وَإِذَا اخْتَلَطَ نَفْسَان، أو أَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ في نِصَابٍ مِنَ الْمَاشِيَةِ حَوْلًا. فَحُكْمُ زَكَاتِهُمْ كَحُكْمِ زَكَاةِ الوَاحِدِ سَوَاءٌ كَانَتْ الْخِلْطَةُ خِلْطَةَ عيان. مِثْل: أنْ يَسْتَفِيدُوا مالًا مُشَاعًا بِشِرَاءٍ، أو هِبَةٍ، أو إرْثٍ، أو كَانَتْ خِلْطَةُ أوْصَافٍ مِثْل: أَنْ يَكُونَ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُتَمَيِّزًا فَخَلَطُوهُ واشْتَرَكُوا في: الْمُرَاحِ (^٤)، والْمَسْرَحِ (^٥)، والْمَشْربِ، والْمحْلَبِ (^٦)، والرَّاعِي، والفَحْلُ فإنْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِمَّا ذَكَرْنَا في خِلْطَةِ الأَوْصَافِ بطل حُكْمُهَا (^٧). ونِيَّةُ الْخِلْطَةِ لَيْسَتْ شَرْطًا (^٨).
وَقَالَ شَيْخُنا: هِيَ شرط ومَتَى اخْتَلَطَ نَفَسَان فَلَمْ يَثْبُتْ لأحَدِهِما حُكْمُ الانْفِرَادِ بِحَالِ، مِثْلَ أنْ يَشْتَرِكَا، أو يُوْهَبُ لَهُمَا، أو يَرِثَا نِصَابًا مَعًا فَزَكَاتُهُمَا زَكَاةُ الْخِلْطَةِ في كُلِّ حَوْلٍ فَإِنْ ثَبَتْ لَهُمَا حُكْمُ الانْفِرَادِ بِالْحَوْلِ مِثْلُ أنْ يَكُونَ لكل وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصَابٌ وَمَضَى عَلَيْهِ بَعْضُ الْحَوْلِ ثُمَّ خَلَطَاهُ لَمْ يحلْ. أمَّا أنْ يَتَّفِقَ حَوْلَاهُمَا، فإِنْ يَمْلِكُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أرْبَعِيْنَ مِنَ الغَنَمِ في الْمُحَرَّمِ واخْتَلَطَا في صَفَرٍ، وَحَالَ الْحَوْلُ فإِنَّهُما يزكيان فِي الحول الأول زكاة الإنفراد فيخرج كُلّ واحدٍ مِنْهُمَا شاة وفيما بَعْدَ ذَلِكَ من السنين
_________________
(١) وَقَدْ وردت في المخطوطة هكذا: «علا».
(٢) انظر: الرِّوَايَتَيْنِ والوجهين (٤١/ب).
(٣) لما رَواهُ سويد بن غفلة قَالَ: «جاءنا مصدق النَّبيّ ﷺ فأخذت بيده، وقرأت في عهده: لا يجمع بَيْن متفرق، ولا يفرق بَيْن مجتمع، خشية الصدقة». والحديث أخرجه أحمد ٤/ ٣١٥، وأبو دَاوُد (١٥٨٠)، وابن ماجه (١٨٠١)، والنَّسائي ٥/ ٢٩، والخلطة في المواشي بَيْن الشركاء: هِيَ أن تجعل أموالهم كمالٍ واحدٍ في حق الزكاة.
(٤) المراح: بالضم: أي المأوى الذي تأوي إِليهِ الإبل والغنم بالليل. انظر: تاج العروس ٦/ ٤١٩ (روح).
(٥) المسرح: هُوَ المرعى الذي ترعى فيه الماشية. انظر: الشرح الكبير ٢/ ٥٣٤، وتاج العروس ٦/ ٤٦١ (سرح).
(٦) هُوَ المكان الذي تحلب فِيهِ الماشية. انظر: الشرح الكبير ٢/ ٥٣٥.
(٧) وصار وجود الخلطة كعدمه وَفِي كُلّ واحد عَلَى حدة إذَا بَلَغَ النصاب. وانظر: الشرح الكبير ٢/ ٥٣٦، المقنع: ٥٣.
