لَا يَجُوزُ تَأْخِيْرُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ عَنْ وَقْتِ وُجُوبِهَا مَعَ القُدْرَةِ عَلَى الإِخْرَاجِ، فَإِنْ تَلَفَ المَالُ قَبْلَ إمْكَانِ الإِخْرَاجِ وبَعْدَ حُلُولِ الحَوْلِ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ. فَإِنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ جَاحِدًا لِوُجُوبِهَا كُفِّرَ وأُخِذَتْ مِنْهُ وقُتِلَ (^٥)، وإِنْ مَنَعَهَا بُخْلًا بِهَا وقَدَرَ الإِمَامُ عَلَى أَخْذِهَا أَخَذَهَا مِنْهُ وعَزَّرَهُ، وإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَخْذِهَا إِمَّا بِأَنْ يُقَاتِلَهُ أَوْ يُغَيِّبَ المَالَ أَمَرَهُ بِإِخْرَاجِهَا، وَاسْتُتِيْبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ تَابَ وأَخْرَجَ وإِلاَّ قُتِلَ وأُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ، وكَذَلِكَ يُسْتَتَابُ مَنْ تَرَكَ الصِّيَامَ (^٦) والحَجَّ تَهَاوُنًا ثَلَاثًا، فَإِنْ تَابَ وإلاَّ قُتِلَ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا (^٧): إنَّهُ إذا امْتَنَعَ وَقَاتَلَ الإِمَامَ عَلَى الزَّكَاةِ كُفِّرَ، وإِذَا غَلَّ مَالَهُ
_________________
(١) الأقِط والإقْط والأَقْط والأُقْط: شيء يتخذ من اللبن المخيض يطبخ، ثمّ يترك حتّى يمصل، ثمّ يؤكل جافًا. انظر: اللسان ٧/ ٢٥٧ (أقط)، وشرح الزركشي ١/ ٦٦٩.
(٢) نقل حنبل: أنه إذا أخرج الأقط أجزأه؛ لأنّه منصوص عليه، ونقل ابن مشيش: إذا لم يجد التمر فأقط، فظاهر هذا أنّه لا يجوز إخراجه مع وجود غيره، وهو اختيار الخرقي. الرّوايتين والوجهين ٤٤/ ب، وانظر: الشرح الكبير ٢/ ٦٦٤، وشرح الزركشي ١/ ٦٦٨.
(٣) انظر: الشرح الكبير ٢/ ٦٦٥.
(٤) انظر: الشرح الكبير ٢/ ٦٦٥.
(٥) اختلفت الرواية عن أحمد فيمن اعتقد وجوب الزكاة وامتنع من إخراجها وقاتل عليها، فإنه لا يورث ولا يصلى عليه، وإن منعها بخلًا أو تهاونًا لم يقاتل ولم يحارب على المنع، ورث ويصلى عليه. انظر: الروايتين والوجهين ٣٨/ أ.
(٦) نقل الأثرم فيمن ترك صوم رمضان هو مثل تارك الصلاة، فقال: الصّلاة آكد ليس هي كغيرها، فقيل له: تارك الزكاة، فقال: قد جاء عن عبد الله بن مسعود: «ما تارك الزكاة بمسلم». الروايتين والوجهين ٣٨/ ب.
(٧) وهو ما تدل عليه رواية الميموني عن الإمام أحمد. انظر: المغني ٢/ ٤٣٧.
[ ١٤٤ ]
وَهُوَ أنْ يَكْتُمَهُ (^١) حَتَّى لَا يَأْخُذَ الإِمَامُ زَكَاتَهُ، فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِتَحْرِيْمِ ذَلِكَ؛ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بالإِسْلَامِ عُرِّفَ ذَلِكَ، وإِنْ كَانَ عَالِمًا بالتَّحْرِيْمِ عَزَّرَهُ الإِمَامُ وأَخَذَهَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ (^٢)، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَأْخُذُهَا وشطْرَ مَالَهُ (^٣).
وإِذَا طَالَبَهُ السَّاعِي بالزَّكَاةِ، فَقَالَ: مَا حَالَ عَلَى المَالِ الحَوْلُ، أَوْ لَمْ يَتِمَّ النِّصَابُ إلاَّ مُنْذُ شَهْرٍ، أو هَذَا المَالُ في يَدِي وَدِيْعَةً إلى أَمْسِنَا اشْتَرَيْتُهُ، أو قَالَ /٧٢ ظ/: قَدْ بِعْتُهُ في بَعْضِ الحَوْلِ وعُدْتُ اشْتَرَيْتُهُ، وما أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ يَمِيْنٍ، نَصَّ عَلَيْهِ في رِوَايَةِ صَالِحٍ، وابنِ مَنْصُوْرٍ.
