قَالَ القَاضِي فِي التَّعْلِيق ضمن مَسْأَلَة النّكُول الْإِنْسَان لَا يكون مُخَيّرا بَين أَن يقر وَبَين أَن لَا يقر لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون الْحق عَلَيْهِ فَلَا يَسعهُ أَن لَا يقر أَولا يكون عَلَيْهِ فَلَا يَسعهُ أَن يقر لِأَنَّهُ كَاذِب
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فَأَما إِذا كَانَ الْإِنْسَان بِبَلَد سُلْطَان ظَالِم أَو قطاع طَرِيق وَنَحْوهم من الظلمَة فخاف أَو يُؤْخَذ مَاله أَو المَال الَّذِي يتْركهُ لوَارِثه أَو المَال الَّذِي بِيَدِهِ للنَّاس إِمَّا بِحجَّة أَنه ميت لَا وَارِث لَهُ أَو بِحجَّة أَنه مَال غَائِب أَو بِلَا حجَّة أصلا فَهَل للْإنْسَان أَن يقر إِقْرَارا يدْفع بِهِ ذَلِك الظُّلم ويحتفظ المَال لصَاحبه مثل أَن يَقُول لحاضر إِنَّه ابْنه أَو يقر أَن لَهُ عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا أَو يقْرَأ أَن المَال الَّذِي بِيَدِهِ لفُلَان فَإِن ظَاهر هَذَا الْإِقْرَار يتَضَمَّن مفسدتين إِحْدَاهمَا الْكَذِب وَالثَّانيَِة صرف المَال إِلَى من لَا يسْتَحقّهُ عَمَّن يسْتَحقّهُ وَهَذَا إِقْرَار تلجئه
أما الأول فَيَنْبَغِي أَن يكون كالتعريض فِي الْيَمين فَيجوز لَهُ أَن يتَأَوَّل فِي إِقْرَاره بِأَن يَعْنِي بقوله ابْني كَونه صَغِيرا وَبِقَوْلِهِ أخي أخوة الْإِسْلَام وَأَن المَال الَّذِي بيَدي لَهُ أَي لَهُ ولَايَة قَبضه لكوني قد وكلته فِي إيصاله إِلَى مُسْتَحقّه وَإِن لَهُ فِي ذِمَّتِي عشرَة آلَاف دِرْهَم أَي لَهُ فِي عهدتي أَي يسْتَحق فِيمَا عهِدت إِلَيْهِ قبض ذَلِك وَنَحْو ذَلِك فَإِن النَّبِي كَانَ مَعَ أبي بكر وَأقر أَنه أَخُوهُ وَحلف على ذَلِك وَكَذَلِكَ إِبْرَاهِيم ﵇ أقرّ على زَوجته أَنَّهَا أُخْته وَكَذَلِكَ النَّبِي ﷺ أقرّ أَنهم من مَاء
[ ٢ / ٣٦٤ ]
وَأما الثَّانِيَة فَلَا يجوز ذَلِك إِلَّا إِذا أَزَال هَذِه الْمفْسدَة بِأَن يكون الْمقر أَمينا حَقًا وَالِاحْتِيَاط أَن يشْهد على الْمقر لَهُ أَن هَذَا إِقْرَار تلجئة تَفْسِيره كَذَا وَكَذَا
وَيَنْبَغِي أَن يكون التَّعْرِيض فِي الشَّهَادَة إِذا خَافَ الشَّاهِد من إِظْهَار الْبَاطِن ظلم الْمَشْهُود عَلَيْهِ كَذَلِك بِأَن يستنطق الشَّهَادَة وَلَا يُمكن كتمانها وَكَذَلِكَ التَّعْرِيض فِي الحكم إِذا خَافَ الْحَاكِم من إِظْهَار الْأَمر وُقُوع الظُّلم وَكَذَلِكَ التَّعْرِيض فِي الْفَتْوَى وَالرِّوَايَة وَالْإِقْرَار وَالشَّهَادَة وَالْحكم وَالْفَتْوَى وَالرِّوَايَة يَنْبَغِي أَن يكون كاليمين بل الْيَمين خبر وَزِيَادَة
قَوْله وَلَا يَصح الْإِقْرَار من غير مُكَلّف مُخْتَار
لِأَن الْقَلَم مَرْفُوع عَنهُ بِنَصّ الحَدِيث الْمَشْهُور وكبيعه وَغَيره
وَقَوله مُخْتَار لما تقدم وَلِأَنَّهُ عفى عَن الْمُكْره بِنَصّ الْخَبَر الْمَشْهُور
