وَكَذَلِكَ الحكم لَو أقرّ أَنه اقْترض مِنْهُ ألفا وَقَبضهَا وَقَالَ لَهُ عَليّ ألف أَو قَالَ لَهُ ألف ثمَّ قَالَ مَا كنت قبضتها وَإِنَّمَا أَقرَرت لأقبضها ذكره فِي المغنى
[ ٢ / ٤٥١ ]
قَوْله وَإِذا ادّعى اثْنَان دَارا فِي يَد ثَالِث أَنَّهَا شركَة بَينهمَا بِالسَّوِيَّةِ فَأقر لأَحَدهمَا بِنِصْفِهَا فالمقر بِهِ بَينهمَا عِنْد أبي الْخطاب
لم أجد فِي كَلَام الشَّيْخ موفق الدّين خلاف هَذَا وَقطع بِهِ فِي الْمُسْتَوْعب وَغَيره وَذَلِكَ لاعترافهما بإشاعة الدَّار وَالْمقر بِهِ بَينهمَا كالباقي
قَوْله وَقَالَ القَاضِي إِن أضافا الشّركَة إِلَى سَبَب رَجَعَ فِي تَفْسِيره إِلَيْهِ
من إِرْث أَو غنيمَة أَو شِرَاء وَنَحْوه وَلم يَكُونَا قبضاها بعد الْملك لَهَا فَكَذَلِك وَإِلَّا اخْتصَّ الْمقر لَهُ بالمقر بِهِ
لِأَنَّهُمَا إِذا لم يضيفا الشّركَة إِلَى سَبَب وَاحِد يحْتَمل أَن كل جُزْء من الدَّار مُشْتَرك بَينهمَا وَيحْتَمل أَن تكون لَهما نِصْفَيْنِ وَهِي شركَة بَينهمَا بِالسَّوِيَّةِ وَمَعَ الِاحْتِمَال لم يحصل اعترافهما بالاشتراك فِي كل جُزْء فَيخْتَص الْمقر لَهُ بالمقر بِهِ كَمَا لَو ادّعى كل وَاحِد مِنْهُمَا نصفهَا وَلَا يحْتَاج أَن يَقُول معينا كَمَا زَاده بَعضهم وَإِن أضَاف الشّركَة إِلَى سَبَب وَاحِد وقبضاها بعد الْملك لَهَا فقد حصلت يَد كل وَاحِد مِنْهُمَا على نصفهَا فَيخْتَص بِهِ وَحكى فِي الرِّعَايَة قولا كَقَوْل القَاضِي وَلم يذكر كقبضهما بعد الْملك بِالشِّرَاءِ فيترتب عَلَيْهِ حكم ولبعضهم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة كَلَام عَجِيب
قَوْله وَمن أقرّ لرجل بِأَلف فِي وَقْتَيْنِ لزمَه ألف وَاحِد
وَبِه قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ لِأَنَّهُ يحْتَمل التَّأْكِيد وَغَيره وَالْأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة اقْتصر كثير من الْأَصْحَاب على هَذَا الدَّلِيل وَفِيه نظر لِأَن الْكَلَام يحمل على حقيقتة واصله وَمَا تشتغل بِهِ الذِّمَّة وَحَقِيقَته وَأَصله التأسيس فيتعدد
[ ٢ / ٤٥٢ ]
كَمَا لَو قَالَ ألف وَألف عملا بِأَصْلِهِ وَهُوَ التغاير مَعَ احْتِمَاله التَّأْكِيد وَاسْتدلَّ بَعضهم بِأَن الْعرف يشْهد بذلك وَلذَلِك لَو قَالَ شخص رَأَيْت زيدا ثمَّ قَالَ رَأَيْت زيدا كَانَ زيد الثَّانِي زيدا الأول والرؤية الثَّانِيَة هِيَ الأولة وَهَذِه دَعْوَى حَقِيقَة عرفية تفْتَقر إِلَى دَلِيل وَالْأَصْل عدمهَا وَبَقَاء الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة وَاسْتدلَّ بَعضهم بِأَن الله تَعَالَى كرر الْخَبَر عَن جمَاعَة من الرُّسُل عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَلم يكن الْمَذْكُور فِي قصَّة غير الْمَذْكُور فِي أُخْرَى كَذَا هَهُنَا وَفِيه نظر لأَنا لَا نمْنَع من اسْتِعْمَال الْمجَاز وَالظَّاهِر يَزُول بالقاطع
