فَإِن قَالَ لَهُ فِي دَاري نصفهَا بِحَق لزمني أَو بِحَق لَهُ قبلي فَهُوَ إِقْرَار على كلا الرِّوَايَتَيْنِ
قَالَ القَاضِي لِأَنَّهُ إِذا قَالَ بِحَق فقد اعْترف أَن الْمقر لَهُ يسْتَحق ذَلِك بِحَق وَاجِب عرفه لَهُ وَلَزِمَه الْإِقْرَار بِهِ
وَقَالَ فِي الرِّعَايَة صَحَّ على الْأَصَح فَحكى فِيهَا الرِّوَايَتَيْنِ
[ ٢ / ٤٤٥ ]
قَوْله وَإِن قَالَ لَهُ هَذِه الدَّار عَارِية ثَبت بِهِ حكم الْعَارِية لَا ملك الرَّقَبَة
وَإِن قَالَ سُكْنى فَكَمَا لَو قَالَ عَارِية وَإِن قَالَ لَهُ هَذِه الدَّار هبة اعْتبرت شُرُوطهَا قطع بهَا فِي هَذِه الْمسَائِل جمَاعَة لِأَنَّهُ رفع بآخر كَلَامه بعض مَا دخل فِي أَوله فصح وَذكر القَاضِي وَجها أَنه لَا يَصح ذَلِك لِأَنَّهُ اسْتثِْنَاء من غير الْجِنْس
فعلى هَذَا تثبت لَهُ الدَّار ملكا وَالْأولَى وَلَيْسَ هُنَا من أدوات الِاسْتِثْنَاء شَيْء وَإِنَّمَا هَذَا بدل اشْتِمَال وَهُوَ أَن يُبدل من الشَّيْء بعض مَا يشْتَمل عَلَيْهِ ذَلِك الشَّيْء وَهُوَ شَائِع فِي اللُّغَة وَهُوَ فِي الْقُرْآن كثير كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَك عَن الشَّهْر الْحَرَام قتال فِيهِ﴾ فقتال بدل من الشَّهْر وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَمَا أنسانيه إِلَّا الشَّيْطَان أَن أذكرهُ﴾ أَي نسياني ذكره وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة لمن كَانَ يَرْجُو الله﴾ وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿قتل أَصْحَاب الْأُخْدُود النَّار﴾ وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين﴾ وَلِأَنَّهُ لَو قَالَ هَذِه الدَّار ثلثهَا ربعهَا صَحَّ وَكَانَ مقرّ بالجزء الَّذِي أبدله وَقد أبدل الله سُبْحَانَهُ المستطيع لِلْحَجِّ من النَّاس وَهُوَ أقل من نصفهم وأبدل الْقِتَال من الشَّهْر وَهُوَ غَيره فيفارق الْبَدَل الِاسْتِثْنَاء فِي هَذَا وَيُوَافِقهُ فِي كَونه يخرج من الْكَلَام بعض مَا يدْخل فِيهِ لولاه
قَوْله وَإِذا قَالَ هَذَا العَبْد لزيد لَا بل لعَمْرو أَو غصبته من زيد وغصبه زيد من عَمْرو لزمَه دَفعه إِلَى زيد وَدفع قِيمَته إِلَى عَمْرو
[ ٢ / ٤٤٦ ]
قطع بِهَذَا أَكثر الْأَصْحَاب وَسَوَاء كَانَ مُتَّصِلا أَو مُنْفَصِلا لِأَنَّهُ ثَبت ملك زيد فِيهِ باقراره لَهُ أَولا وَإِقْرَاره ثَانِيًا رُجُوع عَن حق آدَمِيّ ثَابت فَلَا يقبل على مَا تقدم لَكِن يقبل فِي حق نَفسه فَيغرم قِيمَته لَهُ لاعْتِرَافه بإحالته بِالْإِقْرَارِ الأول بَينه وَبَين مَاله فغرمه كَمَا لَو أتْلفه وَللشَّافِعِيّ قَول لَا يغرم للثَّانِي شَيْئا وَهُوَ وَجه لنا لِأَنَّهُ لَا يُمكن جمعه لكل وَاحِد مِنْهُمَا وَإِنَّمَا جَاءَ التَّنَاقُض من الْإِقْرَار الثَّانِي فَيخْتَص الْبطلَان بِهِ وَلِأَن الْإِقْرَار الثَّانِي إِقْرَار بِملك غَيره فَلَا يقبل كَمَا لَو قَالَ العَبْد الَّذِي فِي يَد زيد لعَمْرو
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين يتَوَجَّه إِذا كَانَ الِاسْتِثْنَاء مُتَّصِلا أَن لَا يثبت حكم الْإِقْرَار الأول كَمَا لَو قَالَ كَانَ على وَقَضيته لِأَنَّهُ كَلَام مُنْتَظم وَلِهَذَا لَا يثبت بِهِ كفر وَلَا نَحوه وَلَو قَالَ فِي الطَّلَاق إِنَّه سبق لِسَانه لَكَانَ كَذَلِك انْتهى كَلَامه
وَقَوله على وَقَضيته أقرب إِلَى هَذِه الْمَسْأَلَة من كَانَ لَهُ على وقضتيه
وَعدم ثُبُوت الْكفْر لكَونه حَقًا لله فرجوعه عَنهُ مَقْبُول
وَأما لَو قَالَ هَذِه الْمُطلقَة لَا بل هَذِه فَإِنَّهُمَا يطلقان فَإِن ادّعى سبق لِسَانه بِالْأولَى فَهَل يقبل مِنْهُ وَلَا تطلق لم أجد هَذَا الْفَرْع وَلَا بِبَعِيد أَن يخرج فِيهَا الْخلاف فِيمَا إِذا أَتَى بِلَفْظ الطَّلَاق وَادّعى سبق لِسَانه إِلَيْهِ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِلَفْظِهِ غَيره وعَلى قِيَاسه مَسْأَلَتنَا هَذَا فِي الإقرارر ونظيرهما فِي الْعتْق وَفِي هَذَا الْقيَاس نظر لأفضائه فِي الإفرار إِلَى سُقُوطه وسد بَابه لتمكن الْمقر من رَفعه بعد لُزُومه ظَاهرا
وَالطَّلَاق مبغوض إِلَى الله تَعَالَى وَالْعِتْق مَحْبُوب إِلَيْهِ فَافْتَرقَا