لَا يَجُوْزُ لِمَنْ أرَادَ قَضَاءَ الْحَاجَةِ اسْتِقْبَالُ القِبْلَةِ ولَا اسْتِدْبَارُها إذا كَانَ في الفَضَاءِ، وإنْ كانَ بينَ البُنْيَانِ جازَ لَهُ ذلِكَ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (^٦)، والأُخْرَى لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ في الموضعَينِ.
وإذا أرادَ دُخُولَ الخَلاءِ فإنْ كَانْ مَعَهُ ما فِيْهِ ذِكْرُ اللهِ تعالَى أَزَالَهُ (^٧)، ويُقَدِّمُ رِجْلَهُ اليُسْرَى في الدُّخُولِ، واليُمْنَى في الخُرُوجِ، ويَقُولُ عِندَ دُخُولِهِ: «بِسْمِ اللهِ (^٨)، أَعُوْذُ باللهِ
_________________
(١) هُوَ الإمام أبو بكر أحمد بن هارون الخلال، له تصانيف كثيرة الجامعة لعلوم الإمام أحمد، توفي سنة (٣١١ هـ)، ودفن ﵀ عِنْدَ رجلي أحمد ﵀. مختصر طبقات الحنابلة: ٢٨.
(٢) قال في المحرر ١/ ٧: «ولا بأس باستعمال آنية الكفَّار وثيابهم ما لم يتيقن نجاستها، وعنه الكراهة، وعنه المنع فيما ولي عوراتهم كالسراويل ونحوها، حتى يغسل دون ما علا».
(٣) زيادة منا اقتضاه السياق.
(٤) جاء في المحرر ١/ ٧: «وإذا اشتبه طهور بنجس تيمم وَلَمْ يتحر. وهل يلزمه إعدام الطهور بخلطٍ أَوْ إراقة أم لا؟ عَلَى روايتين إحداهما: لا يلزمه، وَهُوَ المذهب. وَقِيلَ: يتحري إذَا كَانَتْ أواني الطهور أكثر».
(٥) الاستطابة: سُمِّيَت استطابة من الطيب، تَقُوْل: فُلَان يطيب جسده مِمَّا علم من الخبث، أي: يطهره، والاستطابة: الاستنجاء، وَهُوَ مشتق من الطيب؛ لأنه يطيب جسده بِذَلِكَ. اللسان ١/ ٣٥٥.
(٦) انظر: الروايتين والوجهين ٧ / ب.
(٧) وذلك لأنه صحَّ أن نقش خاتم النبي ﷺ كان: محمد (سطر)، ورسول (سطر)، والله (سطر). صحيح البخاري ٤/ ١٠٠ (٣١٠٦) و٧/ ٢٠٣ (٥٨٧٨). وروي عن همام عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس: «أن النبي كان إذا دخل الخلاء نزع خاتمه». الشمائل: ٧٦، والمغني ١/ ١٥٨ - ١٥٩.
(٨) وذلك لما رواه ابن ماجه (٢٩٧)، والترمذي (٦٠٦)، والبغوي (١٨٧)، والمزي في تهذيب الكمال ٧/ ٩٠ من حديث علي بن أبي طالب مرفوعًا: «ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الخلاء، أن يقول: بسم الله». وسنده ليس بذاك القوي كما قال الترمذي لضعف محمد بن حميد الرازي. وله طرق أخرى من حديث أنس بن مالك أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة: ٢٠، والطبراني في الأوسط (٢٥٢٥) و(٧٠٦٢)، والحديثُ بَحَثَ طرقه بحثًا موسعًا العلاَّمة الألباني في إرواء الغليل ١/ ٨٧ - ٩٠، وانتهى فيه إلى تقوية الحديث فراجعه تجد فائدة.
