قَالَ القَاضِي على ظهر أَجزَاء الْعدة نقلت من الْمَجْمُوع لأبي حَفْص الْبَرْمَكِي من خطّ وَلَده أبي إِسْحَاق عبد الله سَمِعت أبي يَقُول لَو أَن رجلا عمل بِكُل رخصَة بقول أهل الْكُوفَة فِي النَّبِيذ وَأهل الْمَدِينَة فِي الْمشَاع وَأهل مَكَّة فِي الْمُتْعَة لَكَانَ فَاسِقًا
قَالَ القَاضِي هَذَا مَحْمُول على أحد وَجْهَيْن إِمَّا أَن يكون من أهل الِاجْتِهَاد وَلم يؤده اجْتِهَاده إِلَى الرُّخص فَهَذَا فَاسق لِأَنَّهُ ترك مَا هُوَ الْحق عِنْده وَاتبع الْبَاطِل أَو يكون عاميا فأقدم على الرُّخص من غير تَقْلِيد فَهَذَا أَيْضا فَاسق لِأَنَّهُ أخل بفرضه وَهُوَ التَّقْلِيد فَأَما إِن كَانَ عاميا وقلد فِي ذَلِك لم يفسق لِأَنَّهُ قلد من يسوغ اجْتِهَاده
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين قد فسق العَاصِي الْمُجْتَهد إِذا عمل بِرُخْصَة مُخْتَلف فِيهَا من غير اجْتِهَاد والعامي إِذا عمل بهَا من غير تَقْلِيد وَمَعَ هَذَا فَكَلَام الإِمَام أَحْمد إِنَّمَا هُوَ فِيمَن يتبع الرُّخص مُطلقًا الْمُخْتَلف فِيهَا مَعَ ضعفها وَهَذَا فَاسق لِأَنَّهُ يفعل الْحَرَام قطعا انْتهى كَلَامه
[ ٢ / ٢٦١ ]
وَلم يقل فِي مَوضِع آخر مَعَ ضعفها انْتهى كَلَامه
وَمَا ذكره القَاضِي هُوَ ظَاهر كَلَام الْأَصْحَاب رَحِمهم الله تَعَالَى وَقد ذكرُوا فِيمَن صلى وَترك شرطا أَو ركنا سَاغَ فِيهِ الْخلاف من غير تَأْوِيل وَلَا تَقْلِيد أَنه لَا تصح صلَاته فِي أصح الرِّوَايَات لِأَن فَرْضه التَّقْلِيد وَقد تَركه وَالثَّانيَِة لَا إِعَادَة إِن طَال الزَّمن وَالثَّالِثَة تصح مُطلقًا لخفاء طرق هَذِه الْمسَائِل وعَلى هَذِه الرِّوَايَة يخرج عدم الْفسق فِي مَسْأَلَتنَا
ويوافق كَلَام القَاضِي قَول ابْن عقيل لَو شرب النَّبِيذ عَامي بِغَيْر تَقْلِيد لعالم فسق
وَوجدت بِخَط القَاضِي تَقِيّ الدّين الزريراني الْبَغْدَادِيّ الْحَنْبَلِيّ الْآخِذ برخص الْعلمَاء هَل يفسق أم لَا فِيهِ رِوَايَتَانِ مثل الْآخِذ برخص مَالك فِي ترك الشَّهَادَة فِي النِّكَاح وَالْقَوْل بِطَهَارَة الْكَلْب وَالْخِنْزِير فِي حَال الْحَيَاة وكاستباحة النَّبِيذ على قَول النُّعْمَان وتزويج ابْنَته من الزِّنَا على قَول الشَّافِعِي وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لَيْسَ لَهُ شُبْهَة قَوِيَّة فَأَما مَا قويت شبهته كمس الذّكر فِي حق المتوضىء وَخُرُوج الدَّم من بقيه الْبدن وَمَا أشبه ذَلِك فَلَا يفسق وَهَذَا كُله فِي حق الْعَالم فَأَما الْعَاميّ فموسع عَلَيْهِ فِي ذَلِك انْتهى كَلَامه
فَظهر من ذَلِك أَن من فعل مُخْتَلفا فِيهِ بِغَيْر تَأْوِيل وَلَا تَقْلِيد أَنه يفسق فِي الْمَشْهُور وَإِن تَأَول أَو قلد إِن لم يترخص فَلَا يفسق وَإِن تتبع الرُّخص فَهَل يفسق أم لَا أم يفرق بَين مَا قوى دَلِيله وَمَا ضعف أم لَا يُقَال بِهَذِهِ التَّفْرِقَة فِي حق الْعَالم فَقَط أم يفرق بَين الْعَاميّ والعالم مُطلقًا فِيهِ أَقْوَال
قَوْله وَإِن اعْتقد تَحْرِيمه ردَّتْ نَص عَلَيْهِ وَقد تقدم
وَقَالَ فِي رِوَايَة الْأَثْرَم فِي المحتجم يُصَلِّي وَلَا يتَوَضَّأ فَإِن كَانَ مِمَّن يتدين بِهَذَا
[ ٢ / ٢٦٢ ]
فَلَا وضوء فِيهِ فَلَا يعيدون وَإِن كَانَ يعلم أَنه لَا يجوز يعيدون كلهم
قَالَ القَاضِي فقد أبطل إِمَامَته مَعَ اعْتِقَاده التَّحْرِيم وَإِبْطَال الْإِمَامَة هَهُنَا كإبطال الشَّهَادَة لِأَن الْعَدَالَة شَرط فِيهَا وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور لِأَنَّهُ فعل يحرم على فَاعله فَأشبه الْمُتَّفق على تَحْرِيمه
وَاعْتبر فِي المغنى على هَذَا أَن يتَكَرَّر وَلم أَجِدهُ فِي غَيره
وَذكر فِي الْمُسْتَوْعب فِي الصَّلَاة أَنه يفسق وَلِهَذَا قَالَ فِي الرِّعَايَة فسق على الْأَصَح
وَقَوله فِي الْمُحَرر وَقيل لَا ترد أَيْضا
وَهُوَ قَول الشَّافِعِيَّة لِأَن لفعله مساغا فِي الْجُمْلَة فَأشبه الْمُتَّفق على حلّه
وَنقض على الشَّافِعِيَّة بِنَصّ الشَّافِعِيَّة فِي الْمُعْتَاد مَعَ خلاف إِبْرَاهِيم بن سعيد وَعبيد الله بن الْحسن وبمن طلق ثَلَاثًا وَأمْسك امْرَأَته مَعَ خلاف الْحسن
فَأَما اعْتِقَاد اسْتِبَاحَة هَذَا الْمحرم فَلَا يسْقط الشَّهَادَة ذكره القَاضِي وَغَيره من الْأَصْحَاب مَحل وفَاق
وَقد قَالَ عبد الله سُئِلَ أبي عَن عبد الصَّمد بن النُّعْمَان قَالَ نَحن لَا نكتب عَن عبد الصَّمد قيل لعبد الله فَلم كرهه قَالَ كَانَ يرى الْعينَة