وَعَن أبي حنيفَة رِوَايَة كَهَذا القَوْل مَعَ اتِّحَاد الْمجْلس فَقَط وَالْمَشْهُور عَنهُ أَنه يلْزمه أَلفَانِ وَهُوَ الْأَصَح عِنْد أَصْحَابه وَسَوَاء كَانَ الْإِقْرَار بِمَا فِي الذِّمَّة أَو بِمَا فِي الْيَد وَإِن عرفه فقد وَافق أَبُو حنيفَة أَنه الأول وَهُوَ وَاضح لِأَن اللَّام للْعهد كَقَوْلِه تَعَالَى ٧٣ ١٦ ﴿فعصى فِرْعَوْن الرَّسُول﴾
وَكَذَلِكَ لَو شهد لَهُ بِأَلف ثمَّ ادّعى عَلَيْهِ بِأَلف عِنْد القَاضِي فَأقر بِأَلف فَقَالَ الطَّالِب لي عَلَيْهِ ألف أُخْرَى وَأَنا أقيم الْبَيِّنَة فَالْقَوْل قَول الْمَطْلُوب فِي أَن الْمَشْهُود بِهِ هُوَ الْمقر بِهِ بِخِلَاف الإقرارين وَكَذَلِكَ لَو سلم أَنه لَو قَالَ لَهُ عَليّ دِرْهَم دِرْهَم أَنه لَا يلْزمه إِلَّا دِرْهَم وَاحِد بِخِلَاف الاقرارين فِي دفعتين وَلَو قَالَ لَهُ على ألف من ثمن هَذَا الْمَتَاع بِعَيْنِه ثمَّ أقرّ بِهِ فِي مجْلِس آخر فَهُوَ إِقْرَار بِشَيْء وَاحِد وفَاقا كَمَا أَنه لَو عزا الأولى إِلَى بيع وَالثَّانِي إِلَى آخر لزم الألفان وفَاقا
قَوْله إِلَّا أَن يذكر مَا يَقْتَضِي التَّعَدُّد كأجلين أَو شَيْئَيْنِ أَو سكتين وَنَحْوه فَيلْزمهُ أَلفَانِ وَقد تقدم
لِأَن تغاير الصِّفَات دَلِيل على تغاير الموصوفات كمن قَالَ قبضت ألفا يَوْم السبت وألفا يَوْم الْأَحَد بِخِلَاف تعدد الْإِشْهَاد وَإِن قيد أحد الإقرارين بِسَبَب وَأطلق الآخر حمل الْمُطلق على الْمُقَيد فَيكون ألفا وَاحِدًا مَعَ الْيَمين
[ ٢ / ٤٥٣ ]
وَلَو شهد بِكُل إِقْرَار شَاهد جمع قَوْلهمَا لِاتِّحَاد الْمخبر عَنهُ وَلَا جمع فِي الْأَفْعَال
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين كَلَام أَصْحَابنَا فِي الْمَسْأَلَة يَقْتَضِي أَن يكون الْإِخْبَار كُله من الشَّهَادَة وَنَحْوهَا كَالْإِقْرَارِ بِخِلَاف الإنشاءات كتقرير الطَّلَاق وَكَذَلِكَ صرح القَاضِي بِالْفرقِ بَين الْإِخْبَار والإيقاع فان مَا وَقع مرّة لَا يَقع ثَانِيَة بِخِلَاف مَا أخبر بِهِ مرّة فَإِنَّهُ يخبر بِهِ ثَانِيَة
قَوْله قد ذكرنَا صِحَة اسْتثِْنَاء الْأَقَل دون الْأَكْثَر
نَص أَحْمد على ذَلِك وَذكر الشَّيْخ موفق الدّين أَنه لَا يعلم فِي ذَلِك خلافًا وَحكى غَيره الْإِجْمَاع وَحَكَاهُ أَيْضا هُوَ فِي اسْتثِْنَاء الْكل لِأَن اسْتثِْنَاء الْأَقَل لُغَة الْعَرَب وَهُوَ فِي الْكتاب وَالسّنة كثير وَعَكسه اسْتثِْنَاء الْكل
وَقد قَالَ ابْن طَلْحَة الْمَالِكِي فِي كتاب الْمدْخل فِيمَا إِذا قَالَ أَنْت طَالِق ثَلَاثًا إِلَّا ثَلَاثًا فِي لُزُوم الطَّلَاق لَهُ قَولَانِ بِنَاء على أَنه اسْتثِْنَاء أَو أَنه نَدم
قَالَ الْقَرَافِيّ فَعدم اللُّزُوم يَقْتَضِي جَوَاز اسْتثِْنَاء الْكل من الْكل
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين لَيْسَ كَذَلِك وَإِنَّمَا على قَول مَالك يمشي هَذَا
وَقد تقدم أَصله قَالَ وَذَهَبت طَائِفَة من أهل الْعَرَبيَّة إِلَى أَنه يجوز أَن يسْتَثْنى عقد صَحِيح مثل الْعشْرَة وَالْعِشْرين من الْمِائَة الْوَاحِدَة والاثنين من الْعشْرَة بل بعض عقد كالخمسة من الْمِائَة وَالنّصف من الْعشْرَة انْتهى كَلَامه
وَحكى بَعضهم هَذَا عَن ابْن عُصْفُور وَلم أَجِدهُ فِي كَلَامه وَكَلَام الْأَئِمَّة ولغة الْعَرَب يَقْتَضِي عدم الْفرق وَهُوَ أولى
وَقَوله وَدون الْأَكْثَر على الْأَصَح
نَص عَلَيْهِ الإِمَام أَحْمد فِي الطَّلَاق فِي رِوَايَة إِسْحَاق فِيمَن قَالَ أَنْت طَالِق ثَلَاثًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ هِيَ ثَلَاث وَقطع بِهِ أَكثر الْأَصْحَاب حَتَّى قَالَ فِي المغنى لَا يخْتَلف الْمَذْهَب فِيهِ وَبِه قَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد بن الْملك بن الْمَاجشون
[ ٢ / ٤٥٤ ]
وَذكر القَاضِي بن معتب فِي وثائقه أَنه مَذْهَب مَالك وَأَصْحَابه وَذكر الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَنه قَول نحاة الْبَصْرَة وَذكر ابْن هُبَيْرَة أَن قَول أهل اللُّغَة يُوَافق هَذَا القَوْل وَحَكَاهُ ابْن عقيل عَن القَاضِي أبي بكر بن الباقلاني وَهُوَ الَّذِي ذكره ابْن درسْتوَيْه والزجاج وَأَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي وَابْن قُتَيْبَة وَابْن جنى وَابْن عُصْفُور وَغَيرهم
وَقَالَ ابْن عبد الْقوي وَكَذَا أَكثر أهل اللُّغَة من الْأَئِمَّة الْمُتَقَدِّمين وَإِذا مَنعه أهل اللُّغَة لم يكن صَحِيحا وَلِأَن الِاسْتِثْنَاء وضع لِمَعْنى وَهُوَ الِاسْتِدْرَاك أَو الِاخْتِصَار وَلَيْسَ فِي الْحِكْمَة وجود ذَلِك فِي الْأَكْثَر ولأنا نمْنَع وجود ذَلِك فِي شرع أَو لُغَة أَو عَادَة فثبوته يفْتَقر إِلَى دَلِيل وَالْأَصْل عَدمه فعلى هَذَا لَا فرق عِنْد الْأَصْحَاب بَين اسْتثِْنَاء الْأَكْثَر من عدد مُصَرح بِهِ إِلَّا تسعين وَنَحْوه أَولا
وَفِي كَلَام بَعضهم الْجَوَاز إِذا لم يكن كَذَلِك نَحْو قَوْلك خُذ مَا فِي الْكيس من الدَّرَاهِم إِلَّا السُّلْطَانِيَّة أَو قدم بَنو فلَان أَو الْحَاج إِلَّا المشاة وَإِن كَانَ الْمُسْتَثْنى أَكثر من الْمُسْتَثْنى مِنْهُ وَالْقَوْل الآخر عندنَا يَصح اسْتثِْنَاء الْأَكْثَر وَقد ذكر القَاضِي وَجها وَاخْتَارَهُ فِيمَا إِذا قَالَ لَهُ عَليّ ثَلَاثَة إِلَّا ثَلَاثَة إِلَّا دِرْهَمَيْنِ أَنه يلْزمه دِرْهَمَانِ وَهَذَا إِنَّمَا يَجِيء