وبعد بحث متواصل تيسر بحمد اللَّه الوقوف على ما يعرف به في مصدر مهم، ذلك أن الباحث كان يظن أن المرجع الوحيد الذي عرّف به وبإيجاز هو "الدّر المنضد" للعليمي (١) الذي قال في ترجمته تحت عنوان: "ذكر من لم تؤرخ وفاته" ما يأتي:
"الشيخ تقي الدين أحمد بن محمد الأدمي البغدادي له "المنوَّر في راجح المحرّر" و"المنتخب"".
وقد أفاد هذا التعريف الموجز في إثبات أربعة أمور أساسية تعرف بالمؤلف وهي:
١ - اسمه بالكامل، وقد جاء موافقًا لما ذكر في المخطوط.
٢ - أنه من علماء الحنابلة في بغداد وليس من الشام أو مصر.
٣ - أن له مؤلفين هما "المنوَّر في راجح المحرّر"، و"المنتخب".
٤ - أنه من المؤلفين الذين لم تؤرخ ولادتهم ووفاتهم.
ورغم أن ما ذكره العليمي في "الدر المنضد" يفي بشيء من حاجة الدراسة، إلا أن تاريخ ولادة ووفاة الأدمي كان الشغل الشاغل للباحث لعدم المقدرة على التعرف على عصره بدقة بما يقرِّب لنا ما يتعلق به كما هو معلوم. ولم ينقطع الأمل، حتى ظهر لنا مصدر
_________________
(١) = الإسلامية في وزارة الأوقاف الكويتية هو الأستاذ ماهر الساير بأنه رجع بالتعاون مع موظفي القسم إلى أكثر من ٤٠ مرجعًا من أمهات المراجع، وذلك لوضع بطاقة تعرف به في مكتبة الوزارة، ولم يجد للأدمي ذكرًا).
(٢) العليمي، مجير الدين عبد الرحمن بن محمد: "الدر المنضد في ذكر أصحاب أحمد"، تحقيق: عبد الرحمن العثيمين، انظر: (٢/ ٤٩٩ - ٥٠٠)، ط مكتبة التوبة - السعودية.
[ ٣٠ ]
مهم (١)؛ كما أشرنا آنفًا، وهو "تاريخ ابن قاضي شهبة" (٢) الذي قدم ترجمة وافية إلى حد كبير. فقد جاء في تاريخه ما يأتي فيمن ذكر في آخر وفيات سنة ٧٤٩ هـ ما نصه:
"وممن توفي بعد الأربعين ولم يذكر سنة وفاته" أحمد بن محمد بن علي البغدادي، المقرئ الأدمي الحنبلي. سمع الموطأ رواية يحيى بن يحيى على ابن حلاوة، سمع مته ابن رجب وقال: "كان صالحًا دينًا، أعاد بالمستنصرية [. . . . . .] (٣) الوزيراتي، وصنّف كتابًا في الفقه، وأجاز له جماعة من شيوخ الشام، توفي ببغداد سنة نيف وأربعين وسبعمائة، ودفن بمقبرة الإِمام أحمد".
وقد أفادت هذه الترجمة في إثبات ما يلي:
١ - أن اسمه مطابق لما هو مذكور في المخطوط.
٢ - أنه ضبط لفظ وقراءة اسمه الأخير بفتح الهمزة، وفتح الدال.
٣ - أنه مقرئ، وسمع الموطأ إضافة إلى كونه فقيهًا.
٤ - إن من مشايخه ابن حلاوة.
٥ - من تلامذته العلامة العلم صاحب الذيل على طبقات الحنابلة،
_________________
(١) كان ذلك -بعد توفيق اللَّه تعالى- مما قدمه مشكورًا الأخ العزيز الدكتور سعود العصفور، إذ أخبرني باعتقاده أنه سيجد شيئًا عنه في "تاريخ ابن قاضي شهبة" فكان كما قال، والحمد للَّه.
(٢) تقي الدين أبو بكر بن أحمد ابن قاضي شهبة الأسدي الدمشقي، المجلد الثاني، الجزء الأول من "تاريخ ابن قاضي شهبة" ص ٦٥٧، مطبوعات المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية بدمشق، تحقيق: عدنان درويش، ١٩٩٤ م - دمشق.