وَقَالَ الْخلال من تقدم إِلَى الْحَاكِم فدهش فَأقر ثمَّ أنكر قَالَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم سُئِلَ الإِمَام أَحْمد عَن الرجل يقدم إِلَى السُّلْطَان بِحَق لرجل عَلَيْهِ فيمدده السُّلْطَان فيدهش فَيقر لَهُ ثمَّ يرجع بعد مَا أقرّ بِهِ فَيَقُول هددني ودهشت للسُّلْطَان أَن يَأْخُذهُ بِمَا أقرّ بِهِ أَو يستثبت وَهُوَ رُبمَا علم أَنه أقرّ بتهديده إِيَّاه قَالَ أَبُو عبد الله يُؤْخَذ بِإِقْرَارِهِ الأول
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين السُّلْطَان هُوَ الْحَاكِم كَمَا ترْجم الْخلال والتهديد من الْحَاكِم إِنَّمَا يكون على أَن يَقُول الْحق لَا على أَن يقر مثل أَن يَقُول اعْترف بِالْحَقِّ أَو أَن كذبت عزرتك أَو إِن تبين لي كَذبك أدبتك فيهدده على الْكَذِب
[ ٢ / ٣٦٥ ]
والكتمان ويأمره بِالصّدقِ وَالْبَيَان فَإِن هَذَا حسن فَأَما أَن كَانَ التهديد على نفس الْإِقْرَار فَهَذَا أَمر بِمَا يجوز أَن يكون حَقًا وباطلا ومحرما فَالْأَمْر بِهِ حرَام والتهديد عَلَيْهِ أحرم وَهُوَ مَسْأَلَة الْإِكْرَاه على الْإِقْرَار فَفرق بَين أَن يكرههُ على قَول الْحق مُطلقًا أَو على الْإِقْرَار انْتهى كَلَامه
قَوْله إِلَّا من الصَّبِي الْمَأْذُون لَهُ فَيصح فِي قدر مَا أذن لَهُ فِيهِ إِذا صححنا تصرفه بِالْإِذْنِ
أما قَوْله إِذا صححنا تصرفه بِالْإِذْنِ فقيد وَاضح لِأَنَّهُ إِذا لم يَصح تصرفه بِالْإِذْنِ فوجود الْإِذْن كَعَدَمِهِ لعدم فَائِدَته وَكَذَا مَا زَاده فِي الرِّعَايَة مَعَ اتِّفَاق الدّين واختلافه
وَأما صِحَة إِقْرَاره فِيمَا أذن لَهُ فِيهِ فَهُوَ الْمَذْهَب كَمَا قطع بِهِ هُنَا وَقطع بِهِ غَيره وَلَو كَانَ فِي الْمُحَرر زَاد نَص عَلَيْهِ كَانَ أولى وَهُوَ نَص مَشْهُور قَالَ الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة مهنا فِي إِقْرَار الْيَتِيم يجوز إِقْرَاره بِقدر مَا أذن لَهُ الْوَصِيّ فِي التِّجَارَة وَهُوَ قَول أبي حنيفَة كَالْبَالِغِ وَالْفرق بالتكليف لَا أثر لَهُ وَقَالَ أَبُو بكر وَابْن أبي مُوسَى إِنَّمَا يَصح إِقْرَاره فِيمَا أذن لَهُ فِي التِّجَارَة فِيهِ فِي الشَّيْء الْيَسِير يتَسَامَح بِهِ كَمَا صَحَّ تصرفه فِيهِ بِدُونِ إِذْنه أَن نقُول لَا يَصح إِقْرَاره مُطلقًا كَقَوْل مَالك وَالشَّافِعِيّ
وَظَاهر مَا رَوَاهُ الْأَثْرَم عَن الإِمَام أَحْمد فِي ابْن أَربع عشرَة سنة كَانَ أَجِيرا مَعَ رجل فقد أستاذه شَيْئا فَأقر الْغُلَام أَنه أَخذه ثمَّ انكره فَقَالَ لَا يجب عَلَيْهِ إِقْرَاره حَتَّى يَأْتِي أحد الْحُدُود الانبات أَو الِاحْتِلَام أَو خَمْسَة عشر سنة
وَقَالَ القَاضِي فِي التَّعْلِيق وَهَذَا مَحْمُول على أَنه غير مَأْذُون لَهُ فِي التِّجَارَة
[ ٢ / ٣٦٦ ]
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ظَاهر كَلَام الإِمَام أَحْمد أَنه إِذا أَتَى عَلَيْهِ الْحُدُود صَحَّ إِقْرَاره بِمثل هَذَا وَإِن لم يكن رشيدا وَهُوَ ظَاهر كَلَام الْجد
لَكِن قد يُقَال يقبل فِي الْحُدُود لَا فِي الْأَمْوَال فتقطع يَده وَلَا يغرم كَالْعَبْدِ انْتهى كَلَامه
وَالْمَشْهُور صِحَة إِقْرَار السَّفِيه بِمَال وَيتبع بِهِ بعد فك الْحجر