[ ٤٩ ]
مِنَ الْخُبُثِ والْخَبائِثِ ومِنَ الرِّجْسِ النَّجِسِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ» (^١)، ولَا يَرْفَعُ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُو مِنَ الأرضِ (^٢)، ويَعْتَمِدُ علَى رِجلِهِ اليُسْرَى ويَنْصِبُ اليُمْنَى، ولَا يَتَكَلَّمُ فإنْ عَطَسَ حَمَدَ اللهَ بِقَلْبِهِ، وإذا انْقَطَعَ البَوْلُ مَسَحَ بيَدِهِ اليُسْرَى مِنْ أصْلِ الذَّكَرِ إلى رَأْسِهِ، ثُمَّ يَنْتِرُ (^٣) ذَكَرَهُ ثلاثًا، ولَا يُطِيْلُ المقَامَ إلاَّ بقَدَرِ الحاجَةِ، فإذا خَرَجَ، قالَ: «غُفْرَانَكَ (^٤)، الحمدُ للهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنِّي الأَذَى وعَافَانِي» (^٥)، وإذا كانَ في الفضاءِ أبْعَدَ واسْتَتَرَ عَنِ
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١، وأحمد ٣/ ٩٩ و١٠١ و٢٨٢، والدارمي (٦٧٥)، والبخاري ١/ ٤٨ (١٤٢) و٨/ ٨٨ (٦٣٢٢)، وفي الأدب المفرد (٦٩٢)، ومسلم ١/ ١٩٥ (٣٧٥) (١٢٢)، وأبو داود (٤) و(٥)، وابن ماجه (٢٩٨)، والترمذي (٥) و(٦)، والنسائي ١/ ٢٠، وفي الكبرى (١٩)، وفي عمل اليوم والليلة (٧٤)، وابن الجارود (٢٨)، وأبو عوانة ١/ ٢١٦، وابن حبان (١٤٠٧)، والبيهقي ١/ ٩٥، والبغوي (١٨٦)، من حديث أنس بن مالك، قال: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء، قال: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث».
(٢) روى الدارمي (٦٦٦)، وأبو داود (١٤)، والترمذي (١٤)، وفي علله الكبير (٨)، والبيهقي ١/ ٩٦ من حديث الأعمش عن أنس، قال: كان النبي ﷺ إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتَّى يدنو من الأرض. وروي نحوه عند أبي داود (١٤)، والترمذي (١٤)، والبيهقي ١/ ٩٦ من حديث الأعمش عن رجل، عن ابن عمر. قال الترمذي: «وكلا الحديثين مرسل».
(٣) روى ابن أبي شيبة ١/ ١٦١، وأحمد ٤/ ٣٤٧، وابن ماجه (٣٢٦) من طريق عيسى بن يزداد اليماني، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا بال أحدكم فلينتر ذَكَرَهُ ثلاث مرّات»، وإسناده ضعيف لإرساله؛ إذ لا تصح صحبة لوالد عيسى. والنتر: جذب فيه قوة وجفوة. النهاية ٥/ ١٢.
(٤) «غفرانك» وردت مكررة في الأصل، ولم ترد في شيء من روايات الحديث، ولا كتب المذهب؛ ولأن الناسخ لَمْ يضبب عَلَيْهَا وَلَمْ يصحح فوقها، نبهنا عَلَيْهَا فلعلها خطأ منه فآثرنا حذف التكرار.
(٥) الجزء الأول دليله ما أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٢، وأحمد ٦/ ١٥٥، والدارمي (٦٨٦)، والبخاري في الأدب المفرد (٦٩٣)، وأبو داود (٣٠)، وابن ماجه (٣٠٠)، والترمذي (٧)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٧٩)، وابن خزيمة (٩٠)، وابن الجارود (٤٢)، وابن حبان (١٤٤٤)، والحاكم ١/ ١٥٨، والبيهقي ١/ ٩٧، والبغوي (١٨٨) من حديث عائشة قالت: كان رسول الله إذا خرج من الخلاء قال: «غفرانك». قال الترمذي: «حسن غريب». والجزء الآخر أخرجه ابن ماجه (٣٠١) من حديث أنس بن مالك، قال: كان النبي ﷺ إذا خرج من الخلاء، قال: «الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني». وهو ضعيف.