والنِّيَّةُ شَرْطٌ في أَدَاءِ الزَّكَاةِ (^٤) فَيَجِبُ أَنْ يَنْوِيَ أنَّهَا زَكَاةُ مَالِهِ، أو زَكَاةُ مَنْ تُخْرَجُ عَنْهُ كالصَّبِيِّ والمَجْنُوْنِ، والأَوْلَى أنْ يُقَارِنَ النِّيَّةَ حَالَ الدَّفْعِ، فَإِنْ تَقَدَّمَتْ عَلَى حَالَ الدَّفْعِ بالزَّمَانِ اليَسِيْرِ جَازَ، وَإِذَا دَفَعَ المَالَ إلى وَكِيْلِهِ، فَإِنْ نَوَيَا مَعًا أنَّهَا زَكَاةٌ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِيَا لَمْ يَجُزْ، وإن نوى رب المال وَلَمْ ينوِ الوكيل جاز وإن نوى الوكيل وَلَمْ ينو رب المال لَمْ يَجُزْ وإِذَا دَفَعَهَا إلى الإِمَامِ ونَوَاهَا، وَلَمْ يَنْوِ الإِمَامُ جَازَ، وإِنْ نَوَى الإِمَامُ وَلَمْ يَنْوِ رَبُ المَالِ، فَقَالَ شَيْخُنَا: يُجْزِي، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الخِرَقِيِّ (^٥)، وعِنْدِي أنَّهُ لَا يُجْزِي (^٦)؛ لأنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُوْنَ الإِمَامُ وكِيْلَهُ، أو وَكِيْلَ الفُقَرَاءِ، ووَكِيْلُ أَيُّهُمَا كَانَ لَا تَجْزِي نِيَّتُهُ عَنْ نِيَّةِ رَبِّ المَالِ (^٧).
وَإِذَا دَفَعَ زَكَاتَهُ اسْتُحِبَّ لَهُ أنْ يَقُوْلَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مَغْنَمًا ولَا تَجْعَلْهَا مَغْرَمًا (^٨).
_________________
(١) في الأصل: «كتمه»، وما أثبتناه أوفق للسياق.
(٢) نقل محمّد بن الحكم عن الإمام أحمد: أنه لا يؤخذ منه زيادة على الصدقة الواجبة؛ لأنّه منع أداء حق وجب عليه فلم يلزمه زيادة عليه كما لو امتنع من الصّلاة ثمّ فعلها أو من الصيام أو من حقوق الآدميين. انظر: الروايتين والوجهين ٣٨/ ب.
(٣) انظر: الروايتين والوجهين ٣٨/ ب.
(٤) لأن الزكاة عبادة تفتقر إلى النية كالصلاة والصيام. انظر: شرح الزركشي ١/ ٦٠٨.
(٥) وقد جعل الزركشي اختيار الخرقي على وجه آخر، وهو أن نية الإمام تجزي إن أخذها قهرًا، ولا تجزي إن أخذها طوعًا؛ فتكون المسألة على ثلاثة وجوه. انظر: شرح الزركشي ١/ ٦٠٩.
(٦) وهو اختيار ابن عقيل، وأبي عبّاسٍ. انظر: شرح الزركشي ١/ ٦٠٩.
(٧) من قوله: «لأنه لا يخلو … رب المال» مكرر في الأصل.
(٨) ورد في هذا اللفظ حديث للنبي ﷺ: «إذا أعطيتم الزكاة فلا تنسوا ثوابها، أن تقولوا: اللهمّ اجعلها مغنمًا ولا تجعلها مغرمًا». الحديث أخرجه ابن ماجه (١٧٩٧) من حديث أبي هريرة، والحديث ضعيف جدًا؛ لضعف البختري بن عبيد، لكن ثبت عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «اللهمّ صلّ على آل أبي أوفى»، عندما جاءه عبد الله بن أبي أوفى بصدقة. والحديث أخرجه أحمد ٤/ ٣٥٣ و٣٥٤ و٣٥٥ و٣٨١ و٣٨٣، والبخاري ٢/ ١٥٩ (١٤٩٧) و٨/ ٩٠ (٦٣٣٢) و٩٥ (٦٣٥٩)، ومسلم ٣/ ١٢١ (١٠٧٨) (١٧٦)، وأبو داود (١٥٩٠)، والنسائي ٥/ ٣١، وابن خزيمة (٢٣٤٥) من حديث عبد الله بن أبي أوفى. فيكون المأثور الدعاء من الإمام أو نائبه أو من تدفع إليه. والله أعلم.
