عاش الأدمي بناء على ما ذكرنا آنفًا في فترة المماليك التي تعرف بـ "المماليك البحرية" التي حكمت بلاد الشام ومصر منذ عام ٦٤٨ هـ إلى عام ٧٨٤ هـ سموا بذلك لنزولهم في ثكنات عسكرية في جزيرة الروضة على
_________________
(١) انظر: تاريخ ابن قاضي شهبة، ص ٦٥٧.
[ ٤٣ ]
بحر النيل. أما بغداد مقر الخلافة، فقد سقطت في أيدي المغول التتار على يد الطاغية هولاكو في سنة ٦٥٦ هـ، فدمروا البلاد وقتلوا العباد واستباحوا المحرمات وصارت بغداد تحت دولتهم المسماة: "الدولة المغولية الإِيلخانية".
قال ابن العماد في حوادث سنة ٦٥٦ هـ:
"ففي هذه السنة ٦٥٦ هـ قتل الخليفة المستعصم باللَّه أبو أحمد عبد اللَّه ابن المستنصر باللَّه أبي جعفر المنصور آخر الخلفاء، وكانت دولتهم خمسمائة سنة وأربعًا وعشرين سنة (١). وكان قتله على يد الطاغية هولاكو وذلك بتواطؤ وخيانة الوزير ابن العلقمي، وفي ذلك يقول الشاعر:
يا عصبةَ الِإسلامِ نُوحي وانْدُبي حزنًا على مأتم للمستعصم
دَسْت الوزارة كان قبلَ زمانهِ لابن الفُرات فصار لابن العلقمِي
ويضيف: "ولما فرغ هولاكو من قتل الخليفة وأهل بغداد أقام على العراق نوابه، وكان ابن العلقمي حسَّن لهم أن يقيموا خليفة علويًا فلم يوافقوه واطرحوه وصار معهم في صورة بعض الغلمان ومات كمدًا لا ﵀" (٢).
وقال ابن العماد ﵀ أيضًا:
"وفي عام ٦٦٤ هـ هلك هولاكو بن قولي قان بن جنكز خان المغولي مقدم التتار وقائدهم إلى النار الذي أباد البلاد والعباد. . . مات على كفره في هذه السنة بعلة الصرع، فإنه اعتراه منذ مقتل الشهيد صاحب ميافارقين الملك
_________________
(١) ابن العماد، "شذرات الذهب في أخبار من ذهب" (٥ - ٦/ ٢٧٠)، دار الآفاق العربي - بيروت.
(٢) ابن العماد، "شذرات الذهب" (٥ - ٦/ ٢٧٢).
[ ٤٤ ]
الكامل غازي حتى كان يصرع في اليوم مرتين. . . خلَّف ١٧ ابنًا، تملك بعده ابنه أبغا (١).
واستمر العداء مع التتار، ولم تتعدل الأوضاع إلَّا بدءًا من عام ٦٩٤ هـ، وذلك عندما أعلن السلطان الخاني غازان بن أرغون بن أبغا بن هولاكو إسلامه وتسمى باسم محمود، وتلقب بـ السلطان معز الدين، فدخل بسبب إسلامه كثير من الأمراء ورجالات الدولة المغولية وانتشر الإِسلام في أوساط التتار، ورغم ذلك فإن العداوة بين المغول في بغداد ودولة المماليك في مصر والشام ظلت باقية وتعرضت كثير من مدن الشام للخراب على أيدي التتاريين، وكانت الحروب بين التتار والمماليك سجالًا. فقد هجم التتار على حمص والبقاع ودمشق؛ يقول الذهبي في "دول الإِسلام": ثم دخلت التتار دمشق وشرعوا في المصادرة والعسف ونهبوا الصالحية وسبوا أهلها وأتعبوا الخلق. . . ثم إن اللَّه لطف وألقى في قلب قازان فأمر الأمراء بالكف عن دمشق. . . " (٢).
ثم جاء بعد ذلك السلطان خدا بنده بن أرغون بن أبغا بن هولاكو (٧٠٣ - ٧١٦ هـ)، وكان حسن السيرة لكنه تبنى المذهب الشيعي وعادى أهل السنَّة، وشهدت البلاد رغم ذلك رخاء، كما أنه استمر على عداء المماليك في مصر والشام.
ثم حكم السلطان بوسعيد بن محمد خدا بنده (٧١٦ - ٧٣٦ هـ) وكان صغير السن في بداية حكمه واستمر إلى أن تولى الأمور بنفسه ثم تحسنت
_________________
(١) ابن العماد، "شذرات الذهب" (٥ - ٦/ ٣١٧).
(٢) الإِمام الذهبي، "كتاب دول الإسلام" (١/ ١٨٢ - ١٨٣) و(١/ ٢٠٨ - ٢٠٩) وغير ذلك.
[ ٤٥ ]
العلاقات بينه وبين مماليك مصر والشام، وعقد صلح بين الدولتين في عام ٧٣٦ هـ (١).
ثم بعد ذلك جاء السلطان حسن بزرك الجلائري (٧٣٨ - ٧٥٧ هـ) فأسس "الدولة المغولية الجلائرية" وذلك بعد الخلاف بينه وبين المنافسين له، فاستطاع أن يستولي على بغداد وانتهى في عهده حكم "الأسرة المغولية الإِيلخانية" التي أسسها هولاكو وأبناؤه وأحفاده، وقد شاع الظلم في عهده مما دعى أهل العراق إلى الهجرة خارجها، لكنه تعدل في النهاية وأقام العدل مما دفع كثيرًا من النازحين عن العراق على العودة إليها وذلك في سنة ٧٤٨ هـ (٢)، وهي أقرب سنة من وفاة العلامة الأدمي كما ذكرنا آنفًا.
كما شهدت هذه الفترة وعلى الأخص الفترة التي عاصرت الأدمي عدة حوادث ربما تلقي الضوء على الغموض الذي اكتنف أخبار هذا العالم الجليل، فمن ذلك ما يأتي: