صلّى النبي -ﷺ- إلى بيت المقدس عشر سنين بمكة، وستة عشر شهرًا بالمدينة (^٢)، ثم أمر بالتوجه إلى الكعبة، قاله في المستوعب (^٣)، وهو الشرط الخامس لصحة الصلاة، فلا تصح بدونه، إلا لعاجزٍ كالتحام حربٍ، وهربٍ من سيلٍ، أو سبعٍ ونحوه ولو نادرًا كمريضٍ لا يجد من يديره إليها، ومربوطٍ إلى غيرها فيصح إلى غير القبلة منهم بلا إعادة.
وتنفل راكبٍ، وماشٍ في سفرٍ ولو قصيرًا مباح ونحوه، لا راكب تَعَاسِيف وهو ركوب الفلاة، وقطعها على غير صَوب (^٤).
فإن لم يعذر من عدلت به دابته عن جهة سيره، بأن أمكنه ردها فلم
_________________
(١) القبلة الوجهة، وهي الفعلة من المقابلة، والعرب تقول: ما له قبلة ولا دبرة، إذا لم يهتد لجهة أمره، وأصل القبلة في اللغة: الحالة التي يقابل الشيء غيره عليها، كالجلسة للحال التي يجلس عليها، إلا أنها الآن صارت كالعلم للجهة التي يستقبلها المصلي، وسميت قبلة لإقبال الناس عليها، وقيل: لأنه يقابلها، وهي تقابله. ينظر: المطلع ص ٥٨، والمبدع ١/ ٣٥٣.
(٢) المدينة: سماها بذلك النبي -ﷺ-، وهي اسم لمدينة الرسول -ﷺ- خاصة، ولها أسماء كثيرة منها: طيبة، وطابة، والعذراء، والمحببة، وغير ذلك، وفي وسطها مسجد النبي -ﷺ-، وفي جنوبها مسجد قباء، وفي شمالها جبل أحد، وفيها نخيل كثيرة، وهي إحدى مناطق المملكة العربية السعودية. ينظر: معجم البلدان ٥/ ٨٢، ومعجم المعالم الجغرافية ص ٣٣٧.
(٣) ينظر: المستوعب ٢/ ١١٩.
(٤) راكب التعاسيف: هو الذي ليس له مقصد معلوم. ينظر: المصباح المنير ١/ ٢٣٦، والمعجم الوسيط ٢/ ٦٠١.
[ ١ / ٢٧٠ ]
يفعل، أو عدل هو مع علمه، أو عذر وطال بطلت، وكذا إن انحرف عن جهة سيره فصار قفاه إلى القبلة عمدًا، إلا أن يكون ما انحرف إليه جهة القبلة (^١).
وإن وقفت دابته؛ لتعبٍ، أو انتظار رفقته، أولم يسر لسيرهم، أو نوى النزول ببلدٍ دخله استقبل، وإن نزل في أثنائها نزل مستقبلًا، وأتمها نصًّا (^٢).
وإن ركب المسافر النازل فيها بطلت، وإن ركب ماشٍ فيه أتمه.
ويصح نذر الصلاة على دابةٍ، ويلزم الراكب افتتاحها إلى القبلة إن أمكنه بلا مشقةٍ، وكذا إن أمكنه ركوعٌ، وسجودٌ، واستقبال عليها نصًّا (^٣)، كمن هو في سفينة، أو مِحَفَّةٍ (^٤)
ونحوها، أو كانت راحلته واقفة نصًّا (^٥)، وإلا أومأ إلى جهة سيره، ويعتبر فيه طهارة محله نحو سَرْجٍ، وركابٍ.
وإن وطئت دابته نجاسةً فلا بأس، ويلزم الماشي أيضًا الافتتاح إليها وركوع، وسجودٌ، ويفعل الباقي إلى جهة سيره.
والفرض في القبلة إصابة العين ببدنه نصًّا (^٦)، بحيث لا يخرج شيءٌ
_________________
(١) ينظر: الفروع ٢/ ١٢١، والمبدع ١/ ٣٥٦، والإنصاف ٢/ ٦.
(٢) ينظر: الفروع ٢/ ١٢١، والمبدع ١/ ٣٥٦، والإنصاف ٢/ ٧، ومنتهى الإرادات ١/ ٥٠.
(٣) ينظر: المغني ١/ ٣١٦، والإقناع ١/ ١٠١، ومنتهى الإرادات ١/ ٥٠، وكشاف القناع ١/ ٣٠٣.
(٤) المحفة: بكسر الميم، مركب للنساء، كالهودج، إلا أنها لا تقبب قديما، سميت بذلك؛ لأن الخشب يحيط بالقاعد فيها من جميع جوانبه. ينظر: تهذيب اللغة ٥/ ١٧٠، والصحاح ٤/ ١٣٤٥، والمحكم والمحيط الأعظم ٢/ ٥٣٩.