(٣) بياض في الأصل كما في "تاريخ ابن قاضي شهبة"، ص ٦٥٧.
[ ٣١ ]
ابن رجب، الحافظ زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن شهاب الدين أحمد البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي (٧٣٦ - ٧٩٥ هـ) والفترة التي عاش فيها ابن رجب تتناسب مع فترة الأدمي.
٦ - أنه قد دَرَّس في المستنصرية.
٧ - أنه صنّف كتابًا في الفقه ولعله كتابنا هذا.
٨ - أنه قد زار الشام وقرأ على شيوخها فأجازوه.
٩ - أنه توفي في بغداد حوالي عام ٧٤٩ هـ باعتبار أن النيِّف يزيد على العقد أو يقاربه، ويؤيد ذلك أن ابن قاضي شهبة قد ذكر في أعلى الصفحة التي ذكرت فيها ترجمته قوله: "سنة تسع وأربعين وسبعمائة".
١٠ - أنه لم يحدد بدقة تاريخ حياته أو وفاته.
١١ - أن البياض الذي يقع بين قوله: "بالمستنصرية. . . الوزيراتي" لعله يكون "مع (أو عند) تقي الدين الزريراني" فتكون العبارة "بالمستنصرية مع (أو عند) تقي الدين الزريراني" أو "مع ابن أبي البركات الزريراني" لأن الزريراني قد أعاد في المستنصرية في تلك الفترة وهو مشهور جدًّا، وهو حتمًا غير الأدمي، وكثيرًا ما يصحف اسمه إلى الزريراتي بدلًا من الزريراني.
وقوله: "الوزيراتي" ذكر محقق تاريخ ابن قاضي شهبة أنه وجد ذلك في النسخ الثلاث التي حقق عليها "تاريخ ابن قاضي شهبة"، ثم قال: "ولعلها الزريراني" (١).
والزريراني نسبة إلى بلدة زَريران بفتح الزاي وكسر الراء المهملة بعدها ياء ساكنة ثم راء مهملة بعدها ألف ونون، وهي بلدة قرب بغداد تبعد عنها
_________________
(١) انظر: "تاريخ ابن قاضي شهبة"، المصدر السابق، ص ٦٥٧، الحاشية رقم (٥) منه.
[ ٣٢ ]
سبعة فراسخ على جادة الحاج إذا أراد الكوفة من بغداد (١).
وفي ترجمة سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصري ثم البغدادي نجم الدين أبو الربيع صاحب "مختصر الروضة" في أصول الفقه، الذي ولد سنة بضع وسبعين وستمائة أنه "دخل بغداد سنة إحدى وتسعين فحفظ المحرّر في الفقه وبحثه على الشيخ تقي الدين الزريراتي" (٢). والصواب الزريراني.
وقد جاء في طبقات ابن رجب ما يؤكد على أنه الزريراني وليس الزريراتي في ترجمته على النحو التالي: اسمه عبد اللَّه بن محمد بن أبي بكر ابن إسماعيل بن أبي البركات بن مكي بن أحمد الزريراني ثم البغدادي، تقي الدين أبو بكر (٣). وجاء أيضًا أنه قرأ المذهب على الشيخ العلامة مجد الدين عبد السلام صاحب المحرّر بقوله في الذيل: "ثم ارتحل إلى دمشق فقرأ المذهب على الشيخ زين الدين بن المنجا والشيخ مجد الدين الحراني ثم عاد إلى بلده. . . إلخ"، وجاء أيضًا أنه: سمع الحديث من إسماعيل الطبال ومحمد بن ناصر بن حلاوة، وأكد ذلك ابن بدران عند حديثه عن أشهر كتب الحنابلة: "الوجيز" تأليف عبد اللَّه بن محمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن أبي البركات الزريراني البغدادي فقيه العراق ومفتي الآفاق حكى عنه في "المقصد الأرشد" أنه طالع المغني للموفق ثلاثًا
_________________
(١) انظر: "إيضاح الدلائل في الفرق بين المسائل"، للعلامة عبد الرحيم الزَّريراني، تحقيق د. عمر بن محمد السبيل، الجزء الأول، ص ٨٥ - ٨٦؛ ط ١٤١٤ هـ.
