يعتبر ابن قدامة شيخ المذهب، وكتبه تعتبر هي العمدة في المذهب، وجميع المتأخرين عيال عليه، فهم إما شارحون لكتبه، أو ناقلون لأقواله ويظهر ذلك من أقوال العلماء فيه:
فقال الشيخ عبد الله اليونيني (^١): «ما أعتقد أن شخصًا ممن رأيته حصل له من الكمال في العلوم والصفات الحميدة التي يحصّل بها الكمال سواه، فإنه﵀- كان إمامًا كاملًا في صورته ومعناه، من الحسن، والإحسان، والحلم، والسؤدد، والعلوم المختلفة، والأخلاق الحميدة، والأمور التي ما رأيتها كملت في غيره، وقد رأيت من كرم أخلاقه وحسن عشرته، ووفور حلمه، وكثرة علمه، وغزير فضله وفطنته، وكمال مروءته، وكثرة حيائه، ودوام بشره، وعزوف نفسه عن الدّنيا وأهلها، والمناصب وأربابها، ما قد عجز عنه كبار الأولياء» (^٢).
قال الضياء: «كان ﵀ إمامًا في القرآن وتفسيره، إمامًا في علم الحديث ومشكّلاته، إمامًا في الفقه بل أوحد زمانه فيه، إمامًا في علم الخلاف،
_________________
(١) هو: عبد الله بن عثمان بن جعفر اليونيني، أبو عثمان، الزاهد الكبير، أسد الشام، وكان شيخا مهيبا طوالا، حاد الحال، تام الشجاعة، أمارا بالمعروف نهاء عن المنكر، كثير الجهاد، دائم الذكر، عظيم الشأن، توفي سنة (٦١٧ هـ). ينظر: العبر في خبر من غبر ٣/ ١٧٣، وتأريخ الإسلام ٤٤/ ٣٣٨، وسير أعلام النبلاء ٢٢/ ١٠١، والمقصد الأرشد ٢/ ٣٥٧، وشذرات الذهب ٧/ ١٣٢.
(٢) انظر: شذرات الذهب ٧/ ١٥٩، وسير أعلام النبلاء ٢٢/ ١٦٩، وذيل طبقات الحنابلة ٣/ ٢٨٧.
[ ١ / ٣٦ ]
أوحد زمانه في الفرائض، إمامًا في أصول الفقه، إمامًا في النحو، إمامًا في الحساب، إمامًا في النجوم السيارة والمنازل» (^١).
وقال عمر بن الحاجب (^٢): «هو إمام الأئمة، ومفتي الأمة، خصه الله بالفضل الوافر، والخاطر الماطر، والعلم الكامل، طنت بذكره الأمصار، وضنت بمثله الأعصار، أخذ بمجامع
الحقائق النقلية والعقلية، إلى أن قال: وله المؤلفات الغزيرة، وما أظن الزمان يسمح بمثله، متواضع، حسن الاعتقاد، ذو أناة، وحلم، ووقار، مجلسه معمور بالفقهاء، والمحدثين، وكان كثير العبادة، دائم التهجد، لم نر مثله ولم ير مثل نفسه» (^٣).
وقال أبو العباس ابن تيمية (^٤): «ما دخل الشام بعد الأوزاعي، أفقه
_________________
(١) انظر: ذيل طبقات الحنابلة ١/ ٢٣٨.
(٢) هو: عمر بن محمد بن منصور الأميني، الدمشقي المعروف بابن الحاجب (عز الدِّين) أبو حفص، محدث، حافظ، مؤرخ، عالم بتقويم البلدان، ولد بدمشق سنة (٥٩٣ هـ)، تنقل في بلاد شتى لطلب العلم، سمع من: هبة الله بن الخضر بن طاوس- وهو أقدم شيخ له-، وموسى بن عبد القادر، والشيخ الْمُوَفَّق، له مصنفات عدة منها: معجم الشيوخ فيه ألف ومئة وثمانون شيخا، معجم البقاع والبلدان التي سمع بها، توفي سنة (٦٣٠ هـ). ينظر: العبر في خبر من غبر ٣/ ٢٠٧، وتأريخ الإسلام ٤٥/ ٤٠٠، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٦٤، وسير أعلام النبلاء ٢٢/ ٣٧٠، وطبقات الحفاظ للسيوطي ص ٥٠٩.
(٣) ينظر: سير أعلام النبلاء ٢٢/ ١٦٧.
(٤) هو: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله أبي القاسم الخضر النميري الحراني الدمشقي الحنبلي، أبو العباس، تقي الدِّين ابن تيمية، شيخ الإسلام، ولد في حران سنة (٦٦١ هـ)، من مشايخه والده، والشيخ عبد الرحمن بن قدامة، ومن تلاميذه ابن القيم، وابن مفلح، كان آية في التفسير والأصول، له مصنفات عدة منها: (الجوامع)، و(الفتاوى) و(منهاج السنة) و(السياسة الشرعية) توفي معتقلا بقلعة دمشق سنة (٧٢٨ هـ). ينظر: ذيل طبقات الحنابلة ٤/ ٤٩١، الدرر الكامنة ١/ ١٦٨، المقصد الأرشد ١/ ١٣٢، الأعلام ١/ ١٤٤.
