وَكُلُّ إِنَاءٍ طَاهِرٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الأَثْمَانِ فَمُبَاحٌ اتِّخَاذُهُ واسْتِعْمَالُهُ، سَوَاءٌ كَانَ ثَمِيْنًا كَاليَاقُوْتِ والبَلُّوْرِ والعَقِيْقِ، أوْ غَيْرَ ثَمِيْنٍ كَالصُّفْرِ والرَّصَاصِ والْخَشَبِ.
فأمَّا آنِيَةُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ فَيَحْرُمُ اتِّخَاذُهُمَا واسْتِعْمَالُهُمَا، فَإنْ خَالَفَ وتَطَهَّرَ مِنْها، فَهَلْ تَصُحُّ طَهَارَتُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ (^٨).
_________________
(١) انظر: الروايتين والوجهين ٣ / أ.
(٢) «النَّجْس والنِّجْس والنَّجَس: القذر من الناس ومن كُلّ شيء قذرته». اللسان ٦/ ٢٢٦ (نجس).
(٣) القُلَّةُ: الجرَّة من الفخار يشربُ منها. والقلتان: مثنى قلة، وَهِيَ الحب العظيم، وَقِيلَ الجرة العظيمة، وَقِيلَ: الجرة عامة، وَقِيلَ الكوز العظيم. قَالَ أحمد بن حَنْبَل: قدر كُلّ قلة قربتان، قَالَ: وأخشى عَلَى القلتين من البول، فأما غَيْر البول فَلا ينجسه شيء. انظر: اللسان ١١/ ٥٦٥ (قلل)، والمعجم الوسيط ٢/ ٧٥٦، وسيأتي مقدارها بالرطل العراقي.
(٤) زيادة منا اقتضاها السياق.
(٥) في الأصل: «بقلتين»، وما أثبتناه هُوَ الصَّحِيح؛ لأن نون المثنى تحذف عِنْدَ الإضافة، ينظر: شرح المفصل ٣/ ٣٥.
(٦) ذكر صاحب المحرر ١/ ٢ رواية أخرى عن الإمام أحمد، فقال: «وعنه أنهما أربع مئة»، والرطل: اثنتا عَشْرَة أوقية بأواقي العرب، والأوقية: أربعون درهمًا، فذلك أربعمئةٍ وثمانون درهمًا. اللسان ١١/ ٢٨٥ - ٢٨٦ (رطل).
(٧) انظر: الروايتين والوجهين ٣ / ب.
(٨) لَمْ يذكر أبو يعلى الفراء في كتابه " الروايتين والوجهين "، الوجهين، وذكرها صاحب الشرح الكبير، قائلًا: «أحدهما: تصح طهارته، اختاره الخرقي، وَهُوَ قَوْل أَصْحَاب الرأي والشافعي وإسحاق وابن المنذر؛ لأن فعل الطهارة وماءها لا يتعلق بشيء من ذَلِكَ، أشبه الطهارة في الدار المغصوبة. والثاني: لا تصح اختاره أبو بَكْر؛ لأنه استعمل المحرم في العبادة فلم تصح، كَمَا لَوْ صلى في دار مغصوبة» الشرح الكبير بهامش المغني ١/ ٥٨ - ٥٩.
[ ٤٧ ]
ومَا ضُبِّبَ بالفِضَّةِ إنْ كانَ كَثِيرًا فَهوَ مُحَرَّمٌ بِكُلِّ حَالٍ، وكَذَلِكَ إنْ كَانَ يَسِيْرًا لِغَيْرِ حَاجَةٍ كَالْحَلقَةِ فِي الإنَاءِ ونَحْوِهَا، وإنْ كَانَ اليَسِّيرُ لِحَاجَةٍ كَشَعْبِ (^١) قَدَحٍ وَقَبِيْعَةِ (^٢)
سَيْفٍ (^٣) وَشَعِيْرَةِ سِكِّيْنٍ (^٤)، فإنَّ ذلكَ مُبَاحٌ غَيْرَ أنَّهُ يُكْرَهُ أنْ يُبَاشِرَ مَوْضِعَ الفِضَّةِ
بالاسْتِعْمَالِ، ويَسِيْرُ الذَّهَبِ مِثْلُ كَثِيْرِهِ فِي التَّحْرِيْمِ إلاَّ مِنْ ضَرُوْرَةٍ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ رَخَّصَ لِعَرْفَجَةَ بنِ أَسْعَدٍ (^٥) لَمَّا قُطِعَ أنْفُهُ أنْ يَتَّخِذَ أنْفًا مِنْ ذَهَبٍ (^٦).
_________________
(١) لِما رواه البخاري ٤/ ١٠١ (٣١٠٩) من حديث أنس قال: «إن قدح النبي انكسر، فاتَّخذ مكان الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِن فِضَّةٍ»، وفي النهاية ٢/ ٤٧٧: «أي: مكان الصدع والشق الذي فيه»، وشعب الصدع في الإناء إنما هُوَ إصلاحه وملاءمتهُ ونحو ذَلِكَ. اللسان ١/ ٢٨٥.
(٢) القبيعة: التي عَلَى رأس قائم السيف، وَهِيَ التي يدخل القائم فِيْهَا، وَقِيلَ: هِيَ تَحْتَ شاربي السيف، وَقِيلَ: قبيعة السيف رأسه الذي فِيهِ منتهى اليد إِليهِ، وَقِيلَ: قبيعته مَا كَانَ عَلَى طرف مقبضه من فضة أَوْ حديد. اللسان ٨/ ٢٥٩.
