قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين إِذا تعقب الِاسْتِثْنَاء اسْما مثل لَهُ هَذَا الذَّهَب وَهَذِه الدَّنَانِير وَهَذَا الْبر إِلَّا مِثْقَالا فالمنقول عَن مَالك وَالشَّافِعِيّ وأصحابنا عودة إِلَى الْجَمِيع وَقَالَ أَبُو حنيفَة يخْتَص بِالْجُمْلَةِ الْأَخِيرَة وَبَعْضهمْ يعبر عَن هَذِه بِأَن الِاسْتِثْنَاء تعقب جملا وَهِي الْمَسْأَلَة الْأُصُولِيَّة ويجعلون الْأَسْمَاء المفردة دَاخِلَة فِي مُسَمّى الْجمل وهم لَا يُرِيدُونَ بِالْجُمْلَةِ الْكَلَام التَّام كَمَا هُوَ عِنْد النُّحَاة وَإِنَّمَا يعنون بهَا الْعدَد الْمُجْتَمع سَوَاء كَانَ أَسمَاء مجتمعة مفيدة أَو أَسمَاء دَالَّة على معَان وفيهَا لِأَصْحَابِنَا وَجْهَان انْتهى كَلَامه
فصل
الِاسْتِثْنَاء من الْإِثْبَات نفي وَمن النَّفْي إِثْبَات عندنَا وَعند الْجُمْهُور
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الِاسْتِثْنَاء من الْإِثْبَات نفي أَو فِي حكم النَّفْي فَإِنَّهُ إِذا قَالَ لَهُ عَليّ عشرَة إِلَّا دِرْهَمَيْنِ فإمَّا أَن يكون مُنْكرا للدرهمين أَو ساكتا عَن الْإِقْرَار بهما فَلَا يلْزمه بالِاتِّفَاقِ
فَأَما الِاسْتِثْنَاء من النَّفْي فِي الْعدَد فَقَالَ أَبُو بكر بن السراج النَّحْوِيّ فِي الْأُصُول إِذا قلت مَاله عِنْدِي مائَة إِلَّا دِرْهَمَيْنِ فَإِن أردْت الْإِقْرَار بِمَا بعد إِلَّا رفعته على الْبَدَل كَأَنَّك قلت مَاله عِنْدِي إِلَّا دِرْهَمَانِ وَإِذا نصبت فَقلت مَا لَهُ عِنْدِي مائَة إِلَّا دِرْهَمَيْنِ فَمَا أَقرَرت بِشَيْء لِأَن عِنْدِي لم ترفع شَيْئا حَتَّى يثبت عنْدك وكأنك قلت مَاله عِنْدِي ثَمَانِيَة وَتسْعُونَ وَكَذَلِكَ إِذا قلت مَاله على عشرَة إِلَّا درهما لم يكن مقرا بِشَيْء فاذا قلت إِلَّا دِرْهَم فَأَنت مقرّ بدرهم
[ ٢ / ٤٦٢ ]
قَالَ ابْن الرُّومِي فِي تَوْجِيه ذَلِك فِي شرح الْأُصُول إِن النَّفْي دخل على الْإِيجَاب فانه إِذا قَالَ لَهُ عِنْدِي مائَة إِلَّا دِرْهَمَيْنِ اعْترف بِثمَانِيَة وَتِسْعين فَإِذا أدخلت النَّفْي على هَذَا فكأنك قلت مَاله عِنْدِي ثَمَانِيَة وَتسْعُونَ فَأتيت بِالِاسْتِثْنَاءِ تحكى صُورَة الْإِيجَاب إِلَّا أَنه اسْتثِْنَاء من نفي
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وعَلى هَذَا فَمن نصب فِي الِاسْتِثْنَاء من النَّفْي لَا يكون مثبتا للمستثنى وَمن لافع يكون مثبتا وَكَأن الناصب جَاءَ بِكَلَامِهِ النَّافِي ردا على من أثبت والرافع ابْتِدَاء وعَلى هَذَا فَيكون قَوْله تَعَالَى (٤٦٦) مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم على هَذِه الْقِرَاءَة فِي قُوَّة مَا فعله أَكْثَرهم وَقَالَ بَعضهم هَذَا الَّذِي قَالَه ابْن السراج إِنَّمَا هُوَ على لُغَة من يرفع المستثني من النَّفْي فَإِذا نصب فَيكون قد نطق بِكَلَام غير عَرَبِيّ فَيلْغُو وَأما على لُغَة من يجوز النصب فَيكون مقرا وَهُوَ حسن انْتهى كَلَامه وَهُوَ وَاضح فَلَو قَالَ نحوى مَاله عِنْدِي عشرَة إِلَّا درهما وَرفع إِلَى حَاكم حكم عَلَيْهِ إِن رَآهُ إِقْرَارا وَإِلَّا كَسَائِر مسَائِل الْخلاف فَلَو كَانَ الْمقر لَهُ يعْتَقد أَن هَذَا لَيْسَ إِقْرَارا فَهَل ينفذ الحكم ويسوغ الْأَخْذ يَنْبَغِي أَن يخرج على مَا إِذا حكم حَنَفِيّ بشفعة الْجوَار لمن يعْتَقد خِلَافه وفيهَا وَجْهَان لنا وللشافعية مَعَ أَن هَذَا يدْخل فِيمَا حَكَاهُ صَاحب الْمُحَرر من الرِّوَايَتَيْنِ كَمَا تقدم
فَلَو ادّعى الْمقر أَنه قصد أَن يحْكى صُورَة الْإِيجَاب لَا الْإِقْرَار فَهَل يقبل مِنْهُ مَحل تردد لتردد النّظر فِي مُخَالفَته للظَّاهِر أما الْجَاهِل بِالْعَرَبِيَّةِ فَيتَوَجَّه فِيهِ القَوْل الْمُتَقَدّم وَهُوَ مؤاخذته بلغته وعرفه