا، غزير الفضل، كامل العقل، شديد التثبت، دائم السكون، حسن السمت، نزها ورعا عابدا عَلَى قانون السلف».
وقال ابن رجب: «وتصانيفه في أصول الدِّين في غاية الحسن، أكثرها على طريقة أئمة المحدثين، مشحونة بالأحاديث والآثار، وبالأسانيد، كما هي طريقة الإمام أحمد وأئمة الحديث، ولم يكن يرى الخوض مع المتكلمين في دقائق الكلام، ولو كان بالرد عليهم، وهذه طريقة أحمد والمتقدمين، وكان كثير المتابعة للمنقول في باب الأصول وغيره، لا يرى إطلاق مالم يؤثر من العبارات، ويأمر بالإقرار والإمرار لما جاء فِي الكتاب والسنة من الصفات، من غَيْر تفسير ولا تكييف، ولا تمثيل ولا تحريف،
_________________
(١) ينظر: ذيل طبقات الحنابلة ٣/ ٢٨٤.
[ ١ / ٤٠ ]
ولا تأويل ولا تعطيل» (^١).
وإن المتأمل في كلام ابن رجب السابق، والمتأمل في بعض كتب الْمُوَفَّق المتعلقة بالعقيدة يلمس أنه قد تأثر بمسلك الأشاعرة، ولا سيما في صفات الأفعال، واكتفى بالإقرار، والإمرار ومن أمثلة ذلك:
١ - قال في لمعة الاعتقاد (^٢) لما تكلم عن كلام السلف وأئمة الخلف في الصفات: «وعلى هذا درج السلف، وأئمة الخلف -﵃-، كلهم متفقون على الإقرار، والإمرار».
والكلام فيه إجمال لمذهب السلف، والصواب أنه لابد من الإيضاح والتفصيل.
٢ - قوله في لمعة الاعتقاد عن كلام الله: «من صفات الله تعالى أنه متكلم بكلام قديم» (^٣).
قال ابن عثيمين في تعليقه على لمعة الاعتقاد (^٤): قوله: متكلم بكلام قديم يعني: قديم النوع حادث الآحاد لا يصلح إلا هذا المعنى على مذهب أهل السنة والجماعة، وإن كان ظاهر كلامه أنه قديم النوع والآحاد.
وقال شيخ الإسلام (^٥): «إن لفظ القديم أولًا ليس مأثورًا عن السلف، وإنما الذي اتفقوا عليه أن القرآن كلام الله غير مخلوق».
_________________
(١) ينظر: ذيل طبقات الحنابلة ٣/ ٢٩١.
(٢) ينظر: لمعة الاعتقاد ص ٧.
(٣) ينظر: لمعة الاعتقاد ص ١٥.
(٤) ينظر: تعليق مختصر على كتاب لمعة الاعتقاد ص ٧٤.
(٥) ينظر: الفتاوى الكبرى ٦/ ٤٦٥.
[ ١ / ٤١ ]
٣ - قال في روضة الناظر (^١) في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الله﴾ (^٢) أي: أولياء الله.
وهذا التفسير رده الشنقيطي في مذكرة في أصول الفقه (^٣) فقال: «وأما تفسيره» «يؤذون الله» بقوله يؤذون أولياءه فليس بصحيح، بل معنى إيذائهم الله كفرهم به وجعلهم له الأولاد والشركاء، وتكذيبهم رسله.
وبهذا يتبين أن الْمُوَفَّق سار على عقيدة السلف في الجملة، وقد تأثر في مذهب الأشاعرة في بعض المسائل، كصفات الله، والتفويض والإمرار، وذلك لانتشار مذهبهم في عصره (^٤).
ثانيًا: مذهبه الفقهي:
أما مذهبه فهو حنبلي يظهر من خلال الوقوف على شيوخه، وتلاميذه، كما يظهر من خلال مصنفاته الفقهية مثل الكافي، والمغني وغيرها، كما اشتهر بهذا المذهب عند الفقهاء، والمصنفين (^٥).
وقد بين الْمُوَفَّق سبب اتباعه لمذهب الإمام أحمد فقال في المغني (^٦): «وكان إمامنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل -﵁-، من أوفاهم
_________________
(١) ينظر: روضة الناظر: ١/ ٢٦٠.
(٢) سورة الأحزاب: ٥٧.
(٣) ينظر: مذكرة في أصول الفقه ص ٧٢.
(٤) للاستزاده يراجع كتاب المسائل الأصولية المتعلقة بالأدلة الشرعية ١/ ٩٥.
(٥) ينظر: سير أعلام النبلاء ٢٢/ ١٦٧، ذيل طبقات الحنابلة ٣/ ٢٨١، فوات الوفيات ٢/ ١٥٨، الوافي بالوفيات ١٧/ ٢٣، شذرات الذهب ٧/ ١٥٥.
(٦) ينظر: المغني ١/ ٤.
[ ١ / ٤٢ ]
فضيلة، وأقربهم إلى الله وسيلة، وأتبعهم لرسول الله -ﷺ- وأعلمهم به، وأزهدهم في الدنيا وأطوعهم لربه، فلذلك وقع اختيارنا على مذهبه».
ولكن الْمُوَفَّق ﵀ كان مجتهدًا فلم يقتصر على ترجيح المذهب، ولم يتعصب له إذا ظهر أن الحق خلافه، ومن تتبع كتابه المغني الزاخر بأقوال الأئمة، والأصحاب، وجد أن الْمُوَفَّق اجتهد في مسائل، وخالف ظاهر مذهب الإمام أحمد، فمثلا في مسألة تحديد مسافة القصر في الصلاة، يرى الْمُوَفَّق عدم التحديد بمسافة معينة، مخالفا بذلك المذهب وغيره فقال (^١): «ولا أرى لما صار إليه الأئمة حجة، لأن أقوال الصحابة متعارضة مختلفة، ولا حجة فيها مع الاختلاف، وقد روي عن ابن عباس، وابن عمر، خلاف ما احتج به أصحابنا، ثم لو لم يوجد ذلك لم يكن في قولهم حجة مع قول النبي -ﷺ- وفعله، وإذا لم تثبت أقوالهم امتنع المصير إلى التقدير الذي ذكروه …» وكذلك مسألة تغريب المرأة الزانية البكر، ومسألة حكم السعي، وغيرها كثير (^٢).
_________________
(١) ينظر: المغني ٢/ ١٩٠.
(٢) ليراجع في ذلك تحقيق الدكتور عبد العزيز السعيد على الروضة القسم الأَوَّل من الدراسة، وكذلك رسالة الدكتور عبد الرحمن السديس (المسائل الأصولية المتعلقة بالأدلة الشرعية) ١/ ١٠٦.
[ ١ / ٤٣ ]