وهو استعمال ترابٍ مخصوصٍ في وجهٍ، ويدين، بدل عن طهارة ماءٍ حضرًا، وسفرًا ولو قريبًا، لكل ما يفعل به عند العجز عنه شرعًا (^٣)، سوى جنبٍ، وحائضٍ، ونفساء انقطع دمهما في مسألة تقدمت في الباب قبله (^٤)، ونجاسة على غير بدنٍ يجوز بشرطين:
أحدهما: دخول وقت ما يتيمم له، فلا يصح لفرضٍ حاضرٍ قبل وقته (^٥)، ولا لنفلٍ في وقتٍ نهي عنه
_________________
(١) الشرط لغة: العلامة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ سورة محمد: آية رقم (١٨)، أي: علاماتها. ينظر: الصحاح ٣/ ١١٣٦، ومقاييس اللغة ٣/ ٢٦٠، والمحكم والمحيط الأعظم ٨/ ١٣. والشرط اصطلاحا: هو ما يلزم من عدمه عدم المشروط، ولا يلزم من وجوده وجود المشروط، ولا عدمه لذاته. وهو عقلي، ولغوي، وشرعي، فالعقلي: كالحياة للعلم، واللغوي: كقوله: إن دخلت الدار فأنت طالق، والشرعي كالطهارة للصلاة. ينظر: قواطع الأدلة في الأصول ١/ ١٠٠، وروضة الناظر ١/ ٨٤، والفروق للقرافي ١/ ٦٠، والمطلع ص ٧٢.
(٢) التيمم لغة: القصد. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ﴾ سورة البقرة آية (٢٦٧) أي: لا تقصدوا الخبيث. ينظر: شرح الزركشي ١/ ٣٢٣، والمبدع ١/ ١٧٧، والزاهر في معاني كلمات الناس ١/ ٤١.
(٣) ينظر: شرح منتهى الإرادات ١/ ٨٩، وكشف المخدرات ١/ ٨٠، ومطالب أولي النهى ١/ ١٨٩.
(٤) في باب ما يوجب الغسل. لوح رقم [١٣/ أ] من المخطوط في الصفحة رقم [١٣٩].
(٥) هنا فيه إشكّال فكيف يكون حاضرا قبل وقته، فلو حذف كلمة (حاضر) لكان أولى.
[ ١ / ١٩٣ ]
نصًّا (^١)، ويصح لفائتةٍ إذا ذكرها وأراد فعلها، ولكسوفٍ عند وجوده، واستسقاءٍ إذا اجتمعوا، وجنازةٍ إذا غسّل الميت، أو يمم، ولعيدٍ إذا دخل وقته، ولمنذورة كل وقتٍ، ولنفلٍ عند جواز فعله.
الثاني: العجز عن استعماله فيصح؛ لعدمه بحبسٍ، أو غيره، ولعجز مريضٍ عن الحركة، وعن من يُوَضِّئُهُ إذا خاف فوت الوقت إن انتظر من يوضئه، وعن الاغتراف ولو بفمه، أو لخوف ضررٍ، واستعماله في يدٍ تضمن جرح، أو بردٍ شديدٍ يخاف منه نزلةً، أو مرضًا ونحوه، بعد غسل ما يمكنه (^٢)، وتعذر إسخانه، أو بقاء شَيْنٍ (^٣)، أو مرضٍ يخشى زيادته، أو تطاوله،
ولفوات مطلوبه، أو عطشٍ يخافه على نفسه، أو رفيقه المحترم، ويلزمه بذله له، أو خشية على نفسه، أو ماله في طلبه خوفًا محققًا، لا جبنًا، أو خافت/ [١٣/ أ] امرأةٌ فُسّاقًا نصًّا (^٤)، وبكونه لا يحصل إلا بزيادةٍ كثيرة على ثمن مثله عادةً في مكانه، ويلزمه شراؤه بثمن مثله، وزيادة يسيرة (^٥)، لا بثمن يعجز عنه، أو يحتاجه لنفقة ونحوها، وحبلٍ، ودلوٍ كماء، ويلزمه قبولهما عاريّةً، وقبول ماء قرضًا، وكذا ثمنه، وله ما يوفيه لا طلب اقتراضٍ، ويلزمه قبوله هبةً (^٦) لا ثمنه ولا شراؤه بدينٍ في ذمته مطلقًا.
فإن كان بعض بدنه جريحًا ونحوه وتضرر تيمم له، ولما يتضرر
_________________
(١) ينظر: الإقناع ١/ ٥٠، ومنتهى الإرادات ١/ ٢٦، وكشاف القناع ١/ ١٦١.
(٢) ينظر: الكافي ١/ ١٢٣، وعمدة الفقه ص ١٧، والمبدع ١/ ١٧٨.
(٣) الشين هو: أن يخاف بقاء تشوه العضو، باستعمال الماء في بدنه. ينظر: الفروع ١/ ٢٧٥.
(٤) ينظر: الإقناع ١/ ٥٢، ومنتهى الإرادات ١/ ٢٧.
(٥) ينظر: الفروع ١/ ٢٧٨، والإقناع ١/ ٥٢.
(٦) ينظر: الإنصاف ١/ ٢٧٠، ومطالب أولي النهى ١/ ١٩٥.
[ ١ / ١٩٤ ]
بغسله مما قرب منه، فإن عجز عن ضبطه لزمه أن يستنيب إن قدر، وإلا كفاه التيمم، فإن أمكن مسحه بالماء وجب وأجزأه نصًّا (^١).