[ ١٤٥ ]
ويَقُولُ الآخِذُ: آجَرَكَ اللهُ فِيْمَا أَعْطَيْتَ، وبَارَكَ لَكَ فِيْمَا أَبْقَيْتَ، وَجَعَلَهُ لَكَ طَهُوْرًا (^١).
وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ أُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ، فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ دَيْنُ آدَمِيٍّ وَلَمْ تَفِ التَّرِكَةُ اقْتَسَمُوا بالحِصَصِ نَصَّ عَلَيْهِ في رِوَايَةِ ابنِ القَاسِمِ. ويَجُوزُ تَقْدِيْمُ الزَّكَاةِ عَلَى الحَوْلِ إِذَا كَمَّلَ النِّصَابَ، ولَا يَجُوزُ تَقْدِيْمِهَا لأَكْثَرَ مِنْ حَوْلٍ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (^٢)، والأُخْرَى يَجُوزُ.
وإِذَا عَجَّلَهَا فَتَمَّ الحَوْلُ والنِّصَابُ نَاقِصٌ مِقْدَارَ مَا عَجَّلَ أَجْزَأَتْهُ زَكَاتُهُ (^٣)، وإِذَا مَلَكَ مِئَتَيْنِ مِنَ الغَنَمِ، فَجَعَلَ زَكَاتَهَا شَاتَيْنِ، ثُمَّ تَمَّ الحَوْلُ وَقَدْ نَتَجَتْ سَخْلَةً، لَزِمَهُ إِخْرَاجُ شَاةٍ ثَالِثَةٍ (^٤).
وَإِذَا عَجَّلَ زَكَاةَ مَالِهِ، ثُمَّ هَلَكَ المَالُ قَبْلَ الحَوْلِ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى المَسَاكِيْنِ في قَوْلِ أبي بَكْرٍ وشَيْخِنَا أَبُو (^٥) يَعْلَى (^٦)، ولَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُعْلِمَهُ أَنَّهَا زَكَاتُهُ أَوْ يُطْلِقَ، وَقَالَ ابنُ حَامِدٍ: لَهُ أَنْ يُرَجِّعَ (^٧)، فَإِنْ عَجَّلَهَا إلى فَقِيْرٍ فَاسْتَغْنَى أَوْ مَاتَ أَو ارْتَدَّ قَبْلَ تَمَامِ الحَوْلِ، وتَمَّ الحَوْلُ أَجْزَأَتْ عَنِ المُزَكِّي، وإِذَا تَسَلَّفَ الإِمَامُ الزَّكَاةَ فَهَلَكَتْ في يَدِهِ
_________________
(١) لم يثبت هذا الدعاء عن النبي ﷺ أو عن أحد من أصحابه، وقد أثبت المصنف له الاستحباب، والاستحباب حكم فلا يثبت إلا بدليل، فيكون هذا من باب الدعاء المطلق ولا تقييد به أو بغيره.
(٢) انظر: المغني ٢/ ٥٠١، وقيدها أبو البركات، وابن الزاغواني بعامين. انظر: شرح الزركشي ١/ ٦٠٧.
(٣) فإن ما عجّله له حكم الوجود في ملكه فيتم النصاب به. المغني ٢/ ٥٠٢.
(٤) وبهذا قال الشافعي؛ لأن المعجل في حكم الموجود في إجزائه عن زكاة ماله، فكان له حكم الموجود في تعلق الزكاة به. وقال الحنفية: لا يلزمه شيء؛ لأن من أركان وجوب الزكاة استقرار الملك، وما عجله خارج عن ملكه فلم يعتبر في إكمال النصاب الّذي نقص بتعجيله. … = = انظر: مختصر المزني: ٤٥، والحاوي الكبير ٤/ ١٤٦ - ١٤٧، والاختيار: ١٠٣، وبدائع الصنائع ٢/ ٥١، والمغني ٢/ ٥٠٣.
(٥) كذا في الأصل، والجادة: «أبي» إلاّ أن يكون على مذهب من يرى الحكاية.
(٦) انظر: المغني ٢/ ٥٠٤.