(٣) روى ابن سعد ١/ ٤٨٧، والدارمي (٢٤٦١)، وأبو داود (٢٥٨٣)، والترمذي (١٦٩١)، وحسَّنه من حديث أنس بن مالك قال: «كانت قبيعة سيف رسول الله ﷺ من فضة»، وانظر: نقد الحديث في تحقيقنا للشمائل: ٨١.
(٤) قال الجوهري في الصحاح ٢/ ٦٩٨: «شعيرة السكين: الحديدة التي تُدْخَل في السيلان؛ لتكون مِسَاكًا للنصلِ». وانظر: التاج ١٢/ ١٩٠، وَفِي اللسان ٤/ ٤١٥: «الشعيرة: هنة تصاغ من فضة أَوْ حديد عَلَى شكل الشعيرة تدخل في السيلان فتكون مساكًا لناصب السكين والنصل».
(٥) هو: عَرْفَجَةُ بنُ أسعد بنِ كَرب - بفتح الكاف وكسر الراء بعدها موحدة -: صحابيٌّ، نزل البصرة. التقريب (٤٥٥٤).
(٦) هذا الحديث اختلف فيه اختلافًا كثيرًا: فأخرجه علي بن الجعد (٣٢٦٤)، وابن أبي شيبة (٢٥٢٥٥)، وأحمد ٤/ ٣٤٢ و٥/ ٢٣، وأبو داود (٤٢٣٢)، وعبد الله بن أحمد في زياداته على المسند ٥/ ٢٣، وأبو يعلى (١٥٠١) و(١٥٠٢)، والطبراني في الكبير ١٧/ ٣٧١ من طريق عبد الرحمان بن طرفة بن عرفجة بن أسعد، أنّ جدّه عرفجة بن أسعد أصيب أنفه … مرسلًا، وهو المحفوظ، كما في تهذيب الكمال ١٧/ ١٩٢. وأخرجه أحمد ٥/ ٢٣، وأبو داود (٤٢٣٣)، والترمذي (١٧٧٠) وفي علله (٥٣٣)، وعبد الله بن أحمد في زياداته على المسند ٥/ ٢٣، والنسائي ٨/ ١٦٣ و١٦٤، والطحاوي في شرح المعاني ٤/ ٢٥٧ و٢٥٨، وابن حبان (٥٤٦٢)، والطبراني في الكبير ١٧/ (٣٦٩) و(٣٧٠)، والبيهقي ٢/ ٤٢٥ من طريق عبد الرحمان بن طرفة، عن عرفجة بن أسعد، قال: أصيب أنفي يوم الكلاب في الجاهلية … الحديث. وأخرجه عبد الله بن أحمد في زياداته على المسند ٥/ ٢٣، والبيهقي ٢/ ٤٢٥ من طريق عبد الرحمان بن طرفة بن عرفجة، عن أبيه، عن جده. وأخرجه أبو داود (٤٢٣٤)، والبيهقي ٢/ ٤٢٦ من طريق عبد الرحمان بن طرفة بن عرفجة بن أسعد، عن أبيه، أن عرفجة … فذكر معناه مرسلًا.
[ ٤٨ ]
وذَكَرَ أبو بَكْرٍ (^١) في " التَّنْبِيْهِ " أنَّهُ يُبَاحُ يَسِيْرُ الذَّهَبِ.
وَجَمِيْعُ الأوَانِي والآلاتِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ عِظَامِ الْمَيْتَةِ وَجُلُودِها نَجِسَةٌ في ظاهِرِ الْمَذْهَبِ، وأَوَانِي الكُفَّارِ - مَا لَمْ تُتَيَقَّنْ نَجَاسُتُها - طاهِرَةٌ مُبَاحَةُ الاسْتِعْمَالِ، وكَذلكَ ثِيَابُهُمْ وعنهُ الكَرَاهَةُ (^٢). ويُسْتَحَبُّ تَخْمِيْرُ الأَوَاني، فإنْ نَجسَ بَعْضُهَا واشْتَبَهَتْ عليهِ لَمْ يَتَحَرَّ على الصَّحِيْحِ مِنَ المذْهَبِ، بلْ يُرِيْقُهَا وَيَتَيَمَّمُ، وعنهُ [أنَّهُ] (^٣) يَجُوزُ التَّيَمُّمُ مِنْ غَيْرِ إرَاقَةٍ (^٤)، فإنْ كَانَ معهُ إناءانِ: ماءٌ طاهِرٌ، وماءٌ مُسْتَعْمَلٌ، أو ماءُ الشَّجَرِ وماءٌ مُطْلَقٌ، فإنَّهُ يَتَوَضَّأُ مِنْهُما ويُصَلِّي ولَا يَتَحَرَّ، وكذلكَ إذا كانَ مَعَهُ ثِيَابٌ بَعْضُها نَجِسٌ وَبَعْضُها طاهِرٌ واشْتَبَهَتْ عليهِ كَرَّرَ فِعْلَ الصَّلَاةِ الحاضِرَةِ في ثَوْبٍ بَعْدَ ثَوبٍ بعَددِ النَّجَسِ، وزَادَ صَلَاةً لِيَحْصُلَ لَهُ تأدِيَةُ فَرْضِهِ.