قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَذكر القَاضِي أَنه لَا يقبل إِقْرَاره وفَاقا قَالَ وَهَذَا عِنْدِي عَجِيب وَاعْتَذَرُوا عَنهُ بِأَن إِقْرَاره لَا يكون إِلَّا بِالْمَالِ إِمَّا عَلَيْهِ وَإِمَّا
[ ٢ / ٢٨٥ ]
على غَيره قَالَ وَذكر عَنْهُم أَن الْخلاف فِي الشَّهَادَة على الْجراح الْمُوجب للْقصَاص فَأَما الشَّهَادَة بِالْمَالِ فَلَا تقبل قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَهَذَا أَيْضا عَجِيب فَإِن الصّبيان لَا قَود بَينهم وَإِنَّمَا الشَّهَادَة بِمَا يُوجب المَال وَمَا أَظن إِلَّا أَنهم أسقطوا الْإِقْرَار لِأَن الْعَاقِلَة لَا تحمل الِاعْتِرَاف بِخِلَاف الْمَشْهُود بِهِ وَلَا تقبل فِي إِتْلَاف بَعضهم ثِيَاب بعض وَهل تقبل شَهَادَة الصّبيان على الْمعلم ذكرابن الْقصار فِيهِ خلافًا بَين أَصْحَابه انْتهى كَلَامه
وَذكر فِي الْمُغنِي أَن إِقْرَار الصَّبِي لَا يَصح بِغَيْر خلاف نعلمهُ وَاحْتج بقوله ﵊
رفع الْقَلَم عَن ثَلَاث فَذكر مِنْهُم الصَّبِي حَتَّى يبلغ وَلِأَنَّهُ الْتِزَام حق بالْقَوْل فَلم يَصح مِنْهُم كالبلغ وَمَا ذكره القَاضِي من أَن الْخلاف عَنْهُم فِي الشَّهَادَة على الْجراح الْمُوجب للْقصَاص فَأَما الشَّهَادَة بِالْمَالِ فَلَا تقبل تقدم أَنا قبلنَا شَهَادَتهم وَقَالَ ابْن حَامِد فِي غير الْحُدُود وَالْقصاص كَالْعَبْدِ
وَمَا ذكره من أَنَّهَا لَا تقبل فِي إِتْلَاف بَعضهم ثِيَاب بعض هَذَا يَنْبَغِي أَن يكون على رِوَايَة حَنْبَل لَا تقبل إِلَّا فِي الْجراح أما على غَيرهَا من رِوَايَات الْقبُول فَتقبل وحكاية ابْن الْقصار الْخلاف فِي قبُول شَهَادَتهم على الْمعلم يدْخل فِي الْأَقْوَال السَّابِقَة الْقبُول وَعَدَمه وَالْمذهب عدم الْقبُول مطقا كَمَا تقدم
قَوْله وَلَا تقبل شَهَادَة الْأَخْرَس بِالْإِشَارَةِ نَص عَلَيْهِ
فَقَالَ فِي رِوَايَة حَرْب من كَانَ أخرس فَهُوَ أَصمّ لَا تجوز شَهَادَته وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَب الْمَنْصُور وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَحَكَاهُ القَاضِي وَغَيره عَن الشَّافِعِي لِأَنَّهَا مُحْتَملَة وَالشَّهَادَة يعْتَبر فِيهَا الْيَقِين فَلم تقبل كإشارة النَّاطِق وَإِنَّمَا قبلت فِي أَحْكَامه المختصة بِهِ كَالطَّلَاقِ وَالْعِتْق وَالنِّكَاح وَالْبيع وَاللّعان وَالْيَمِين للضَّرُورَة
[ ٢ / ٢٨٦ ]
وَهِي هُنَا مَعْدُومَة وَهِي أَن تِلْكَ الْأَشْيَاء لَا تستفاد إِلَّا من جِهَته بِخِلَاف الشَّهَادَة وَقَالَ القَاضِي وَقد قيل إِن تِلْكَ الْأَشْيَاء ينبنى أمرهَا على غَالب الظَّن دون الشَّهَادَة
قَوْله وَتوقف فِيمَا إِذا أَدَّاهَا بِخَطِّهِ وَاخْتَارَ أَبُو بكر أَن لَا تقبل وَعِنْدِي أَنَّهَا تقبل
قيل للْإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة حَرْب فَإِن كتبهَا فَقَالَ لم يبلغنِي فِيهِ شَيْء قَالَ أَبُو بكر عبد الْعَزِيز لَا يعْمل على الْكتاب وَالشَّهَادَة لَا تجوز على من لَا يعرف
وَكَأن وَجه قَول أبي بكر وَصَاحب الْمُحَرر الِاخْتِلَاف فِي الْكِتَابَة هَل هِيَ صَرِيحَة حَتَّى لَو كتب طَلَاق امْرَأَته وَلم ينْو فِيهِ قَولَانِ
قَوْله وَقيل تقبل بِالْإِشَارَةِ الخ
هَذَا قَول مَالك لِأَنَّهَا أُقِيمَت مقَام نطقه فِي أَحْكَامه فَكَذَا فِي شَهَادَته وَحَكَاهُ فِي المغنى عَن الشَّافِعِي وَهَذَا أحد الْوَجْهَيْنِ فِي مذْهبه وَالأَصَح فِيهِ عدم الْقبُول
قَوْله وَتجوز شَهَادَة الْأَصَم فِي المرئيات وَفِيمَا سَمعه قبل صَححهُ
لِأَنَّهُ فِي ذَلِك كمن لَا صمم بِهِ وَلِأَنَّهُ فِيمَا رَآهُ كَغَيْرِهِ من النَّاس وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين قَالَ القَاضِي فِي مَسْأَلَة الْأَعْمَى الْعَمى فقد حاسة لَا تمنع النّظر
[ ٢ / ٢٨٧ ]
والسمع فَلم تمنع من تحمل الشَّهَادَة كفقد الشم والذوق وَلَا يلْزم عَلَيْهِ الخرس لِأَنَّهُ يمْنَع النُّطْق وَلَا يلْزم عَلَيْهِ الصمم لِأَنَّهُ يمْنَع السّمع وَلذَلِك قَالَ بعد ذَلِك لَا ينْتَقض بالأخرس وبالأطرش ثمَّ قَالَ الْأَصَم لَا يجوز قَضَاؤُهُ وَيصِح أَدَاء الشَّهَادَة مِنْهُ ذكره مَحل وفَاق
قَوْله وَتجوز شَهَادَة الْأَعْمَى فِي المسموعات
يجوز للأعمى تحمل الشَّهَادَة فِيمَا طَرِيقه الصَّوْت كالنسب وَالْمَوْت وَالْملك الْمُطلق وَالْوَقْف وَالْعِتْق وَالْوَلَاء وَسَائِر الْعُقُود كَالنِّكَاحِ وَالْبيع وَالصُّلْح وَالْإِجَارَة وَالْإِقْرَار نَص عَلَيْهِ فِي رِوَايَة مهنا فَقَالَ تجوز شَهَادَة الْأَعْمَى فِي نسب الرجل إِذا عرف أَنه فلَان وَتجوز فِي النِّكَاح شَهَادَة مكفوفين وَلَا تجوز شَهَادَة أعمى فِي الزِّنَا وَلذَلِك نقل الْأَثْرَم عَنهُ قَالَ إِذا كَانَ شَيْئا يضبطه مثله فِي النّسَب وَمَا أشبهه وَدَار قد عرف حُدُودهَا قبل عماه فَإِن كَانَ أعمى لم يزل فعلى مَا يشبه أَن يقوم بِهِ مثله ذكره القَاضِي وَهُوَ معنى كَلَام غَيره وَهُوَ قَول مَالك وَابْن الْمُنْذر وروى عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس قَالَ أَحْمد فِي رِوَايَة مهنا قد أجَاز على شَهَادَة أعمى يرْوى من حَدِيث أبي عوَانَة عَن الْأسود بن قيس أَن عليا أجَاز شَهَادَة أعمى وَاحْتج فِي الرِّوَايَة مُحَمَّد بن الحكم بالذين سمعُوا من عوانه مثل الْأسود وَغَيره وَهَذَا أعظم لِأَنَّهُ يُؤْخَذ بِهِ وَيعْمل بِهِ وَيحكم لِأَنَّهُ يحصل لَهُ الْعلم بذلك وَتجوز رِوَايَته بِالسَّمَاعِ واستماعه لزوجته فجازت شَهَادَته كالبصير وَهَذَا بِخِلَاف مَا طَرِيقه الرُّؤْيَة لِأَنَّهُ لَا رُؤْيَة لَهُ وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا تقبل فِي شئ أصلا مَعَ تَسْلِيمه أَن النِّكَاح ينْعَقد بِشَهَادَة أعميين قَالَ الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة مهنا شهد قَتَادَة عِنْد إِيَاس بن مُعَاوِيَة وَهُوَ أعمى فَرد شَهَادَته وَقَالَ الشَّافِعِي تقبل فِي ثَلَاث مَوَاضِع أَحدهَا مَا طَرِيقه الاستفاضة كالنسب
[ ٢ / ٢٨٨ ]
وَالْمَوْت وَالنِّكَاح وَنَحْوه وَالثَّانِي الضَّبْط وَهُوَ أَن يتَعَلَّق بِإِنْسَان فَيسمع إِقْرَاره فَيجوز أَن يشْهد عَلَيْهِ الثَّالِث فِي التَّرْجَمَة
قَوْله وَبِمَا رَآهُ قبل عماه إِذا عرف الْفَاعِل باسمه وَنسبه
وَبِه قَالَ الشَّافِعِي لما تقدم ولحدوث الصمم وروى الْخلال عَن إِسْمَاعِيل بن سعيد سَأَلت الإِمَام أَحْمد عَن شَهَادَة الْأَعْمَى فِيمَا قد عرفه قبل أَن يعمى فَقَالَ جَائِز فِي كل مَا ظَنّه مثل النّسَب وَلَا تجوز فِي الْحُدُود وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا تجوز أصلا وَذكر أَحْمد عَن أَصْحَاب أبي حنيفَة الْجَوَاز فِي هَذِه الْمَسْأَلَة
قَوْله فَإِن لم يعرفهُ إِلَّا بِعَيْنِه فوصفه فَوَجْهَانِ
من الْأَصْحَاب من يُعِيد هَذَا إِلَى الْمَسْأَلَة الْأَخِيرَة قَالَ القَاضِي فَإِن تحمل الشَّهَادَة على الآفعال ثمَّ آداها وَهُوَ أعمى جَازَ سَوَاء كَانَ على الِاسْم وَالنّسب أَو على الْأَعْيَان دون الِاسْم وَالنّسب على ظَاهر مَا رَوَاهُ الْأَثْرَم عَنهُ
وَقَوله إِذا كَانَ شَيْئا يضبطه وَقد عرفه قبل عماه
قَالَ وَقَالَ أَصْحَاب الشَّافِعِي إِن كَانَ قد تحملهَا على الِاسْم وَالنّسب جَازَ وَجها وَاحِدًا وَإِن كَانَ على الْأَعْيَان فعلى وَجْهَيْن
وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا بعد أَن ذكر هذَيْن الْوَجْهَيْنِ وَكَذَا قيل إِن عرفه بِصَوْتِهِ فوصفه للْحَاكِم بِمَا يميزه فِيهِ الْوَجْهَانِ وَوجه الْجَوَاز عُمُوم مَا تقدم وَوجه عَدمه أَن هَذَا مِمَّا لَا يَنْضَبِط غَالِبا