(٧) قال في المغني ٢/ ٥٠٤: «قال أبو عبد الله بن حامد: إن كان الدافع لها الساعي استرجعها بكل حال، وإن كان الدافع رب المال وأعلمه أنها زكاة معجلة رجع بها، وإن أطلق لم يرجع». وانظر: المحرر ١/ ٢٢٥. فالذي يفهم من نقل المصنف عن ابن حامد: الإطلاق. في حين أن ابن حامد يستثني إذا دفعها رب المال ولم يعلمه أنها زكاة، فلا رجعة له. وعلى هذا فإن وجهًا ثالثًا يوجد في المذهب حكاه المجد في المحرر ١/ ٢٢٥ وهو الاسترداد مطلقًا.
[ ١٤٦ ]
لَمْ يَضْمَنْهَا، وكَانَتْ مِنْ ضَمَانِ الفُقَرَاءِ سَوَاءٌ كَانَ قَدْ سَأَلَهُ الفُقَرَاءُ ذَلِكَ، أو سَأَلَهُ رَبُّ المَالِ، أو لَمْ يَسْأَلْهُ الجَمِيْعَ؛ لأنَّ يَدَهُ كَيَدِ الفُقَرَاءِ.
وإِذَا كَانَ مَعَهُ نِصَابٌ فَعَجَّلَ زَكَاتَهُ وَزَكَاةَ ما يَسْتَفِيْدُهُ في الحَوْلِ، أَجْزَأَهُ عَنِ النِّصَابِ، وَلَمْ يُجْزِهِ عَنِ الزِّيَادَةِ (^١).
وإِذَا عَجَّلَ عُشْرَ الثَّمَرَةِ قَبْلَ خُرُوجِ الطَّلْعِ والحِصْرَمِ (^٢)، أو عُشْرَ الزَّرْعِ قَبْلَ نبات الزرع لَمْ يُجْزِهِ (^٣).
وإِذَا عَجَّلَ زَكَاتَهُ فَدَفَعَهَا إلى غَنِيٍّ فَافْتَقَرَ عِنْدَ الوُجُوبِ لَمْ يُجْزِهِ (^٤)، فَإِنْ دَفَعَهَا إليهِ ثُمَّ بَانَ أنَّهُ كَافِرٌ أو عَبْدٌ أو مِنْ ذَوِي القُرْبَى لَمْ يُجْزِهِ، رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ (^٥). فَإِنْ دَفَعَهَا إِلَيْهِ وَهُوَ يَظُنُّهُ فَقِيْرًا ثُمَّ عَلِمَ أنَّهُ غَنِيٌّ أَجْزَأَهُ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، والأُخْرَى: لَا يُجْزِيْهِ (^٦).
_________________
(١) لأن ما يدفعه زائدًا عن الواجب في نصابه، إنما هو عن المال الزائد على النصاب، وهو لم يملكه بعد، فأشبه إخراج الزكاة قبل ملك النّصاب. انظر: المغني ٢/ ٥٠٠.
(٢) الحصرم: هو أول العنب، ولا يزال العنب ما دام أخضر حصرمًا. اللسان ١٢/ ١٣٧ (حصرم).
(٣) لأنه تقديم للزكاة قبل وجود سببها. ونقل صاحب المغني عن المصنف: جواز إخراجها بعد وجود الطلع والحصرم ونبات الزرع، وإن كان قبل الإدراك؛ لأن وجود هذه الأشياء بمنزلة ملك النصاب، والإدراك بمنزلة الحلول، فجاز إخراج الزكاة عند تحقق أحد السببين. … = = وهذا القول من أبي الخطاب مخرج على أصل شيخه أبي يعلى، فإنه يرى: أن الزكاة تتعلق بسببين: النصاب والحول، فإذا وجد أحد السببين جاز التعجيل، ومفهوم كلامه أنه لا يجوز تعجيل الزكاة الّتي تتعلق بسبب واحد كزكاة الزروع والثمار؛ لأن تعلقها يكون بسبب واحد وهو الإدراك، لكنه قال: إن أخرجها بعد الإدراك وقبل جفاف الثمرة وتصفية الحب جاز. وانظر: المغني ٢/ ٥٠٣. وبهذا يكون في المذهب وجهان، أشار إليها المجد بن تيمية في المحرر ١/ ٢٢٥.