[ ٥٠ ]
العُيُونِ (^١) وارتَادَ مَوْضِعًا رَخْوًا لِبَوْلِهِ (^٢)، ولَمْ يَسْتَقْبِلِ الشَّمْسَ، ولَا القَمَرَ، ولَا يَبُوْلُ في شِقٍّ ولَا سَرَبٍ، ولَا تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ، ولَا في ظِلٍّ، ولَا قارِعَةِ طَرِيْقٍ (^٣).
وإذا أرَادَ الاسْتِنْجَاءَ تَحَوَّلَ عَنْ مَوْضِعِهِ.
والاسْتِنْجَاءُ واجِبٌ في كُلِّ ما يَخْرُجُ مِنَ السَّبِيْلَيْنِ إلاَّ الرِّيْحَ، والأفْضَلُ أنْ يَبْدَأَ فيهِ بالقُبُلِ وَيَسْتَجْمِرَ بالحَجَرِ، ثُمَّ يُتْبِعَهُ الماءَ، فإنْ أرادَ الاقْتِصَارَ عَلَى أحدِهِما، فالْمَاءُ أفْضَلُ، فَإنْ عَدَلَ عَنِ الماءِ إلى الحَجَرِ أَجْزَأَهُ ولَا يُجْزِئُ أقَلُّ مِنْ ثَلاثِ مَسَحَاتٍ، وإنْ نَقى بدُونِها لَمْ يُجْزِهِ، فإنْ لَمْ تَزَلْ العيْنُ بالثَّلَاثِ زادَ حَتَّى يَنْقَى، وصِفَةُ مَا يَجُوزُ بهِ الاسْتِجْمَارُ أنْ يَكُونَ جامِدًا طَاهِرًا مُنْقِيًا غَيرَ مَطْعُومٍ لَا حُرْمَةَ لَهُ ولَا مُتَّصِلًا بحَيَوَانٍ، وهذا يَدْخُلُ فيهِ الْحَجَرُ وما قَامَ مَقَامَهُ مِنَ الْخَشَبِ والخِرَقِ والتُّرَابِ وغيرِهِ، ويَخْرُجُ مِنهُ المأكولَاتُ والرَّوْثُ (^٤) والرِّمَّةُ (^٥) وإنْ كَانا طَاهِرَيْنِ؛ لأنَّهُما مِنْ طَعَامِ الجِنِّ، ومَا فيهِ ذِكْرُ اللهِ تعالَى مِنَ الكَاغدِ وغَيْرِهِ، وعنهُ (^٦) أنَّ الاسْتِجْمَارَ يَخْتَصُّ بالْحَجَرِ، ويَجُوزُ
_________________
(١) روى أحمد ٤/ ٢٤٨، وأبو داود (١)، وابن ماجه (٣٣١)، والترمذي (٢٠)، والنسائي ١/ ١٨ من حديث المغيرة بن شعبة، قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فأتى النبي حاجته فأبعد في المذهب». قال الترمذي: «حسن صحيح».
(٢) روى أحمد ٤/ ٣٩٦ و٣٩٩ و٤١٤، وأبو داود (٣) من طريق شعبة، عن أبي التياح الضبعي، عن رجل أسود طويل قَدِمَ مع ابن عَبَّاس، عن أبي موسى مرفوعًا: «إذا أراد أحدُكم أن يبولَ فليرتدْ لبولِهِ». وعلَّق الترمذي عقب حديث رقم (٢٠) عن النبي ﷺ أنه كان يرتاد لبوله مكانًا كما يرتاد منْزِلًا. وقوله: «فليرتدْ»، أي: يطلب مكانًا ليّنًا لئلا يرجع عليه رشاش بَوْله.
