أَفْضَلُ الهَدَايَا الإِبِلُ، ثُمَّ البَقَرُ، ثُمَّ الغَنَمُ، والذَّكَرُ والأُنْثَى في الهَدْيِ سَوَاءٌ، ولَا يُجْزِئُ فِيْهِ إلاَّ الجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ - وَهُوَ ما كَمُلَ لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ والثَّنُّي مِمَّا عدا ذَلِكَ-
_________________
(١) الأولى: أن الحج لا يجب عَلَى المرأة الَّتِي لا محرم لها؛ لأنَّهُ جعلها بالمحرم كالرجل في وجوب الحج، نص عَلَيْهِ الإمام أحمد، فَقَالَ أبو داود: قُلْتُ لأحمد: امرأة موسرة لَمْ يَكُنْ لها مَحْرَمٌ، هل يجب عَلَيْهَا الحج؟ قَالَ: لا. الثانية: أن المحرم شرط للزوم السعي دُوْنَ الوجوب، فمتى فاتها الحج بَعْدَ كمال الشرائط الخمسة بموت أو مَرض لا يرجى برؤه أخرج عَنْهَا حجة. وعنه رِوَايَة ثالثة: أن المَحْرَم ليس بشرط في الحج الواجب. انظر: الروايتين والوجهين ٥٧/ أ، والمغني والشرح الكبير ٣/ ١٩٠.
(٢) انظر: شرح الزركشي ٢/ ٨٣.
(٣) إذا مات مَحْرَم المرأة في الطريق، قَالَ أحمد: إذا تباعدت مضت فقضت الحج. قيل لَهُ: قدمت من خراسان فمات وليها ببغداد؟ فَقَالَ: تمضي إِلَى الحج. وإذا كَانَ الفرض خاصة فَهُوَ آكد. ثُمَّ قَالَ: لَا بد لَهَا من أن ترجع؛ وهذا لأنها لَا بد لَهَا من السفر بغير محرم، فمضيّها إِلَى قضاء حجها أولى، لَكِنْ إن كَانَ حجها تطوعًا أمكنها الإقامة فِي بلد فَهُوَ أولى من سفرها بغير محرم. المغني والشرح الكبير ٣/ ١٩٤، وشرح الزركشي ٢/ ٨٥.
(٤) انظر: المغني ٣/ ٢٠١.
[ ٢٠١ ]
والثَّنِيُّ مِنَ المَعْزِ مَا كَمَّلَ سَنَةً، ومِنَ البَقَرِ مَا كَمُلَ لَهُ سَنَتَانِ، ومِنَ الإِبِلِ مَا كَمَّلَ خَمْسَ سِنِيْنَ. ويُسَنُّ إِشْعَارُ البُدْنِ، وَهُوَ: أَنْ يَشُقَّ صَفْحَةَ سَنَامِ البَدَنَةِ الأَيْمَنِ (^١) حَتَّى يَسِيْلَ الدَّمُ، فَإِنْ كَانَ الهَدْيُ غَنَمًا قَلَّدَهَا (^٢) بِنَعْلٍ، أَو آذَانِ القِرَبِ والعِرَى، وتُجْزِئُ الشَّاةُ عَنْ (^٣) وَاحِدٍ، والبَدَنَةُ مِنَ الإِبِلِ والبَقَرِ عَنْ سَبْعَةٍ، ولَا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يُرِيْدَ جَمِيْعُهُمْ القُرْبَةَ أو بَعْضُهُمْ، ويُرِيْدُ البَاقُوْنَ اللَّحْمَ. وأَفْضَلُ الهَدَايَا والأَضَاحِيِّ الشُّهْبُ، ثُمَّ الصُّفْرُ، ثُمَّ السُّوْدُ، والأَفْضَلُ أَنْ يَذْبَحَهَا بِنَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ فَالأَفْضَلُ أَنْ يَشْهَدَ ذَبْحَهَا. وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الهَدْيِ أَنْ يَجْمَعَ فِيْهِ بَيْنَ الحِلِّ والحَرَمِ (^٤)، ولَا أَنْ يُوَقفَهُ بِعَرَفَةَ، ولَكِنْ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ. وتَخْتَصُّ تَفْرِقَةُ لَحْمِ الهَدْيِ بالحَرَمِ، إلاَّ فِدْيَةَ الأَذَى ومَا في مَعْنَاهَا (^٥). ولَا يَأْكُلُ مِنَ الدِّمَاءِ الوَاجِبَةِ إلاَّ مِنْ هَدْيِ التَّمَتُّعِ والقِرَانِ، وَعَنْهُ: يَأْكُلُ مِنَ الْجَمِيْعِ إِلاَّ مِنَ النَّذْرِ وجَزَاءِ الصَّيْدِ (^٦). وإِذَا نَذَرَ هَدْيًا فَأَقَلُّ مَا يُجْزِيْهِ شَاةٌ، فَإِنْ نَذَرَ بَدَنَةً مُطْلَقَةً أَجْزَأَهُ بَقَرَةٌ (^٧)، فَإِنْ ذَبَحَ بَدَنَةً احْتَمَلَ أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْهَا كَمَا لا يأْكُلُ مِنَ الشَّاةِ، واحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ سُبْعُهَا واجِبًا، والبَاقِي يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهُ وهَدِيَّتُهُ، فَإِنْ أَكَلَ مِمَّا مُنِعَ مِنْ أَكْلِهِ ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ لَحْمًا (^٨). فَإِنْ عَيَّنَ الهَدْيَ بِنَذْرِهِ أَجْزَأَهُ مَا عَيَّنَهُ، سَوَاءٌ كَانَ صَغِيْرًا أَوْ كَبِيْرًا، جَلِيْلًا أَو حَقِيْرًا، ويَجِبُ إِيْصَالُهُ إلى فُقَرَاءِ الحَرَمِ، إلاَّ أَنْ يُعَينَهُ بِمَوْضِعٍ غَيْرِ الحَرَمِ. وإِذَا نَذَرَ هَدْيًا بِعَيْنِهِ جَازَ لَهُ بَيْعُهُ وإِبْدَالُهُ بِخَيْرٍ مِنْهُ، نَصَّ عَلَيْهِ واخْتَارَهُ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا، وعِنْدِي: أنَّهُ يَزُوْلُ مُلْكُهُ عَنْهُ، ولَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ولَا إِبْدَالُهُ (^٩)؛ لأَنَّ أَحْمَدَ ﵀ قَدْ نَصَّ في رِوَايَةِ حَنْبَلٍ في الهَدْيِ إِذَا عَطِبَ في الحَرَمِ فَقَدْ أَجْزَأَهُ عَنْهُ، ونَقَلَ عَنْهُ عَلِيُّ بنُ سَعِيْدٍ في رَجُلٍ اشْتَرَى أُضْحِيَةً فَهَلَكَتْ لَيْسَ عَلَيْهِ بَدَلُهَا، وكَذَلِكَ قَالَ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا: إِذَا عَيَّنَ الهَدْيَ أَو
_________________
(١) وعنه: الأيسر، وعنه: أن الهادي مخير بين الأيمن والأيسر، وما ذكره المصنف هُوَ الصحيح من المذهب. انظر: الإنصاف ٤/ ١٠١.
(٢) تقليد البدنة: أن يعلّق في عنقها شيء؛ ليعلم أنها هدي. انظر: المطلع: ٢٠٦.
(٣) كررت في الأصل.
(٤) يعني: أن يدخل الهدي من الحل إلى الحرم، بل لو اشتراه في الحرم وذبحه في الحرم أجزأه. انظر: الإنصاف ٤/ ١٠٠.
(٥) فإنه يفرقها في الموضع الَّذِي حلق فيه. انظر: مختصر الخرقي ١/ ٦٣.
(٦) انظر التفصيل في: المحرر ١/ ٢٥١، والإنصاف ٤/ ١٠٤.
(٧) ومقتضى هَذَا الكلام: أنه إن نواها بعينها لَمْ يجزه غيرها ما دام ذبحها ممكنًا، وبه قَالَ القاضي أبو يعلى وأصحابه. انظر: الإنصاف ٤/ ١٠٢.
(٨) قَالَ المرداوي: وهذا عَلَى الصحيح من المذهب، وعليه أكثر الأصحاب. وقطعوا بِهِ، كبيعه وإتلافه. وَقَالَ في النصيحة: يَضمنه بقيمته، كالأجنبي بلا نزاع فيه. الإنصاف ٤/ ١٠٤.