(٤) وإن كان العكس، بأن دفعها إلى فقير ثمّ اغتنى الفقير عند تمام الحول، أجزأه، فإن الأول لم يكن من أصحابها ابتداءً، وأما الثاني فإنه من أصحابها عند الإخراج، فتملكها بحقها، فإذا تغير حاله لم يكن للمزكي ارتجاعها. المغني ٢/ ٥٠٣.
(٥) لأنهم ليسوا بمستحقين مع أن حالهم لا تخفى عليه، وفارقت هذه المسألة المسألة التي يذكرها المصنف عقيب هذه المسألة، وهي: أن من دفع زكاته إلى شخص يظنه فقيرًا فبان أنه غني، فهي على روايتين؛ لأنّ الغنى والفقر ممّا يعسر الاطلاع عليه. وانظر: المغني ٢/ ٥٢٨.
(٦) قال أبو يعلى: «إذا دفع الزكاة إلى من ظاهره الفقر، فبان غنيًا، فنقل أبو طالب ومهنّا: لا ضمان عليه، ونقل المروزي: يضمنها. ولا تختلف الرّواية أنه إذا بان عبدًا أو كافرًا أو من ذوي القربى أنه يضمنها ولا تجزيه». وجه الأدلة - وهي الصحيحة - أن الغنى طريقه الظن والاجتهاد؛ لأن من الناس من يكون غنيًا في الظاهر فقيرًا في الباطن، ومنهم من يكون غنيًا في الباطن فقيرًا في الظاهر، فإذا تبين له خلاف ما ظنه حال الدفع، فقد انتقل من اجتهاد إلى اجتهاد، فلا يفسخ الاجتهاد الأول، كالحاكم إذا لاح له اجتهاد بعدما قضى بالاجتهاد. ويفارق هذا إذا دفع إلى عبد أو كافر أو مناسب أو هاشمي أنّه لا يجزيه؛ لأنّه انتقل من اجتهاده إلى قطع ويقين». الروايتين والوجهين ١٠٣/ أ.
[ ١٤٧ ]
ويَجُوزُ لِلإِنْسَانِ أنْ يَتَوَلَّى تَفْرِقَةَ الزَّكَاةِ بِنَفْسِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ كالمَوَاشِي والزُّرُوعِ وبَيْنَ البَاطِنَةِ كَالنَّاضِّ والتِّجَارَةِ والمَعْدَنِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ دَفْعِهَا إلى الإِمَامِ، نَصَّ عَلَيْهِ (^١) في رِوَايَةِ صَالِحٍ وَابْنِ مَنْصُورٍ، وعِنْدِي: أنَّ دَفْعَهَا إلى الإِمَامِ العَادِلِ أَفْضَلُ (^٢)؛ لأنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الخِلَافِ وتَزُوْلُ عَنْهُ التُّهْمَةُ.
ولَا يَجُوزُ (^٣) نَقْلُ الصَّدَقَةِ عَنْ بَلَدٍ إلى بَلَدٍ تُقْصَرُ فِيْمَا بَيْنَهُمَا الصَّلَاةُ (^٤)، فَإِنْ فَعَلَ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يُجْزِيْهِ، وَهِيَ اخْتِيَارُ ابنِ حَامِدٍ وشَيْخِنَا (^٥).
والأُخْرَى: تُجْزِيْهِ، وَهِيَ الصَّحِيْحَةُ عِنْدِي (^٦).
وإِذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةُ المَالِ في بَلَدِهِ، ومَالُهُ في بَلَدٍ آخَرَ، فَإِنَّهُ يُفَرِّقُهَا في بَلَدِ المَالِ، نَصَّ عَلَيْهِ (^٧). وإِنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةُ الفِطْرِ، ومَالُهُ في بَلَدٍ آخَرَ، فَرَّقَهَا في بَلَدِ بَدَنِهِ. وإِنْ حَالَ عَلَيْهِ الحَوْلُ ومَالُهُ بِبَادِيَةٍ فَرَّقَهَا عَلَى أَقْرَبِ البِلَادِ إِلَيْهِ.
وإِذَا حَصَلَ عِنْدَ الإِمَامِ مَاشِيَةٌ، فَالمُسْتَحَبُّ أنْ يَسِمَ الإِبِلَ والبَقَرَ في أُصُولِ أَفْخَاذِهَا، والغَنَمَ في آذَانِهَا، فَإِنْ كَانَتْ مِنَ الزَّكَاةِ كَتَبَ «زَكَاةً» أو «للهِ»، وإِنْ كَانَتْ مِنَ الجِزْيَةِ كَتَبَ «صَغَارًا» أو «جِزْيَةً».