(٥) ينظر: الإقناع ١/ ١٠١، وكشاف القناع ١/ ٣٠٣، وكشف المخدرات ١/ ١٢٢.
(٦) ينظر: المحرر ١/ ٥٠، والوجيز ص ٤١، وتجريد العناية ص ٣٣، ومنتهى الإرادات ١/ ٥٠. قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ٢٢/ ٢٠٨: «وقد تأملت نصوص أحمد في هذا الباب فوجدتها متفقة لا اختلاف فيها وكذلك يذكر الاختلاف في مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي وهو عند التحقيق ليس بخلاف، بل من قال: يجتهد أن يصلي إلى عين الكعبة، أو فرضه استقبال عين الكعبة بحسب اجتهاده فقد أصاب، ومن قال: يجتهد أن يصلي إلى جهة الكعبة، أو فرضه استقبال القبلة فقد أصاب، وذلك أنهم متفقون على أن من شاهد الكعبة فإنه يصلي إليها، ومتفقون على أنه كلما قرب المصلون إليها كان صفهم أقصر من البعيدين عنها، وهذا شأن كل ما يستقبل، فالصف القريب منها لا يزيد طوله على قدر الكعبة، ولو زاد لكان الزائد مصليا إلى غير الكعبة، والصف الذي خلفه يكون أطول منه وهلم جرا، فإذا كانت الصفوف تحت سقائف المسجد كانت منحنية بقدر ما يستقبلون الكعبة وهم يصلون إليها، وإلى جهتها أيضًا، فإذا بعد الناس عنها كانوا مصلين إلى جهتها وهم مصلون إليها أيضًا، ولو كان الصف طويلا يزيد طوله على قدر الكعبة صحت صلاتهم باتفاق المسلمين، وإن كان الصف مستقيما حيث لم يشاهدوها، ومن المعلوم أنه لو سار من الصفوف على خط مستقيم إليها لكان ما يزيد على قدرها خارجا عن مسافتها، فمن توهم أن الفرض أن يقصد الْمُصَلِّي الصلاة في مكان لو سار على خط مستقيم وصل إلى عين الكعبة فقد أخطأ، ومن فسر وجوب الصلاة إلى العين بهذا وأوجب هذا فقد أخطأ، وإن كان هذا قد قاله قائل من المجتهدين فهذا القول خطأ، خالف نص الكتاب، والسنة، وإجماع السلف، بل وإجماع الأمة، فإن الأمة متفقة على صحة صلاة الصف المستطيل الذي يزيد طوله على سمت الكعبة بأضعاف مضاعفة، وإن كان الصف مستقيما لا انحناء فيه، ولا تقوس».
[ ١ / ٢٧١ ]
منه عنها.
ولا يضر علوٌّ، ولا نزولٌ لمن قرب منها، إن لم يتعذر عليه إصابتها، فإن تعذر بحائلٍ أصلّيٍ من جبلٍ ونحوه، اجتهد إلى عينها، ومع الحائل غير الأصلي كالمنازل ونحوها، لابد من اليقين
بنظرٍ، أو خبرٍ، اجتهد، وإصابة الجهة بالاجتهاد (^١)، ويعفى عن الانحراف/ [٢٧/ ب] قليلًا لمن بعُد
_________________
(١) الاجتهاد في اللغة: مشتق من مادة «جُهد» بضم الجيم، بمعنى بذلك الجهد، وهو الطاقة، أو بفتح الجيم، بمعنى تحمل الجهد وهو المشقة. فالاجتهاد: بذل الجهد، واستفراغ الوسع في تحقيق أمر من الأمور الشاقة، سواء أكان في الأمور الحسية، كالمشي والعمل، أو في الأمور المعنوية، كاستخراج حكم، أو نظرية عقلية، أو شرعية، أو لغوية. ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ١/ ٣١٩، ومختار الصحاح ص ٦٣، ولسان العرب ٣/ ١٣٥ مادة (جهد). والاجتهاد في الاصطلاح: بذل الوسع في النظر في الأدلة الشرعية؛ لاستنباط الأحكام الشرعية. ينظر: قواطع الأدلة في الأصول ٢/ ٣٠٢، وروضة الناظر ٢/ ٣٣٣، ومعالم أصول الفقه عند أهل السنة ص ٤٦٤.