(٩) انظر: المقنع: ٨٥، والمغني ٣/ ٥٦٢.
[ ٢٠٢ ]
الأُضْحِيَةَ فَاعْوَرَّتْ أَو عَجَفَتْ (^١) يَذْبَحُهَا وتُجْزِيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ في رِوَايَةِ صَالِحٍ، وكَذَلِكَ إِذَا ذَبَحَهَا إِنْسَانٌ بِغَيْرِ إِذْنِهِ أَجْزَأَتْ ولَا يَضْمَنُ، وَكَذَلِكَ إذَا ذَبَحَهَا فَسُرِقَتْ، وَلَوْ كَانَ مُلْكُهُ مَا زَالَ وَجَبَ عَلَيْهِ بَدَلُهَا في جَمِيْعِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَلَهُ أنْ يَرْكَبَها وَيَشْرَبَ مِنْ لَبَنِهَا (^٢)، فإن وَلَدَتْ ذُبِحَ وَلدُها مَعَهَا، وإنْ كَانَ صُوفُهَا يَضُرُّ بِهَا إِلَى وَقْتِ الذَّبْحِ جَازَ لَهُ أنْ يَجُزَّهُ وَيَتَصَدَّقَ بِهِ.
ولا يُجْزِئُ في الْهَدْيِ والأُضْحِيَةِ ما فِيْهِ عَيْبٌ يَنْقُصُ بِهِ اللَّحْمُ، وَهِيَ خَمْسَةٌ:
- العَضْبَاءُ القَرْنِ والأُذُنِ: وَهِيَ ما ذَهَبَ أكْثَرُ أُذُنِهَا وَقَرْنِها، وَرُوِيَ: ما ذَهَبَ ثُلُثُ أذُنِهَا وَقَرْنِهَا (^٣)، وَهُوَ اخْتِيارُ أبي بَكْرٍ (^٤).
- فأمَّا الْجَمَّاءُ (^٥) فهي كَالعَضْبَاءِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابنِ حَامِدٍ. وَقَالَ شَيْخُنَا: تَجُوزُ الضَحِيَةُ بِهَا بِخِلَافِ العَضْبَاءِ (^٦).
- والعَوْرَاءُ البَيِّنُ عَوَرُهَا، وَهِيَ مَا انْخَسَفَتْ عَيْنُهَا وَذَهَبَتْ (^٧).
- والعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي (^٨)، وَهِيَ الهَزِيْلَةُ الَّتِي لا مُخَّ فِيْهَا.
- والعَرْجَاءُ البَيِّنُ عَرَجُهَا، فَلَا تَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ مَعَ الغَنَمِ، والْمُشَارَكَةِ في العَلَفِ.
- والْمَرِيَضَةُ البَيِّنُ مَرَضُهَا: وَهِيَ الْجَرْبَاءُ؛ لأنَّ الْجَرَبَ يُفْسِدُ اللَّحْمَ، وفي حَدِيْثِ عَلِيٍّ (^٩)
_________________
(١) أي: هزلت. ودابة عجفاء، أي: هزيلة، ومنه قوله تَعَالَى عَلَى لسان العزيز: ﴿إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾. يوسف: ٤٣. انظر: المعجم الوسيط: ٥٨٥.
(٢) بشرط أن لا يَكُوْن لها ولد، فإن كَانَ لها ولد لَمْ يشرب إلا ما فضل عَنْ حاجة الولد. انظر: المغني ٣/ ٥٦٣.
(٣) انظر: المغني ٣/ ٥٨٤.
(٤) انظر: الروايتين والوجهين ١٩٧/ ب - ١٩٨/ أ.
(٥) هِيَ الَّتِي لا قرن لها بأصل الخلقة. انظر: معجم مَتْن اللغة ١/ ٥٧٤ (جمم).
(٦) انظر: المغني ٣/ ٥٨٥، والمحرر ١/ ٢٤٩.
(٧) إي: ذهبت شحمة العين، وهو نقص في اللحم، فإن كانت عينها ابيضت وَلَمْ تذهب أجزأت. انظر: المغني ٣/ ٥٨٢ - ٥٨٣.
(٨) أي: لا يتكون في نقي، والنَّقْيُّ: هو مخ العظم، وهو إمارة عَلَى هزالة الحيوان وعدم تكون اللحم فيه. انظر: المعجم الوسيط: ٩٥٠ (نقي).