(٨) قَالَ صاحب المحرر ١/ ٢١٦: «عَلَى وَجْهَيْنِ». وَقَالَ ابن قدامة في الشرح الكبير ٢/ ٥٣٦: «وحكي عن الْقَاضِي أنه اشترطها».
[ ١٢٨ ]
زكاة الخلطة أَوْ يختلف حولاهما بإن يملك أحدهما فِي أول المحرم والآخر فِي أول صفر ويختلطان فِي أول ربيع فإنه يجب عَلَى كُلّ واحدٍ مِنْهُمَا عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ الأَوَّلِ شَاة، وما بَعْدَ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْخِلْطَةِ كُلَّمَا تَمَّ عَلَيْهِ حَوْلة نِصْفُ شَاةٍ.
فإِنْ ثَبَتَ لِمَالِ أحَدِهِمَا حُكْمُ الانْفِرَادِ دُوْنَ الآخَر بأَنْ يَمْلِكَ أَحَدُهُمَا أرْبَعِيْنَ شَاةً في الْمُحَرَّمِ، ويَمْلِكُ الآخَرُ أرْبَعِيْنَ في صَفَرٍ، ويَخْلُطُهُا بِغَنِمِ الأوَّلِ، ثُمَّ يَبِيْعُهَا مِنْ آخَرَ في أوَّلِ رَبِيْعٍ فَإِنَّ الْمُشْتَرِي مَلَكَ أرْبَعِيْنَ مُخْتَلِطَةً لَمْ يثبت لَهَا حُكْمُ الانْفِرِادِ.
فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الأوَّلِ زَكَّى زَكَاةَ الانْفِرَادِ شَاةً، وإِذَا تَمَّ حَوْلُ الثَّانِي زَكَّى زَكَاةَ الْخِلْطَةِ نِصْفَ شَاةٍ، ثُمَّ يُزَكِّيَانِ بَعْدَ ذَلِكَ زَكَاةَ خِلْطَةٍ كُلَّمَا تَمَّ حَوْلُ أَحَدِهِمَا وَجَبَ نِصْفُ شَاةٍ.
فَإِنْ مَلَكَ إنْسَانٌ أرْبَعِيْنَ شَاةً وَمَضَى عَلَيْهِ نِصْفُ حَوْلٍ ثُمَّ بَاعَ نِصْفَهَا مُشَاعًا؛ فَقَالَ أبو بَكْرٍ (^١): يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ الأَوَّلُ وَيَسْتَأْنِفَانِ حَوْلًا مِنْ حِيْنِ الْبَيْعِ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لا يَنْقَطِعُ، فإذَا تَمَّ حَوْلُ البَائِعِ وَجَبَ عَلَيْهِ نِصْفُ شَاةٍ (^٢).
وَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الْمُشْتَرِي، فإِنْ قُلْنَا: الزَّكَاةُ تَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ، وَجَبَ عَلَيْهِ نِصْفُ شَاةٍ، وإِنْ قُلْنَا: تَتَعَلَّقُ بِالعين - وَهُوَ الصَّحِيحُ - فإنْ كَانَ البَائِعُ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ مِنْ غَيْرِ الْمَالِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لأنَّ نِصَابَ الْخِلْطَةِ نَقَصَ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ، وإِنْ كَانَ أخْرَجَهَا مِنْ غَيْرهِ وَجَبَ عَلَى الْمُشْتَرِي نِصْفُ شَاةٍ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا عَلِم عَلَى نِصْفِهَا وَبَاعَهُ في بَعْضِ الْحَوْلِ. فأمَّا إنْ أَفْرَدَ عِشْرِيْنَ وَبَاعَهَا ثُمَّ خَلَطَ هُوَ والْمُشْتَرِي، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يسْتَأنفَانِ الْحَوْلَ.
وَقَالَ شَيْخُنا: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الْحُكْمُ كَمَا لَوْ بَاعَهَا مُخْتَلِطَةً؛ لأنَّ هَذَا زَمَانٌ يَسِيْرٌ (^٣).