(٢) انظر: ابن رجب "الذيل على طبقات الحنابلة" (٤/ ٣٦٦)، ويلاحظ أنه ذكر ولادته بضع وسبعين وسبعمائة، وهو لا يتناسب مع سنة وفاته سنة ٧١٦ هـ كما في الترجمة، ولهذا صوَّبناه إلى بضع وسبعين وستمائة، وقد قرر ذلك أيضًا محقق تاريخ ابن قاضي شهبة.
(٣) ابن رجب، "الذيل على الطبقات" (٤/ ٤١٠).
[ ٣٣ ]
وعشرين مرة، توفي سنة ٧٢٩ هـ (١).
وممن أشار إليه من المؤلفين المعاصرين الشيخ بكر أبو زيد في كتابه الحافل "المدخل المفصل إلى فقه الإِمام أحمد بن حنبل"، مع عدم القطع بتاريخ ولادته أو موته، حيث ذكره في معرض حديثه عن "كتب المتن المخدومة" عند حديثه عن المحرّر، إذ اعتبر المنوَّر من كتب الحواشي والنكت والتعاليق، وكان الأقرب أن يضعه -حفظه اللَّه- تحت عنوان "اختصار المحرّر" بدلًا من ذكره تحت عنوان "كتب الحواشي والنكت والتعاليق"، لأنه تقدم أن الأدمي قال في مقدمته أنه "مختصر في الفقه على مذهب الإِمام الأنبل. . . "، فلعله -حفظه اللَّه- لم يقف عليه، وذلك لأن نسخته فريدة وحيدة كما قدمنا.
يقول الشيخ بكر أبو زيد:
"المنوَّر في راجح المحرّر على مذهب الإِمام أحمد بن حنبل للأدمي، تقي الدين أحمد بن محمد المتوفى سنة ٧٠٠ هـ، وقيل توفي سنة ٨١٥ هـ، فاللَّه أعلم" (٢).
وخلاصة القول: أن العلامة الأدمي قد دَرَّس في المستنصرية (٣) مع العلامة الزريراني، وأنهما قد قرءا على العلامة محمد بن ناصر بن حلاوة
_________________
(١) ابن بدران، "المدخل"، ص ٤١٤، انظر حديثه عن كتاب "الوجيز"، وانظر: "الذيل" (٤/ ٤١١).
(٢) الشيخ بكر بن عبد اللَّه أبو زيد، "المدخل المفصل إلى فقه الإِمام أحمد بن حنبل وتخريجات الأصحاب" ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م، دار العاصمة - السعودية. انظر: (٢/ ٧٤٣).
(٣) ناجي معروف، "تاريخ علماء المستنصرية"، دار الشعب - القاهرة، ط ٣، (١/ ١٥٤).
[ ٣٤ ]
وغيره، وأن كلاهما يكنى تقي الدين، وأن السنوات التي ذكرها ابن قاضي شهبة في تاريخه وهي ما بين ٧٤٠ و٧٤٩ هـ تتناسب مع ما يعتقد أنه عاش إلى زمنها، وأن وفاته تقرب من عام ٧٤٩ هـ كما سيظهر لاحقًا في حوادث ٧٤٩ هـ، وأن الزريراني توفي قبل الأدمي كما جاء في ذيل ابن رجب، و"مدخل" ابن بدران، وأن السقط الذي ورد في عبارة ابن قاضي شهبة لا يسعه أن يتعدى ما يدل على أنهما دَرَّسا في المستنصرية (١) كما أشرنا آنفًا، وأن العلامة الأدمي قد أعاد في المستنصرية للعلامة الزريراني، والمعيد منصب علمي مهم لا يصل إليه إلَّا النجباء من التلاميذ حيث يعيدون ما قاله الشيخ على التلاميذ، وهذا معنى قول ابن قاضي شهبة أنه أعاد بالمستنصرية، أي للعلامة الزريراني.