وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ عَنْ جَمِيْعِ الأَحْدَاثِ، عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، أَوْ خَوْفِ الضَّرَرِ باسْتِعْمَالِهِ، ولا
_________________
(١) كَذَا في المخطوط.
(٢) انظر: الشرح الكبير ١/ ٢٢٤.
(٣) انظر: المقنع: ١٨.
(٤) التيمم: القصد والتوخي والتعمد. تاج العروس ٩/ ١١٤ (يمم) (طبعة قديمة). وَفِي اصطلاح الفُقَهَاء: هُوَ القصد إلى مسح الوجه واليدين بشيء من الصعيد. الشرح الكبير ١/ ٢٣٣. والأصل فِيهِ الكِتَاب والسنة والإجماع، أما الكِتَاب فلقوله تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْه﴾ (المائدة: ٦) والسنة لحديث عَمَّار ﵁ قَالَ: بعثني رَسُوْل الله ﷺ في حاجة، فأجنبت - فلم أجد الماء - فتمرغت في الصعيد، كَمَا تمرغ الدابة، ثُمَّ أتيت النَّبيّ ﷺ، فذكرت ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «إنما كَانَ يكفيك أن تَقُوْل بيديك هكذا» ثُمَّ ضرب بيديه عَلَى الأرض ضربة واحدة. ثُمَّ مسح الشمال عَلَى اليمين. وظاهر كفيه ووجهه. رَواهُ البُخَارِيّ، باب إذَا خاف الجنب عَلَى نَفْسه المرض أو الموت أو خاف العطش تيمم ١/ ٩٥ - ٩٦ (٣٤٦)، وَمُسْلِم ١/ ١٩٣ (٣٦٨) (١١٠) أما الإجماع «فَقَدْ أجمعت الأمة عَلَى جواز التيمم في الجملة». انظر: الشرح الكبير ١/ ٢٣٣.
[ ٦١ ]
يَتَيَمَّمُ إلاّ بِتُرَابٍ طَاهِرٍ لَهُ غُبَارٌ يَعْلَقُ بِالْوَجْهِ، فإنْ خَالَطَهُ مَا لَا يَجُوْزُ التَّيَمُّمُ بِهِ كَالنُّوْرَةِ (^١) والزِّرْنِيخِ والْجُصِّ ونحوِهَا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَاءِ إذَا خَالَطَتْهُ الطَّاهِرَاتُ.
وَمَنْ أَرَادَ التَّيَمُّمَ لَزِمَهُ أَنْ يَنوِيَ بِتَيَمُّمِهِ اسْتِبَاحَةَ صَلاةٍ مَفْرُوْضَةٍ، فإِنْ نَوَى نَفْلًا، أَوْ أَطْلَقَ النِّيَّةَ، لَمْ يجزْ أَنْ يُصَلِّيَ إلاّ نَافِلَةً، وإِنْ كَانَ جُنُبًا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْويَ الْجَنَابَةَ والْحَدَثَ، ثُمَّ يُسَمِّي، وَيَضْرِبُ بِيَدَيْهِ - وهُمَا مَفْرُوْجَتَا الأَصَابِعِ - ضَرْبَةً وَاحِدةً عَلَى التُّرَابِ وَيَمْسَحُ وَجْهَهُ بِبَاطِنِ أَصَابِعِ يَدَيْهِ، وَظَاهِرِ كَفَّيْهِ بِبِاطِنِ رَاحَتَيْهِ، هَذَا هُوَ الْمَسْنُونُ عَنْ أَحْمَدَ (^٢) رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ، وَقَالَ شَيْخُنَا (^٣): هَذَا صِفَةُ الإجْزَاءِ (^٤)، فَأَمَّا الْمَسْنُونُ فَهُوَ: أَنْ يَضْرِبَ ضَرْبَتَيْنِ (^٥). يمسح بإِحْدَاهُمَا جَمِيْعَ مَا يَجِبُ غَسْلُهُ مِنَ الوَجْهِ، مِمَّا لا يشقُّ، وَيَمْسَحُ بِالأُخْرَى يَدَيْهِ إلى الْمِرْفَقَيْن (^٦)، فَيَضَعُ بُطُوْنَ أَصَابِعِ يَدِهِ اليُسْرَى عَلَى ظُهُوْرِ أَصَابِعِ يَدِهِ اليُمْنَى، وَيَمُرُّها عَلَى ظَهْرِ الكَفِّ فَإِذَا بَلَغَ الكُوعَ (^٧)، قَبَضَ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ عَلَى حَرْف الذراع، ثُمَّ يَمُرُّهَا إلى مِرْفَقِهِ، ثُمَّ يُدِيرُ بَطْنَ كَفِّهِ إلى بَطْنِ الذِّرَاعِ، وَيُمِرُّهُ عَلَيْهِ، ويَرْفَعُ إبْهَامَهُ، فَإِذَا بَلَغَ الكُوْعَ أَمَرَّ الإِبْهَامَ عَلَى ظَهْرِ إبْهَامِ يَدِهِ اليُمْنَى، ثُمَّ يَمْسَحُ بِيَدِهِ اليمنى يده اليُسْرَى كَذلِكَ، ثُمَّ يَمْسَحُ إِحْدَى الرَّاحَتَيْنِ بالأُخْرَى، ويُخَلِّلُ بَيْنَ أَصَابِعِهِمَا.