(٩) أخرجه أحمد ١/ ٨٠ و١٠٨ و١٢٨ و١٤٩، الدارمي (١٩٥٨)، وأبو داود (٢٨٠٤)، وابن ماجه (٣١٤٢)، والترمذي (١٤٩٨)، والنسائي ٧/ ٢١٦ و٢١٧، وابن الجارود (٩٠٦)، والطحاوي ٤/ ١٦٩، والحاكم ٤/ ٢٢٤، والبيهقي ٩/ ٢٧٥، والبغوي (١١٢١) والمزي في تهذيب الكمال ١٢/ ٤٥١ - ٤٥٢. كلهم من حَدِيْث عَلِيّ. قال الترمذي: " حسن صحيح " لكن أعله البخاري بالوقف كما في التاريخ الكبير ٤/ (٢٦١٤).
[ ٢٠٣ ]
﵁: «لا يُضَحَّى بِمُقَابَلَةٍ، ولا مُدَابَرَةٍ، ولا خَرْقَاءَ، ولا شَرْقَاءَ» (^١)، وهذا نَهْيُ تَنْزيْهٍ ويُحْتَمَلُ الإِجْزَاءُ بِها؛ لأنَّ الْمُقَابَلَةَ: ما قُطِعَ شَيءٌ مِنْ مَقْدَمِ أُذُنِهَا وَبَقِيَ مُعَلَّقًا، والْمُدَابَرةَ: ما قُطِعَ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ خَلْفِ أُذُنِهَا، والْخَرْقَاءَ: ما نَقَبَ الْكَيُّ أُذُنَهَا. والشَّرْقَاءَ: ما شُقَّ طَرَفُ أُذُنِهَا، ويُجْزِئُ الْخَصِيُّ.
فإنْ نَذَرَ أُضْحِيةً أو هَدْيًا في ذِمَّتِهِ ثُمَّ عَيَّنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَحَدَثَ بِهِ عَيْبٌ أو هَلَكَ في الطَّرِيقِ، فعَلَيه إِخْرَاجُ بَدَلِهِ؛ لأنَّ ذِمَّتَهُ لا تَبْرَأُ إلاَّ بإيْصَالِهِ إِلَى مستَحِقِّيْهِ وَفَارِقُ هَذَا ما عيَّنَهُ بِنَذْرِهِ؛ لأنَّهُ تَعَلُّقٌ بِالْعَيْنِ فَسَقَطَ بِتَلَفِ الْعَيْنِ ولا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لأَنَّهُ أَمَانَةٌ في يَدِهِ لِلْفُقَرَاءِ، والأَمَانَةُ إِذَا تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيْطٍ فَلَا ضَمَانَ كَالْوَدِيْعَةِ. وأيَّامُ النَّحْرِ ثَلَاثَةٌ: يَوْمُ العِيْدِ بَعْدَ صَلَاةِ العِيْدِ. أَو قَدَرَ الصَّلَاةِ (^٢)، وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ، فإِنْ خَرَجَ وَقْتُ النَّحْرِ ذبحَ الوَاجِبُ قَضَاءً، وَهُوَ بِالْخيارِ في التَّطَوّعِ، فإن ذبحَ فَهُوَ صَدَقَةٌ بِلَحْمٍ لا أُضْحِية.
والسُّنَّةُ نَحْرُ الإِبِلِ قَائِمَةً مَعْقُولَةً يَدهَا اليُسْرَى (^٣)، وَهُوَ أنْ يَضْرِبَهَا بِالْحَرْبَةِ في الوَهْدَةِ الَّتِي بَيْنَ أصْلِ العُنُقِ والصَّدْرِ، ويَذْبَح البَقَرَ والغَنَمَ وإذا عَطِبَ الْهَدْيُ في الطَّريقِ نَحَرَهُ حَيْثُ عَطِبَ وَجَعَلَ (^٤) عَلَيْهِ عَلَامَةً، وَهُوَ أنْ يَصْبُغَ نَعْلَهُ بِدَمِهِ وَيَضْرِبَ بِهِ صفحتهُ؛ لِيَعْرِفَهُ الفُقَرَاءُ فَيَأْخُذُوهُ، واللهُ أعلمُ بِالصَّوابِ.