وَإِذَا مَلَكَ إنْسَانٌ أرْبَعِيْنَ شَاةً في الْمُحَرَّمِ وأَرْبَعِينَ في صَفَرٍ، فإِذَا حَالَ حَوْلُ الأَوَّلِ فَعَلَيْهِ شَاةٌ. وَإِذَا حَالَ حَوْلُ الثَّانِي فَعَلَى وَجْهَيْنِ (^٤): أَحَدُهُمَا: لا زَكَاةَ فِيهِ، والآخر: فِيهِ زَكَاةٌ.
وَما مِقْدَارُهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: شَاةٌ والثَّانِي: نِصْفُ شَاةٍ (^٥).
فإِنْ مَلَكَ في صَفَرٍ مَا يُغَيِّرُ الفَرْضَ وَهُوَ أَنْ يَمْلِكَ أَحَدَ وَثَمَانِيْنَ فَعَلَيْهِ شَاةٌ في الثَّانِي إذَا تَمَّ حَولُهُ وَجْهًا وَاحِدًا. وَإِذَا كَانَ لإِنْسَانٍ أرْبَعُونَ شَاةٍ في بَلَدٍ، وأَرْبَعُونَ في بَلَدٍ آخَرَ وبَيْنَهُمَا مَسَافَة تقْصرُ فِيْهَا الصَّلَاةَ فَنَصَّ أَحْمَدُ ﵁: أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ شَاتَانِ (^٦).
_________________
(١) قَالَهُ في كِتَاب الخلاف كَمَا في الرِّوَايَتَيْنِ والوجهين ٤١/أ.
(٢) انظر: الرِّوَايَتَيْنِ والوجهين: ٤٠/ب، والمقنع: ٥٣، والشرح الكبير ٢/ ٥٤٠، والمحرر ١/ ٢١٦.
(٣) انظر: المقنع: ٥٣، والمحرر: ١/ ٢١٦.
(٤) انظر: المقنع: ٥٣، والشرح الكبير ٢/ ٥٤٣، والمحرر ١/ ٢١٦ - ٢١٧.
(٥) انظر: المقنع: ٥٣، والشرح الكبير ٢/ ٥٤٣، والمحرر ١/ ٢١٦ - ٢١٧.
(٦) قَالَ المجد ابن تيمية: «وَهُوَ المذهب المفتى بِهِ». المحرر ١/ ٢١٦.
[ ١٢٩ ]
وإنِ كَانَ في كُلّ بَلَدٍ عِشْرُوْنَ فَلَا زَكَاةَ، فَجَعَلَ التَّفْرِقَةَ في البَلَدَيْنِ كالتَّفْرِقَةِ في الْمُلْكَيْنِ، وهذا في الْمَاشِيَةِ خَاصَّةً دُوْنَ بَقِيَّةِ الأَمْوَالِ، فأَمَّا إنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَسَافَةٌ لا تقْصُرُ فِيْهَا الصَّلَاةَ ضَمَّ أَحَدَ الْمُلْكَيْنِ إلى الآخَرِ، وعِنْدِي (^١): أنَّهُ يَضُمُّ مُلْكَ الإنْسَانِ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ سَوَاءٌ قَرُبَتِ البُلْدَانُ أو تَبَاعَدَتْ. فَعَلَى هَذَا: إذَا كَانَ لِرَجُلٍ سِتُّونَ شَاةً في كُلِّ بَلَدٍ، مِنْها عِشْرُونَ خِلْطَةً مَعَ عِشْرينَ لِرَجُلٍ آخَرَ، ثُمَّ حَالَ الْحَوْلُ عَلَى الْجَمِيْعِ، فإنَّهُ يَجِبُ في الْجَمِيْعِ شَاةٌ، نِصْفُهَا عَلَى صَاحِبِ السِّتِّيْنَ ونِصْفُهَا عَلَى الْخُلَطَاءِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ سُدسُ شَاةٍ، وعلى مَنْصُوصِ أَحْمَدَ ﵀ إنْ كَانَ بَيْنَ البُلْدَانِ مَسَافَةٌ لا تقْصُرُ فِيْهَا الصَّلَاةَ فالْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، تَجِبُ شَاةٌ وَاحِدَةٌ، وإنْ كَانَ بَيْنَهُمْ مسَافَةٌ تُبِيْحُ القَصْرَ وَجَبَ ثَلاثُ شِيَاهٍ؛ عَلَى صَاحِبِ السِّتِّيْنَ شَاةٌ ونِصْفٌ، وعلى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْخُلَطَاءِ نِصْفُ شَاةٍ.