(٣) أخرج أحمد ٢/ ٣٧٢، ومسلم ١/ ١٥٦ (٢٦٩) (٦٨)، وأبو داود (٢٥)، وأبو يعلى (٦٤٨٣)، وابن خزيمة (٦٧)، وابن حبان (١٤١٥)، والحاكم ١/ ١٨٥ - ١٨٦، والبيهقي ١/ ٩٧، والبغوي (١٩١) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «اتَّقوا اللَّعَّانين، قالوا: وما اللَّعَّانان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلَّى في طريق الناس أو ظلهم».
(٤) أخرج أحمد ١/ ٤١٨ و٤٢٧، والبخاري ١/ ٥١ (١٥٦)، وابن ماجه (٣١٤)، والنسائي ١/ ٣٩ من حديث عبد الله بن مسعود، قال: أتى النبيُّ ﷺ الغائطَ فأمَرَني أنْ آتِيْه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالث فلم أجده فأخذت روثة فأتيته بها فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: «هذا ركس». وروى الترمذي (١٨) من حديث ابن مسعود مرفوعًا: «لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام، فإنه زاد إخوانكم من الجن».
(٥) الرمة -بالكسر-: هي العظام البالية، والجمع: رِمَم ورِمام. الصحاح ٥/ ١٩٣٧، والنهاية ٢/ ٢٦٧.
(٦) انظر: الروايتين والوجهين ٧ / ب، ونقل الجواز عن الميموني، عن الإمام، وقال في عدم الجواز: «ونقل حنبل أنه لا يجوز وهو اختيار أبي بكر؛ لأنها عبادة تتعلّق بالأحجار، فلم يقم غيرها مقامها، ودليله: رمي الجمار. انتهى».
[ ٥١ ]
الاسْتِجْمَارُ إذا لَمْ يَنْتَشِر الخارِجُ عَنِ المخْرَجِ إلاَّ بقَدَرِ مَا جَرَتْ بهِ العَادَةُ فإنِ انْتَشَرَ إِلَى صَفْحَتَيْهِ ومُعْظَمِ حَشَفَتِهِ لَمْ يُجْزِهِ غَيْرُ الماءِ، وعَلَى أيِّ صِفَةٍ حَصَلَ الإنْقَاءُ فِي الاسْتِجْمَارِ أجْزَأَهُ، غيرَ أنَّ الْمُسْتَحَبَّ فيهِ أنْ يُمِرَّ حَجَرًا مِنْ مُقَدَّمِ صَفْحَتِهِ اليُمْنَى إلى مُؤَخَّرِهَا، ثُمَّ يُدِيْرُهُ على اليُسْرَى حَتَّى يَرْجِعَ إلى الْمَوْضِعِ الذي بَدَأَ منهُ، ثُمَّ يُمِرَّ الثَّانِي مِنْ مُقَدَّمِ صَفْحَتِهِ اليُسْرَى كذلكَ، ثُمَّ يُمِرَّ الثَّالِثَ على المسربَةِ والصَّفْحَتَيْنِ، ولَا يَسْتَجْمِرْ بيَمِيْنِهِ وَلَا يَسْتَعِيْنُ بها في ذَلِكَ (^١)، فإنْ خَالَفَ وَفَعَلَ أَجْزَأَهُ.
فأمَّا الاسْتِعَانَةُ بِهَا في الماءِ فَغَيْرُ مَكْرُوهٍ؛ لأنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إليْهِ، ويُفْعَلُ الاسْتِنْجَاءُ قَبْلَ الوُضُوءِ، فإنْ أخَّرَهُ إلى بعْدِهِ لَمْ يُجْزِئهُ على إحدى الرِّوَايَتَيْنِ (^٢)، والأُخْرَى يُجْزِئُهُ، فإنْ أَخَّرَهُ إلى بَعْدِ التَّيَمُّمِ، فَقِيْلَ: يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، وقِيْلَ: لَا يُجْزِئُهُ وَجْهًا واحِدًا.