يشير تاريخ ابن قاضي شهبة إلى ذلك بقوله (٣):
"في هذه السنة كان الطاعون العظيم الذي عم المشارق والمغارب
_________________
(١) انظر: مقدمة محقق كتاب "إيضاح الدلائل في الفرق بين المسائل"، للعلامة عبد الرحيم بن عبد اللَّه الزريراني الحنبلي (ت ٧٤١ هـ)، تحقيق الشيخ د. عمر بن محمد السبيل ﵀، مكة المكرمة، (الكتاب رقم ٢٨)، ص ٤٧ - ٥٥.
(٢) المصدر السابق (ص ٤٧ - ٥٥).
(٣) تقي الدين أبو بكر أحمد بن قاضي شهبة الأسدي الدمشقي، "تاريخ ابن قاضي شهبة"، المجلد الثاني، ٧٤١ - ٧٥٠ هـ، (١٣٤٠ هـ - ١٣٤٩)، تحقيق عدنان درويش، ١٩٩٤ م - دمشق، ص ٥٤١ - ٥٤٩.
[ ٤٦ ]
ومات فيه من العلماء والأعيان وغيرهم خلائق لا يحصيهم إلَّا الذي خلقهم. وقد كان للطاعون مدد عظيمة لم يقع في هذه البلاد. حدثني بعض مشايخنا عن والده أنه قال: ما كنا نعرف حقيقة الطاعون قبل سنة تسع وأربعين. . . ".
ويضيف أيضًا:
"وفي أواخره كان الطاعون العام بأقطار البلاد وامتد إلى أواخر المحرم من العام القابل، مات بالقاهرة ومصر في اليوم الواحد نحو أحد عشر ألف نفس، وفي بعض تواريخ المصريين أنه كان يموت بالقاهرة كل يوم فوق العشرين ألف إنسان".
وجاء مثل ذلك في تاريخ ابن تغري بردي "النجوم الزاهرة" (١) بقوله:
"كانت هذه السنة (سنة تسع وأربعين وسبعمائة) كثيرة الوباء والفساد بمصر والشام، ومع هذا كان الوباء الذي لم يقع مثله في سابق الأعصار، فإنه كان ابتداء بأرض مصر آخر أيام التخضير في فصل الخريف في أثناء سنة ثمان وأربعين، فما أهلَّ المحرم سنة تسع وأربعين حتى اشتهر واشتد الوباء بديار مصر في شعبان ورمضان وشوال وارتفع في نصف ذي القعدة، فكان يموت بالقاهرة ومصر ما بين عشرة آلاف إلى خمسة عشر ألف نفس إلى عشرين ألف نفس في كل يوم. وعملت الناس التوابيت والدكك لتغسيل الموتى للسبيل بغير أجر وحمل أكثر الموتى على ألواح الخشب وعلى السلالم والأبواب، وحفرت الحفائر وألقي فيها الموتى، فكانت الحفيرة يدفن فيها الثلاثون والأربعون وأكثر. . . ".
_________________
(١) جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي الأتابكي، "النجوم الزاهرة في تاريخ ملوك مصر والقاهرة" (٩/ ١٩٥)، المؤسسة المصرية العامة - القاهرة.
[ ٤٧ ]
ويضيف:
"ولم يكن هذا الوباء كما عهد في إقليم دون إقليم، بل لمَّ أقاليم الأرض شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، جميع أجناس بني آدم وغيرهم حتى حيتان البحر وطير السماء ووحش البر. . . ".
. . . ويستطرد بقوله عن بغداد التي عاش فيها الأدمي:
". . . ثم وقع ببغداد أيضًا، فكان الإِنسان يصبح وقد وجد بوجهه طلوعًا فما هو إلَّا أن يمد يده على موضع الطلوع فيموت في الوقت". وذكر مثل ذلك ابن الوردي في تاريخه وقد أشار إليه شعرًا:
ماذا الذي يصنعُ الطاعونُ في بلد في كلِّ يومٍ لهُ بالظلمِ طاعون
وقد مات ابن الوردي بطاعون حلب في ١٧ ذي الحجة ٧٤٩ هـ (١).
والخلاصة: أن هذا الوباء يفسر لنا غموض تاريخ تلك الفترة، فلعل الأدمي ﵀ ممن مات بسببه. كما شهدت هذه الفترة أيضًا نزاعات سياسية وحروب وتبدل سلاطين وأمراء وقواد كما يظهر ذلك في حوادثها في تاريخ الذهبي وغيره (٢). وقد سبقها ظهور أكبر فتنة في العالم الإِسلامي وهي فتنة المغول الذين خرجوا حوالي سنة ٦٥٤ هـ واستمروا إلى دخول بغداد بقيادة الطاغية هولاكو سنة ٦٥٦ هـ، قال الذهبي (٣):
_________________
(١) زين الدين عمر بن مظفر الشهير بابن الوردي، "تاريخ ابن الوردي" (١/ ٤٩)، ١٩٦٩ م، المطبعة الحيديرية - النجف.
(٢) الإِمام الحافظ شمس الدين الذهبي، "كتاب دول الإِسلام" (٧٤٣ - ٧٤٨)، تحقيق فهيم شلتوت، محمد مصطفى إبراهيم، ١٩٧٤ م، الهيئة المصرية العامة للكتاب، انظر: الجزء الأول، ص ٢٤٥ - ٢٥١.
(٣) المصدر السابق، ص ١٥٨ - ١٦٠، يشير الإمام الذهبي ﵀ إلى سبب دخولهم بقوله: أشار الوزير ابن العلقمي الرافضي على الخليفة المستعصم باللَّه =
[ ٤٨ ]
"ودخلت التتار بغداد واقتسموها كل نوين أخذ ناحية وبقي السيف يعمل أربعة وثلاثين يومًا، وقلَّ من سلم، فبلغت القتلى ألف ألف وثمانمائة ألف وزيادة".
ويشير ناجي معروف في تاريخه بقوله:
"أتت فتنة هولاكو على خزائن العلم والأدب فلم يتق شيئًا ولم يبق من الكتب إلَّا ما كان منه نسخ عديدة أو امتلكها أناس كانوا في نجوة من هذا الإِعصار. . . إلخ" (١).
فلعل هذه الحوادث كالطاعون والوباء وما تلاه من مقاتل وفتن ونزاعات قد غيبت تاريخ وفاة الأدمي وعلى الأخص الوباء الذي لم يسلم منه أحد كما أشار المؤرخون.