وَيَجِبُ تَرْتِيبُ الوَجْهِ عَلَى اليَدَيْنِ، والْمُوَالَاةُ، في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (^٨).
وَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّم لنافِلَةٍ في وَقْتٍ نُهِيَ عَنْ فِعْلِهَا فِيهِ، ولا لِفَرِيْضَةٍ قَبْلَ وَقْتِهَا. فإِذا
_________________
(١) النّورة من الحجر الذي يحرق ويسوى من الكلس. اللسان ٥/ ٢٤٤ (نور).
(٢) جاء في الشرح الكبير ١/ ٢٧٦ «المسنون عن أحمد ﵀ التيمم بضربة واحدة، قَالَ الأثرم: قُلْتُ لأبي عَبْد الله: التيمم ضربة واحدة؟ فَقَالَ: نعم للوجه والكفين». لحديث عَمَّار بن ياسر ﵁ الَّذِي سقناه عِنْدَ بداية الباب.
(٣) هُوَ أبو يعلى الفراء، وقد تقدمت ترجمته فِي مقدمة التحقيق.
(٤) يعني (المفروض).
(٥) وذهب الشَّافِعيّ ﵀ إلى أنَّ التيمم لا يُجْزِئ إلا بضربتين. الأم ١/ ٤٩.
(٦) وَهُوَ الفرض، لقوله تَعَالَى: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم مِنْهُ﴾ المائدة: ٦.
(٧) الكوع: طرف الزند الذي يلي أصل الإبهام. اللسان ٨/ ٣١٦ (كوع).
(٨) أحال صاحب الشرح الكبير ١/ ٢٥٨ في اختلاف الرِّوَايَة في وجوب الترتيب والموالاة وعدمه إلى باب الوضوء. قَالَ: «والتيمم مبني عَلَيْهِ [الوضوء] لأنه بدل عنْهُ ومقيس عَلَيْهِ» وجاء في ١/ ١١٩: «إن الترتيب في الوضوء - كَمَا ذكر الله تَعَالَى - واجب في قَوْل أحمد، قَالَ شَيْخُنا: لَمْ أر فِيهِ اختلافًا … وحكى أَبُو الخطاب رِوَايَة أخرى: أنه غَيْر واجبٍ» وجاء في " الروايتين والوجهين " ٥/ب «واختلف في وجوب ترتيب الوضوء … فنقل أبو طالبٍ وإسحاق بن إبراهيم وجوب الترتيب … ونقل أبو دَاوُد وإبراهيم بن الحارث سقوط الترتيب».
[ ٦٢ ]
دَخَلَ وَقْتُهَا، وَجَبَ عَلَيْهِ طَلَبُ الْمَاءِ في رَحْلِهِ، ورفْقَتِهِ، وَمَا قَرُبَ منْهُ، فَإِنْ بُذِلَ لَهُ مَاءٌ، أَوْ بِيعَ مِنْهُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، أَوْ زِيَادَةٍ يَسِيْرَةٍ لا تُجْحِفُ بِمَالِهِ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ، وإنْ دُلَّ عَلَى مَاءٍ، لَزِمَهُ قصدُهُ، مَا لَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ، ومَالِهِ، وَلَمْ يَفتِ الوَقْتُ. فإِنْ وَجَدَ مَا يَحْتَاجُ إِليهِ للعَطَشِ، أَوْ بِيعَ مِنْهُ الْمَاء بِزِيَادَةٍ كَثيرَةٍ، فَهُوَ كَالعَادِمِ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ لا يَجِبُ الطَّلَبُ (^١).
ويُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ التَّيَمُّمِ إلى آخِرِ الوَقْتِ، إِنْ رَجَا وُجُوْدَ الْمَاءِ، وإِنْ يَئِسَ مِنْ وُجُوْدِهِ، اسْتُحِبَّ تَقْديْمُهُ.
فَإِذَا تَيَمَّمَ، صَلَّى صَلاةَ الوَقْتِ، وَقَضَى الفَوَائِتَ (^٢)، وَجَمعَ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ، وتَنَفَّلَ حَتَّى يَخْرُجَ الوَقْتُ، فَإِذَا خَرَجَ اسْتَأْنَفَ التَّيَمُّمَ لِلصَّلَاةِ الأُخْرَى، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، والأُخْرَى: يُصَلِّي بِهِ حَتَّى يُحْدِثَ (^٣). فَيَتَخَرَّجُ مِنْ هذِهِ الرِّوَايَةِ: أنَّ التَّيَمُّمَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ عِنْدَ عدم الْمَاءِ، وأنَّهُ يَجُوزُ قَبْلَ الوَقْتِ، وأنَّهُ إذَا نَوَى مُطْلَقًا، جَازَ أنْ يُصَلِّيَ بِهِ الفَرْضَ، ويُصَلِّي بِهِ مَا شَاءَ مِنَ الصَّلَوَاتِ في الوَقْتِ.