وإن لم يمكنه التيمم عليه صلّى على حسب حاله بلا إعادةٍ، وإن كان الجرح في بعض أعضاء الوضوء لزمه مراعاة ترتيبٍ، وموالاة في وضوءٍ فيتيمم له عند غسله لو كان صحيحًا (^٢).
ويبطل وضوؤه بخروج وقتٍ، فيعيد غسل الصحيح إذًا، ويتيمم، وقيل: لا يلزمه (^٣).
قال المنُقِّح (^٤): وهو أظهر.
وإن وجد ما يكفي بعض بدنه استعمله مطلقًا، ثم تيمّم للباقي (^٥).
ومن عدم الماء لزمه طلبه في رَحلِه، ومن رفيقه، وسؤاله عن موارده، وفيما قرب منه عادةً (^٦).
قال بعضهم (^٧): إلى ثلاثة أميالٍ فما دونها نصًّا (^٨)، إذا خوطب
_________________
(١) ينظر: الإنصاف ١/ ٢٧٢، والإقناع ١/ ٥٢، ومنتهى الإرادات ١/ ٢٧، وكشاف القناع ١/ ١٦٦.
(٢) ينظر: الفروع ١/ ٢٨٧، والإنصاف ١/ ٢٧٢، والإقناع ١/ ٥٢.
(٣) ينظر: الفروع ١/ ٢٨٧، والمبدع ١/ ١٨٤.
(٤) ينظر: التنقيح ص ٦٤.
(٥) ينظر: الوجيز ص ٣١، وكشاف القناع ١/ ١٦٦.
(٦) ينظر: الشرح الكبير ١/ ٢٤٩، والفروع ١/ ٢٧٩، والمبدع ١/ ١٨٥.
(٧) لم أجد من قال بذلك من الفقهاء.
(٨) الميل: هو من الأرض قدر منتهى مد البصر، وكل ثلاثة أميال فرسخ، والميل الشرعي الهاشمي ألف باع، والباع قدر مد اليدين، ويساوي (١٨٤٨) مترا، وقيل: (١٦٨٠) مترا. ينظر: مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه ٢/ ٣٧٣، والمقادير الشرعية ص ٣٠١.
[ ١ / ١٩٥ ]
بالصلاة ولم يتحقق علامة، ومن خرج إلى أرض لحرثٍ، أو صيدٍ ونحوه، حمله نصًّا إن أمكنه (^١)، وتيمم إن فاتت حاجته برجوعه، ولا يعيد فيهما.
ومن أراق الماء في الوقت، أو مر به فيه، وأمكنه الوضوء، زاد بعضهم ويعلم أنه لا يجد غيره، أو باعه فيه، أو وهبه حَرُم (^٢) ولم يصحا، أولم يقبله هبة فتلف الماء وتيمم وصلّى في الجميع صح، ولم يعد.
وإن نسي الماء، أو جهله بموضعٍ يمكنه استعماله وتيمم، لم يجزئه، ويتيمم لجميع الأحداث، ولنجاسةٍ على جرحٍ وغيره على بدنه فقط تضره إزالتها، أو لعدم، ولا إعادة بعد أن يخفف منها ما أمكنه لزومًا.
وإن/ [١٣/ ب] تيمم في حضر خوفًا من بردٍ وصلّى، فلا إعادة.
وعنه (^٣) يعيد، والثانية فرضه، وكذا لو عدم ماءً، وترابًا، أولم يمكنه استعماله؛ لمانعٍ يصلي فرضًا فقط على حسب حاله، ولا إعادة (^٤) ولا يزيد هنا في قراءة، وغيرها على ما يجزئ، ولا يؤم مُتطهرًا بأحدهما قاله ابن حمدان (^٥).
_________________
(١) ينظر: الإنصاف ١/ ٢٨٥، والإقناع ١/ ٥٥/ وشرح منتهى الإرادات ١/ ٩٧.
(٢) ينظر: الفروع ١/ ٢٨٢/ ودليل الطالب ١/ ١٩، ومنار السبيل ١/ ٤٦.
(٣) ينظر: الكافي ١/ ١٢٤، والفروع ١/ ٢٩٣.
(٤) ينظر: الكافي ١/ ١٣١، والمغني ١/ ١٨٤، ومطالب أولي النهى ١/ ٢٠٧. وهو من المفردات قال الناظم في المنح الشافيات ١/ ١٨٣: وعند فقد الماء والتراب … صل ولا تعد كذا جوابي
(٥) لم أجده في الرعاية الصغرى ولعله في الكبرى.
[ ١ / ١٩٦ ]
ولا يقرأ في غير صلاةٍ إن كان جنبًا ونحوه.
ولا يصح التيمم إلا بترابٍ طهور (^١)، مباحٍ، غير محترقٍ، له غبار يَعْلَقُ بيديه، ولو على لَبَد، أو غيره حتى مع وجود ترابٍ.
فإن خالطه ذو غبارٍ لا يصح التيمم به فهو كالماء إذا خالطته الطاهرات، وما تيمم به كماءٍ مستعملٍ (^٢)، ولا بأس بما تيمم منه، فإن لم يجد إلا طينًا لم يستعمله، وصلّى على حسبه، وإن أمكن تجفيفه والتيمم به في الوقت لزمه، وإن وجد ثلجًا وتعذر تذويبه لزمه مسح أعضاء وضوئه، ويعيد.