[ ١ / ٣٧ ]
من الشيخ الْمُوَفَّق، ﵀» (^١).
قال ابن النجار (^٢): «كان إمام الحنابلة بجامع دمشق، وكان ثقة، حجة، نبيلًا، غزير الفضل، نزها، ورعًا، عابدًا، على طريقة السلف، عليه النور والوقار، ينتفع الرجل برؤيته قبل أن يسمع كلامه» (^٣).
قال الذهبي: «ورأيت وفاة الشيخ شمس الدِّين ابن أبِي عمر بخط شيخنا شيخ الإسلام تقي الدِّين ابن تيميه، فمن ذلك: توفي شيخنا الإِمام، سيد أهل الإسلام فِي زمانه، وقطب فلك الأنام فِي أوانه، وحيد الزمان حقًا حقًا، وفريد العصر صدقًا صدقًا، الجامع لأنواع المحاسن، القارن بين خلتي العلم والحلم، والحسب والنسب، والعقل والفضل، والخَلق والخُلق، ذي الأخلاق الزكية، والأعمال المرضية، مع سلامة الصدر والطبع، واللطف والرفق، وحسن النية، وطيب الطوية، حتى إن كان المتعنت ليطلب له عيبا فيعوزه - إلى أَن قال - وبكت عليه العيون بأسرها، وعم مصابه جميع الطوائف، وسائر الفرق. فأي دمع مَا انسجم، وأي أصل مَا
جُذم، وأي ركن مَا هدم، وأي فضل ما عدم؟! يا لَهُ من خطب مَا أعظمه، وأجل مَا أقدره، ومصاب ما أقحمه؟ وأكبر ذكره.
_________________
(١) نقله عن شيخ الإسلام كل من: ذيل طبقات الحنابلة ٣/ ٢٨٦، شذرات الذهب ٧/ ١٥٨.
(٢) هو: محمد بن أحمد بن عبد العزيز الفتوحي، تقي الدِّين أبو البقاء، الشهير بابن النجار، فقيه حنبلي مصري، من القضاة، أخذ عن والده وغيره وولي نيابة القضاء بسؤال معظم أهل مصر، وانتهت إليه رئاسة مذهبه، له مصنفات: منها (منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات) وشرح الكوكب المنير، توفي سنة (٩٧٢ هـ). ينظر: الكواكب السائرة ٣/ ٨٧، والأعلام ٦/ ٦، والمدخل المفصل ١/ ٤٧٣.
(٣) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٢/ ١٦٧.
[ ١ / ٣٨ ]
وبالجملة: فقد كان الشيخ أوحد العصر فِي أنواع الفضائل، بل هذا حكم مُسلّم من جميع الطوائف. وكان مصابه أجل من أَن تحيط به العبارة، فرحمه اللَّه ورضي عَنْهُ، وأسكنه بحبوحة جنته، ونفعنا بمحبته. إنه جواد كريم». انتهى (^١).
وقال فيه شيخه أبو الفتح ابن المنّى: «اسكن هنا، فإن بغداد مفتقرة إليك، وأنت تخرج منها، ولن تخلف فيها مثلك» (^٢).
وقال سبط ابن الجوزي (^٣): «كان إمامًا في فنون كثيرة، ولم يكن في زمانه- بعد أخيه أبي عمر، والعماد أزهد ولا أورع منه، وكان كثير الحياء، عزوفًا عن الدّنيا وأهلها، هينًا، لينًا، متواضعًا، محبا للمساكين، حسن الأخلاق، جوادًا، سخيًا، من رآه كأنما رأى بعض الصحابة، وكأن النّور يخرج من وجهه، كثير العبادة، يقرأ كل يوم وليلة سبعا من القرآن، ولا يصلي ركعتي السّنّة إلّا في بيته اتباعا للسّنّة، وكان يحضر مجالسي دائما بجامع دمشق وقاسيون» (^٤).
_________________
(١) نقل عنه كل من: ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة ٤/ ١٨١، وابن العماد في شذرات الذهب ٧/ ٦٦١.
(٢) انظر: المقصد الأرشد ٢/ ١٧.
(٣) هو: العلامة الواعظ، المؤرخ شمس الدِّين أبو المظفر يوسف بن قزغلي التركي، ثم البغدادي الهبيري الحنفي، سبط الشيخ أبي الفرج بن الجوزي، له مصنفات منها «تفسير» في تسع وعشرين مجلدا، و«شرح الجامع الكبير» وكتاب «مرآة الزمان» وهو كتاب كاسمه، وجمع مجلدا في مناقب أبي حنيفة، ودرس وأفتى. وكان في شبيبته حنبليا، وكان وافر الحرمة عند الملوك. ينظر: شذرات الذهب ٧/ ٤٦٠.
(٤) ينظر: شذرات الذهب ٧/ ١٥٧.
[ ١ / ٣٩ ]