وَإِذَا نَسِي الْمَاءَ بِمَوْضِعٍ يُمكنهُ اسْتِعْمَالُهُ، وصَلَّى بالتَّيَمُّمِ، لَمْ يُجْزِهِ. وإِذَا تَيَمَّمَ، ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ قَبْلَ الدُّخُولِ في الصَّلاةِ، بَطَلَ تَيَمُّمُهُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الفَراغِ مِنْها، أَجْزأتْهُ صَلاتُهُ، وإنْ كَانَ فِيْهَا، لَزِمَهُ الْخُرُوجُ، وقِيْلَ: في ذَلِكَ رِوَايَتَانِ (^٤).
وإِذَا وَجَدَ مَا يَكْفِيهِ لِبَعْضِ بَدَنِهِ، لَزِمَهُ اسْتِعْمَالُهُ، وَتَيَمَّمَ لِلْبَاقِي، إنْ كَانَ جُنُبًا. وإنْ كَانَ مُحْدِثًا، فَهَلْ يَلْزمُهُ اسْتِعْمَاله؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (^٥).
وَإِذَا كَانَ بَعْضُ بَدَنِهِ قَرِيْحًا غسل الصَّحِيحَ، وَتَيَمَّمَ لِلْقَرِيحِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى جرحِهِ نَجَاسَةٌ يستضرُّ بإِزَالَتِهَا، تَيَمَّمَ، وَصَلَّى، ولا إِعَادَةَ عَلَيْهِ. وإِذَا تَيَمَّمَ لِلنَّجَاسَةِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، وَصَلَّى، لَزِمَهُ الإِعَادَةُ عِنْدِي. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا تَلْزَمُهُ الإِعَادَةُ (^٦).
_________________
(١) رِوَايَة الوجوب عن صالح وابن منصور، ورواية الاستحباب عن الميموني. الروايتين والوجهين ١٠/ أ.
(٢) فِي الأصل بدون «أل» إلاّ أن العبارة لَا تستقيم بِهَا.
(٣) نقل الأولى: جَمَاعَة مِنْهُمْ أبو طالب والمروذي وأبو دَاوُد ويوسف بن موسى، ونقل الثانية: الميموني والفضل بن عَبْد الصمد. الروايتين والوجهين ١٠/أ.
(٤) الأولى عن أبي طالب والمروذي وغيرهما، والثانية عن ابن منصور والميموني، وسبب وجود الاختلاف في الروايتين وعدم وجوده هُوَ رجوع الميموني عن قوله بالمعنى. الروايتين والوجهين ١٠/أ.
(٥) ينظر: الروايتين والوجهين ١٠/ب -١١/أ.
(٦) ينظر: المغني ١/ ٢٧٤.
[ ٦٣ ]
وَإذَا خَافَ زِيَادَةَ الْمَرَضِ (^١)، وتَبَاطُؤَ (^٢) البَرْءِ باسْتِعْمَالِ الْمَاءِ جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ، وإذَا خَافَ مِنْ شِدَّةِ [البَرْدِ] (^٣)، تَيَمَّمَ وَصَلَّى، وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مُسَافِرًا، وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ (^٤).
وَإِذَا حُبِسَ في الْمِصْرِ صَلَّى بالتَّيَمُّمِ وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ (^٥). وإِذَا خَشِيَ فَوَاتَ الْمَكْتُوبَةِ في الْحَضَرِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّيَمُّمُ، فَإِنْ خَافَ فَوَاتَ الْجَنَازَةِ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا صَلَّى، وَهَلْ تَلْزَمهُ الإِعَادَةُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (^٦). وَمَنْ تَوَضَّأَ، وَلَبِسَ خُفَّيْنِ، أَوْ عِمَامَةً، ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَيَمَّمَ، ثُمَّ خَلَعَ الْخُفَّ، أَوْ العِمَامَةَ، بَطَلَ تَيَمُّمَهُ، وإِذَا اجْتَمَعَ جُنُب، وَمَيِّت، وَمَنْ عَلَيْهَا غُسْلُ الْحَيْضِ، فَلَمْ يَجِدُوا مِنَ الْمَاءِ إلاَّ مَا يَكْفِي أَحَدَهُمْ، فَالْمَيِّتِ أَوْلَى بِهِ في إِحْدَى الروايتين، والأُخْرَى: الْحَي أَوْلَى بِهِ (^٧). وَهَلْ يُقَدَّم الْجُنُبُ عَلَى الْحَائِضِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الْجُنُبُ؛ لأنَّ غَسْلَهُ وَجَبَ بِنَصِّ القُرْآنِ، وغسل الْحَائِضِ بالاجْتِهَادِ.
والثَّانِي: الْحَائِضُ لأنَّهَا تَقْضِي حَقَّ اللهِ -تَعَالَى- وَحَقَّ زَوْجِهَا فِي جَوَازِ وَطْئِهَا (^٨).