[ ١ / ٢٧٢ ]
عنها (^١)، وهو من لم يقدر على المعاينة، ولا على من يخبره عن علم، سوى المشاهد لمسجد النبي -ﷺ- والقريب منه، ففرضه إصابة العين، والبعيد منه إلى الجهة، فإن أمكنه ذلك بخبر ثقةٍ، مكلفٍ، عدل ظاهرًا وباطنًا، عن يقينٍ، أو استدلالٍ بمحاريب المسلمين، لزمه العمل به، وإن وجد محاريب لا يعلمها للمسلمين لم يلتفت إليها.
وإن اشتبهت عليه القبلة، فإن كان في قريةٍ ففرضه التوجه إلى محاريبهم (^٢)، فإن لم يكن، لزمه السؤال عنها إن كان جاهلًا بأدلتها، فإن وجد من يخبره عن يقينٍ ففرضه الرجوع إلى خبره.
وإن كان عن ظنٍ ففرضه تقليده إن كان من أهل الاجتهاد فيها، وهو العالم بأدلتها، وإن كان من اشتبهت عليه في السفر ونحوه عالمًا بأدلتها ففرضه الاجتهاد في معرفتها.
فإذا اجتهد وغلب على ظنه جهةٌ صلّى إليها، فإن تركها، وصلّى إلى
_________________
(١) ينظر: الشرح الكبير ١/ ٤٨٥، والمبدع ١/ ٣٥٦، والإنصاف ٢/ ٩، والإقناع ١/ ١٠٢، وكشاف القناع ١/ ٣٠٥.
(٢) ينظر: الكافي ١/ ٢٣٤، والشرح الكبير ١/ ٤٨٥، والوجيز ص ٤١.
[ ١ / ٢٧٣ ]
غيرها أعاد، وإن أصاب.
فإن تعذر عليه الاجتهاد؛ لغيمٍ، أو نحوه، أو به مانعٌ من الاجتهاد كرَمَدٍ ونحوه، أو تقاومت عنده الأمارات صلّى على حسب حاله بلا إعادة.
وكل من صلّى من هؤلاء قبل فعل ما يجب عليه من استخبار، أو اجتهاد، أو تقليدٍ، أو تحرٍ فعليه الإعادة، وإن أصاب، ويستحب أن يتعلم أدلة القبلة، والوقت.
ويستدل على القبلة بأشياء منها النُّجوم، وأثبتها الْقُطْبُ الشَّمالي، ثم الجَدْي (^١).
والقطب نجمٌ خفيٌ، حوله أنجمٌ دائرةٌ كفراشة الرّحى في أحد طرفيها الفرقدان (^٢)، وبهما يعرف مكانه؛ لأنه لا يقرب منه سواهما، وفي الطرف الآخر الجدي، والقطب في وسط الفراشة لا يبرح من مكانه ليلًا، ولا نهارًا.
وعليه تدور بنات نَعشٍ (^٣) إذا جعله وراء ظهره بالشام وما حاذاها،
_________________
(١) ينظر: الفروع ٢/ ١٢٧، والإقناع ١/ ١٠٣، وكشاف القناع ١/ ٣٠٧. قال في حاشية الروض المربع ١/ ٥٥٨: «الجدي: نجم نير وهو غير جدي البرج، ويعرف بجدي القطب وجدي الفرقدين تعرف به القبلة». وينظر: المصباح المنير ١/ ٩٣، مادة (ج د ي)
(٢) الفرقد: نجم قريب من القطب الشمالي، ثابت الموقع تقريبا، ويهتدى به، وبقربه نجم آخر مثله، وأصغر منه، وهما الفرقدان. ينظر: مختار الصحاح ص ٢٣٨.
(٣) بنات نعش: سبعة كواكب، تشاهد جهة القطب الشمالي، سميت بذلك؛ تشبيها بحملة النعش. ينظر: تهذيب اللغة ١/ ٢٧٧، ولسان العرب ٦/ ٣٥٥، وتاج العروس ١٧/ ٤١٨، والمعجم الوسيط ٢/ ٩٣٤.
[ ١ / ٢٧٤ ]
وخلف أذنه اليمنى بالمشرق، وعلى عاتقه الأيسر بإقليم مصر وما والاه، كان مستقبلًا لعين القبلة.
وإن استدبر الفرقدين، أو الجدي كان مستقبلًا للجهة، والشمس، والقمر ومنازلهما وهي/ [٢٨/ أ] ثمانيةٌ وعشرون منزلًا، وما يقترن بهما ويقاربهما كلها تطلع من المشرق على يسار الْمُصَلِّي، وتغرب في المغرب على يمينه.
ومنها الرياح فيستدل بأربعةٍ منها تهب من زوايا السماء (^١).
فالجنوب تهب من بين المشرق، والقبلة مستقبلة لبطن كتف الْمُصَلِّي اليسرى، مارةً إلى يمينه، والشمال مقابلتها تهب إلى مهب الجنوب فهما متقابلتان.