على القَوْل بِصِحَّة اسْتثِْنَاء الْأَكْثَر وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وأصحابهما وَهُوَ الْمَشْهُور من مَذْهَب مَالك نَقله صَاحب الْجَوَاهِر وَغَيره كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان إِلَّا من اتبعك من الغاوين﴾ والغاوون أَكثر بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى ١٢ ١٠٣ ﴿وَمَا أَكثر النَّاس وَلَو حرصت بمؤمنين﴾ وَأجِيب بِأَن الغاوين أقل لِأَن الْمَلَائِكَة من الْعِبَادَة قَالَ الله تَعَالَى ٢١ ٢٦ ﴿بل عباد مكرمون﴾ وَكَون السِّيَاق فِي بني آدم لَا يمْنَع الْعُمُوم وَبِأَن الْمُسْتَثْنى مِنْهُ غير عدد صَرِيح أجَاب بِهِ القَاضِي وَأَصْحَابه وَبِأَن الِاسْتِثْنَاء فِي الْآيَة من غير الْجِنْس إِمَّا المُرَاد
[ ٢ / ٤٥٥ ]
بعبادي الموحدون ومتبع الشَّيْطَان غير موحد وَفِي هَذَا نظر وَإِمَّا لِأَن الْعباد لَيْسَ للشَّيْطَان عَلَيْهِم سُلْطَان أَي حجَّة فَهُوَ على عُمُومه وَمن اتبعهُ لَا يضله بِالْحجَّةِ بل بتزينه يدل على هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لي عَلَيْكُم من سُلْطَان إِلَّا أَن دعوتكم فاستجبتم لي﴾
فاستدل ابْن عبد الْقوي على أَنه من غير الْجِنْس بِأَن من وصلتها فِي مَوضِع نصب فِي اخْتِيَار الْمُحَقِّقين من النُّحَاة وَلَو كَانَ مُتَّصِلا لَكَانَ فِي مَوضِع رفع فِي اختيارهم لِأَنَّهُ من منفى بعد تَمام الْكَلَام
قَوْله وَإِن فِي النصفين وَجْهَيْن
أَحدهمَا يَصح وَهُوَ ظَاهر كَلَام الْخرقِيّ وَذكر ابْن هُبَيْرَة أَنه ظَاهر مَذْهَب أَحْمد لِأَن ابْن مَنْصُور روى عَن الإِمَام أَحْمد إِذا قَالَ لَك عِنْدِي مائَة دِينَار قضيتك مِنْهَا خمسين وَلَيْسَ بَينهمَا بَيِّنَة فَالْقَوْل قَوْله
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين هَذَا لَيْسَ من الِاسْتِثْنَاء الْمُخْتَلف فِيهِ فَإِن قَوْله قضيتك سِتِّينَ مثل خمسين وَمَا قَالَه صَحِيح وَهُوَ الَّذِي ذكره ابْن عُصْفُور لِأَن الْمَمْنُوع مِنْهُ اسْتثِْنَاء الْأَكْثَر وَهَذَا لَيْسَ بِأَكْثَرَ
وَالثَّانِي لَا يَصح وَاخْتَارَهُ أَبُو بكر وَذكر الشَّيْخ شمس الدّين وَالشَّيْخ زين الدّين أَنه أولى بِنَاء على أَنه لم يَأْتِ فِي لسانهم قَالَ الزّجاج فِي الْمعَانِي فِي العنكبوت فِي قصَّة لوط لم يَأْتِ الِاسْتِثْنَاء فِي كَلَام الْعَرَب إِلَّا الْقَلِيل من الْكثير
وَقَالَ أَيْضا فَأَما اسْتثِْنَاء نصف الشَّيْء فقبيح جدا لم تَتَكَلَّم بِهِ الْعَرَب
وَقَالَ أَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي فِي الْكَافِي وَأعلم أَنه لَيْسَ من كَلَام الْعَرَب أَن يسْتَثْنى من الشَّيْء نصفه فقبيح أَن يَقُول لزيد عَليّ عشرَة إِلَّا خَمْسَة