لكتاب المحرر وصاحبه مكانة مرموقة في المذهب، ولترجيحاته واختياراته أهمية كبيرة (٢)؛ إذ أنه ممن أدرك شيخ المذهب الإِمام موفق الدين ابن قدامة (٣) (ت ٦٢٠ هـ) ولكونه ينتمي إلى طبقة المتوسطين من علماء المذهب.
وهذه الطبقة تبدأ زمنيًّا عقب وفاة الحسن بن حامد (ت ٤٠٣ هـ) وتمتد إلى وفاة البرهان بن مفلح صاحب المبدع في شرح المقنع (ت ٨٨٤ هـ)،
_________________
(١) انظر: ابن بدران "المدخل"، ص ٤١١، ٤٢١، هذا وقد طبع من حاشية ابن قندس بعض الأجزاء فمنها قسم "العبادات والطهارة والصلاة. . . إلخ" بتحقيق صالح بن عبد الرحمن الفوزان، كما طبع منه "الحواشي من كتاب الفرائض إلى آخر الحدود" بتحقيق محمد بن عبد العزيز السديس؛ مؤسسة قرطبة - ولم يذكر سنة الطبع.
(٢) وفي ذلك يقول الشاعر الصرصري في قصيدته التي مدح فيها الإِمام أحمد وأصحابه: فمنهم "بحران" الفقيه النبيه ذو الفوائد والتصنيف في المذهب الجلي هو المجد ذو التقوى ابن تيمية الرضى أبو البركات العالم الحجة الملي "محرره" في الفقه حرر فقهنا وأحكم في "الأحكام" علم المبجل
(٣) هو الإِمام عبد اللَّه بن محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي ثم الدمشقي الصالحي، شيخ المذهب، ومؤلف "المغني"، و"الكافي"، و"المقنع"، و"العمدة" وغيرها (ت ٦٢٠ هـ)، انظر: "المدخل"، لابن بدران، ص ٤١٣، وانظر: "ذيل طبقات الحنابلة"، لابن رجب (٤/ ١٣٣)، والشذرات (٥ - ٦/ ٨٨)، "السير"، للذهبي (٢٢/ ١٦٥).
[ ٢٢ ]
حيث ظهر في هذه الفترة ثلة من جهابذة علماء المذهب، أبرزهم: الموفق عبد اللَّه بن قدامة، والمجد أبو البركات عبد السلام بن تيمية. ومنهم: شمس الدين، أبو محمد عبد الرحمن بن عمر المقدسي (٥٩٧ - ٦٨٢ هـ). ومنهم: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني (٦٦١ - ٧٢٨ هـ)، ومنهم: شمس الدين محمد بن مفلح (٧٠٨ - ٧٦٣ هـ). ومنهم: زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن رجب السلامي (٧٣٦ - ٧٩٥ هـ).
* يقول المرداوي في "تصحيح الفروع" في ذلك ما نصه:
"اعلم أن مرجع معرفة الصحيح والترجيح في المذهب إلى أصحابه، وقد حرر ذلك الأئمة المتأخرون، فالاعتماد في معرفة الصحيح من المذهب ما قالوه، ومن أعظمهم: الشيخ الموفق -لا سيما في الكافي والنجم المسدد، والشارح-. والشيخ تقي الدين، والشيخ زين الدين بن رجب. . . إلخ"؛ ويقول: فإنهم هذبوا كلام المتقدمين ومهدوا قواعد المذهب بيقين، فإن اختلفوا فالمرجع إلى ما قاله الشيخان الموفق والمجد، ثم ما وافق أحدهما الآخر في اختياريه، فإن اختلفا من غير مشارك لهما فالموفق ثم المجد، وإلَّا ينظر إلى فيمن شاركهما من الأصحاب لا سيما إذا كان الشيخ تقي الدين أو ابن رجب" (١).
ويرى المرداوي أن المجد مجتهد في مذهب إمامه غير مقلد له، فقد
_________________
(١) انظر: ابن مفلح، "الفروع" ويليه: "تصحيح الفروع"، للمرداوي (١/ ٥٠)، وقوله: إذا كان الشيخ تقي الدين: أي ابن تيمية، ويقول الشيخ بكر أبو زيد في "المدخل المفصل" (١/ ٤٤٥): إن أكثر من أفرد بترجمة على تتابع القرون هو شيخ الإِسلام أحمد بن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) حيث أفرد له حوالي ٢٠٠ كتاب حتى عصرنا الحاضر.
[ ٢٣ ]
ذكر في "الإِنصاف" نقلًا عن "آداب المفتي والمستفتي" لابن حمدان: أن المجتهد ينقسم إلى أربعة أقسام: مجتهد مطلق، ومجتهد في مذهب إمامه أو في مذهب إمام غيره، ومجتهد في نوع من العلم، ومجتهد في مسألة أو مسائل. وأن المجتهد في مذهب إمامه أو إمام غيره وهو القسم الثاني، أحواله أربعة: نذكر منها: الحالة الأولى: أن يكون غير مقلد لإِمامه في الحكم والدليل لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتوى ودعا إلى مذهبه وقرأ كثيرًا منه على أهله فوجده صوابًا وأولى من غيره وأشد موافقة فيه وفي طريقه.
قال المرداوي: "قلت ومن أصحاب الإمام أحمد ﵁: فمن المتأخرين كالمصنِّف والمجد وغيرهما" (١).