ولا تُؤثِّرُ الْخِلْطَةُ في غَيْرِ الْمَواشِي مِنَ الأَمْوَالِ والأَثْمَانِ والْحُبُوبِ والثِّمَارِ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (^٢)، وَفِي الأُخْرَى: تُؤَثِّرُ كَمَا تُؤَثِّرُ في الْمَاشِيَةِ.
ويَجُوزُ لِلسَّاعِي أنْ يَأْخُذَ الفَرْضَ مِنْ أي مَالِ الْخَلِيْطَيْنِ شَاءَ، سَواءٌ دَعَتِ الْحَاجَةُ إلى ذَلِكَ، بِأَنْ يَكُونَ مَالُ أَحَدِهِمَا صِغَارًا وَمَالُ الآخَرِ كِبَارًا، فإنَّهُ يَجِبُ كَبِيْرَةٌ، أو يَكُونُ مُلْكُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أرْبَعِيْنَ أو سِتِّيْنَ فإِنَّهُ يَأْخُذُ شَاةً، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إلاَّ مِنْ مَالِ أَحَدِهِمَا. أو لَمْ تَدَعْ الْحَاجَةُ بأَنْ يَكُونَ مَالُ كُلِّ واحِدٍ مِئَتي شَاةٍ فَتَجِبُ عَلَيْهِ شَاتَانِ.
فَإِذَا أَخَذَ الفَرْضَ مِنْ مَالِ أَحَدِهِمَا رَجَعَ عَلَى خَلِيْطِهِ بِالْقِيْمَةِ، فإِنْ اخْتَلَفَا في قِيْمَةِ الفَرْضِ، فَالْقَولُ قَولُ الْمَرْجُوعِ عَلَيْهِ إذَا عُدِمَتِ البَيِّنَةُ، فإِنْ أَخَذَ المصدقُ أَكْثَرَ مِنَ الفَرْضِ بِغَيْرِ تأْوِيْلٍ لَمْ يَرْجِعْ بِالزِّيَادةِ عَلَى خَلِيْطِهِ، وإِنْ كَانَ بِتَأْوِيْلٍ مِثْلُ أَخْذِ الكَبِيْرَةِ مِنَ السِّخَالِ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ (^٣)، وَالصَّحِيْحَةِ عَنِ الْمِرَاضِ عَلَى قَوْلِ عَبْدِ العَزِيْزِ (^٤) أو أخذ
_________________
(١) هَذَا هُوَ اختيار أبي الخطاب، وذكر صاحب الشرح الكبير ٢/ ٥٤٥، لأحمد رِوَايَتَيْنِ، صحح هَذَا الاختيار واستدل بقوله ﷺ: «في أربعين شاة شاة»، والحديث أخرجه أحمد ٢/ ١٤ و١٥، والدارمي (١٦٢٧) و(١٦٣٣) و(١٦٣٤)، وأبو دَاوُد (١٥٦٨) و(١٥٦٩)، وابن ماجه (١٧٩٨) و(١٨٠٥) و(١٨٠٧)، والترمذي (٦٢١)، وابن خزيمة (٢٢٦٧).
(٢) انظر: الرِّوَايَتَيْنِ والوجهين (٤٠/ب)، والشرح الكبير ٢/ ٥٤٦.
(٣) انظر: المغني ٢/ ٤٧٩.
(٤) هو عَبْد العزيز بن أَبِي حازم بن دينار، الإمام الفقيه، أَبُو تمام المدني، وَكَانَ من أَئِمَّة العِلْم بالمدينة، قَالَ أحمد بن حنبل: لَمْ يَكُنْ بالمدينة بَعْدَ مَالِك أفقه من عَبْد العزيز بن أَبِي حازم. ولد سنة (١٠٧) وتوفي سنة (١٨٤). انظر: سير الأعلام ٨/ ٣٦٣، ميزان الإعتدال ٢/ ٦٢٦ (٥٠٩٣).
[ ١٣٠ ]
قِيمَة الفَرْضِ عَلَى قَوْلِ النُّعْمَانِ (^١) رَجَعَ بِذَلِكَ عَلَيْهِ.