والدَّبُور تهب مما بين المغرب، والقبلة مستقبلة شطر (^٢) وجه الْمُصَلِّي الأيمن مارةً إلى الزاوية المقابلة لها، والصَّبا (^٣) مقابلتها تهب إلى مهب الدَّبُور.
قال ابن منجا: والرياح التي ذكرها المصنف دلائل قبلة العراق، وقبلة الشام مشرقة عنها، وحينئذٍ فمهب الجنوب لأهل الشام قبلةً.
_________________
(١) ينظر: كفاية المتحفظ، ونهاية المتلفظ ص ١٧٤.
(٢) الشطر: هو الحد، والنحو، والتلقاء. ينظر: الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي ص ٥٨، ولسان العرب ٤/ ٤٠٨. مادة (ش ط ر).
(٣) الصبا: هي الريح الشرقية، ويقال لها القبول، وهي تهب من مشرق الاستواء، وهو مطلع الشمس في زمن الاعتدال. ينظر: كفاية المتحفظ ونهاية المتلفظ ص ١٧٤.
[ ١ / ٢٧٥ ]
وهو بين مطلع سهيلٍ (^١) إلى مطلع الشمس في الشتاء، والشمال مقابلتها تهب من ظهر الْمُصَلِّي؛ لأن مهبها من القطب، إلى مغرب الشمس في الصيف.
والصَّبا تهب من يسار الْمُصَلِّي المتوجه إلى قبلة الشام؛ لأن مهبها من مطلع الشمس في الصيف، إلى مطلع الْعَيُّوقِ (^٢)، والدَّبور مقابلتها؛ لأنها تهب بين القبلة والمغرب.
وإذا اختلف اجتهاد رجلين فأكثر، في جهتين فأكثر، لم يتبع واحدٌ صاحبه، ولم يصح اقتداؤه به نصًّا (^٣).
فإن كان الاختلاف في جهةٍ فتيامن واحدٌ، وتياسر غيره صح، فإن ائتم أحدهما بالآخر؛ لاتفاق اجتهادهما فمن بان له الخطأ انحرف وأتمّ، وينوي المأموم منهما المفارقة؛ للعذر ويتبعه من قلده، ويتبع جاهلٌ، وأعمى وجوبًا أوثقهما في نفسه (^٤)، فإن تساويا عنده خُيِّر، فإن لم يجد الأعمى، أو الجاهل من يقلده صلّى بالتحري ولم يعد، ومن صلّى بالاجتهاد، أو التقليد، ثم علم خطأ القبلة لم يعد (^٥)، وإن أراد مجتهدٌ صلاةً
_________________
(١) سهيل: ألمع نجم في السماء، بعد الشعرى اليمانية. ينظر: الموسوعة الفلكية ص ٢٢٥.
(٢) العيوق: نجم أحمر، مضيء في طرف المجرة الأيمن، يتلو الثريا ولا يتقدمها، ويطلع قبل الجوزاء، سمي بذلك؛ لأنه يعوق الدبران عن لقاء الثريا. ينظر: المحكم والمحيط الأعظم ٢/ ٢٧١، ولسان العرب ١٠/ ٢٨٠، والمعجم الوسيط ٢٦/ ٢٢٨.
(٣) ينظر: مختصر الخرقي ص ٢١، والمغني ١/ ٣٢٢، وشرح الزركشي ١/ ٥٣٤، ومنتهى الإرادات ١/ ٥١.
(٤) ينظر: مختصر الخرقي ص ٢١، والمغني ١/ ٣٢٤، والمحرر ١/ ٥١.
(٥) قال البهوتي في كشاف القناع ١/ ٣١٢: «لأنه أتى بالواجب عليه على وجهه، مع عدم تفريطه، فسقط عنه؛ ولأن خفاء القبلة في الأسفار يقع كثيرا؛ لوجود الغيوم وغيرها من الموانع، فإيجاب الإعادة مع ذلك فيه حرج، وهو منتف شرعا».
[ ١ / ٢٧٦ ]
أخرى اجتهد لها وجوبا (^١)، فإن تغير اجتهاده عمل بالثاني نصًّا (^٢)، ولو في صلاةٍ بنى ولم يعد ما صلّى بالأول.
_________________
(١) لأنها واقعة متجددة، فتستدعي طلبا جديدا، كطلب الماء في التيمم. شرح منتهى الإرادات ١/ ١٧٤.
(٢) ينظر: المغني ١/ ٣٢٢، والمبدع ١/ ٣٦٤، ومنتهى الإرادات ١/ ٥٢.
[ ١ / ٢٧٧ ]