بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (^١)، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (^٢)، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (^٣) (^٤).
_________________
(١) سورة آل عمران آية (١٠٣).
(٢) سورة النساء آية (١).
(٣) الأحزاب: آية (٧٠، ٧١).
(٤) هذه الخطبة تسمى «خطبة الحاجة» والحديث له روايات فيها اختلاف يسير، أخرجه أبو داود في سننه، كتاب النكاح، باب في خطبة النكاح برقم (٢١١٨) ٢/ ٢٣٨، والترمذي في سننه، كتاب النكاح، باب ما جاء في خطبة النكاح برقم (١١٠٥) ٣/ ٤٠٥، والنسائي في سننه، كتاب الجمعة، باب كيفية الخطبة برقم (١٤٠٤) ٣/ ١٠٤، وابن ماجه في سننه، كتاب النكاح، باب خطبة النكاح، برقم (١٨٩٢) ١/ ٦٠٩، وعبد الرزاق في مصنفه، كتاب النكاح، وأحمد في مسنده برقم (٣٧٢٠) ٦/ ٢٦٢، والدارمي في سننه، كتاب النكاح، باب في خطبة النكاح برقم (٢٢٤٨) ٣/ ١٤١٣، والحاكم في المستدرك في كتاب النكاح، برقم (٢٧٤٤) ٢/ ١٩٩، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الجمعة، باب الإمام يقرأ على المنبر آية السجدة برقم (٥٨٠٢) ٣/ ٣٠٤. قال ابن الملقن (صحيح) ينظر: البدر المنير ٧/ ٥٣٠. وقال شعيب الأرنؤوط في تحقيق المسند: إسناده من طريق أبي عبيدة ضعيف؛ لانقطاعه، ومن طريق أبي الأحوص صحيح على شرط مسلم (٣٧٢٠) ٦/ ٢٦٢. وقال الألباني: (صحيح). ينظر: صحيح وضعيف سنن الترمذي برقم (١١٠٥) ٣/ ١٠٥، وصحيح وضعيف سنن ابن ماجه برقم برقم (١٨٩٢) ٤/ ٣٩٢، وله رسالة خاصة بها، أورد طرقها، وصححها.
[ ١ / ٥ ]
أما بعد:
فإن من نعم الله علينا أن هدانا لهذا الدِّين القويم، ومن فضله علينا أن شرع لنا هذه الشريعة المبنية على اليسر، ورفع الحرج عن المؤمنين، ومن نعمه علينا أن هدانا إلى طريق العلم النافع الموصل إلى جنات النعيم، وإن من أشرف هذه العلوم الشرعية، هو ما عرف اصطلاحًا
بعلم الفقه، فهو من أجل العلوم، وأشرفها مكانة، وأرفعها قدرًا، كما قال -ﷺ-: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدِّين» (^١).
قال في الأشباه والنظائر للسيوطي (^٢) -رحمه الله تعالى-: (فعلم
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرا يفقهه في الدِّين برقم (٧١) ١/ ٢٥، ومسلم في صحيحه كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة برقم (١٠٣٧) ٢/ ٧١٨.
(٢) هو: عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سابق الدِّين الخضيري السيوطي، جلال الدِّين، أبو الفضل، أصله من أسيوط، ولد سنة (٨٤٩ هـ) ونشأ بالقاهرة يتيما، كان عالما شافعيا، مؤرخا أديبا، وكان أعلم أهل زمانه بعلم الحديث وفنونه، والفقه واللغة، ولما بلغ أربعين تجرد للعبادة، وترك الإفتاء والتدريس، وشرع في تحرير مؤلفاته، له مصنفات عديدة منها «الأشباه والنظائر» و«الحاوي للفتاوى» و«الإتقان في علوم القرآن» توفي سنة (٩١١ هـ). ينظر: شذرات الذهب ١٠/ ٧٤، والضوء اللامع ٤/ ٦٥، والأعلام ٣/ ٣٠١.
[ ١ / ٦ ]
الفقه بحوره زاخرة، ورياضه ناضرة، ونجومه زاهرة، وأصوله ثابتة مقررة، وفروعه ثابتة محررة، لا يفنى بكثرة الإنفاق كنزه، ولا يبلى على طول الزمان عزة أهله، قوام الدِّين وقوامه، وبهم ائتلافه وانتظامه، هم ورثة الأنبياء، وبهم يستضاء …) (^١).
فكان اهتمام علماء الإسلام بهذا العلم كثيرًا، وألفوا فيه مؤلفات لا تحصى، ولكنّ كثيرًا منها ما زال محبوسًا في خزائن المكتبات في أنحاء العالم، مما يجعل المسؤولية على الباحثين عظيمة؛ لإخراج هذا التراث الذي بُذل فيه الغالي والنفيس من عالم المخطوط، إلى عالم المطبوع محقَّقًا تحقيقًا علميًا.
وقد طمحت نفسي إلى خدمة هذا الفن في تحقيق تراث علماء الإسلام، ومن هذا التراث الذي وقع اختياري عليه كتاب (المنهج الصحيح في الجمع بين ما في المقنع والتنقيح) للعلامة أحمد بن عبد اللّه بن أحمد، شهاب الدِّين، أبي العباس، الدمشقي، الصالحي، الشهير بابن العُسْكُري (^٢).