وَتَجِبُ (^٢) الزَّكَاةُ في كُلِّ زَرْعٍ يُكَالُ ويُدَّخَرُ سَواءٌ أَكَانَ مُقتاتًا كَالْحِنْطَةِ والشَّعِيْرِ والذُّرَةِ والدُّخْنِ والأَرُزِّ (^٣) والقِطْنِيَّاتِ كُلِّهَا وَهِيَ: البَاقِلاَّءُ، والعَدَسُ، والْمَاشُ، والْهُرْطُمَانُ (^٤)، واللُّوْبِيا، والْحِمَّصُ، والتُّرْمُسُ، والسِّمْسِمُ، والشَّهْدَانَجُ (^٥)، وما أشْبَهَهُ أو غَيْرَ مُقْتَاتٍ كَبَزْرِ الكتَّانِ وَبَزْرِ الفُجْلِ والرَّشَادِ وحَبِّ القُثَّاءِ والْخِيَارِ والبِطِّيْخِ والْخَرْدَلِ والقُرْطُمِ (^٦) ونَحْوِهِ، والأَبَازِيْرِ (^٧) مِنَ الكسفرة (^٨) والكَمُّونِ والكَرَاوْيَا (^٩) ومَا أشْبَهه. وسَوَاءٌ كَان مِمَّا يُنْبِتُهُ الآدَمِيُّونَ كَالَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، أَو كَانَ مِمَّا يُنْبِتُ بِنَفْسِهِ كبَزْرِ فَطُوْنَاءَ (^١٠)، وحَبَّةِ الخَضْرَاءِ والصَّعْتَرِ (^١١) والأُشْنَانِ وغَيْرها، وكَذَلِكَ في الثِّمَارِ الَّتِي تُكَالُ وتُدَّخَرُ كَالتَّمْرِ والزَّبِيْبِ واللَّوْزِ والفُسْتُقِ والبُنْدُقِ ونَحْوِ ذَلِكَ. ولَا تَجِبُ في بَقِيَّةِ الفَوَاكِهِ كَالخَوْخِ والمِشْمِشِ والإِجَّاصِ والكُمَّثْرَى والتِّيْنِ، ولَا شَيءَ في الخَضْرَاوَاتِ كَالبِطِّيْخِ والقُثَّاءِ والخِيَارِ والبَاذِنْجَانِ والجَزَرِ والسَّلْجَمِ (^١٢) والبَقُوْلِ كُلِّهَا.
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع ٢/ ٤١.
(٢) الأصل في وجوب الزكاة في ذَلِكَ قوله تَعَالَى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ (الأنعام: ١٤١)، وقوله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ (البقرة: ٢٦٧).
(٣) في ضبطها ست لغات، انظر: الصحاح ٣/ ٨٦٣ (أرز).
(٤) الهرطمان: هُوَ نبات علف، وَيُسَمَّى الشوفان أو الخرخال، انظر: المعجم الوسيط: ٩٨٢.
(٥) لفظة معربة من شاه دانه، ومعناه سلطان الحب، وَهُوَ بذور القنب، وَيُسَمَّى في مصر بالشرانق، أو الشنارق. انظر: معجم متن اللغة ٣/ ٣٨٦، والمعجم الوسيط: ٤٩٧.
(٦) هُوَ حب العصفر. انظر: الصحاح ٥/ ٢٠١، ولسان العرب ١٢/ ٤٧٦ (قرطم).
(٧) وَلَمْ يوجب ابن حامد الزكاة فيها. انظر: شرح الزركشي ١/ ٦٣٤.
(٨) كَذا في الأصل، وفي المعاجم: «كزبرة»، وقد تقال: بالسين: «كسبرة»، وهو الموافق لما في شرح الزركشي ١/ ٦٣٤، وفي المغني والشرح الكبير ٢/ ٥٤٩: «الكسفرة» وَقِيْلَ هُوَ نبات (الجُلْجَلان) وَهُوَ السمسم، انظر:: تاج العروس ١٤/ ٤٤ (كسبر).
(٩) كَذَا في الأصل، وفي المعاجم: «الكرويا» وَهُوَ من الأبزار والاخاويه معروف. انظر: معجم مَتْن اللغة ٥/ ٥٩.
(١٠) عَلَى وزن جَلُوْلَاء، وقد لا تهمز: حبة تستعمل كعلاج، وهكذا يسميها أهل العراق، قَالَ الأزهري: وسألت عَنْهَا البحرانيين فقالوا: نحن نسميها حبة الذرقة، وهي الأسفيوس معرّب. انظر: اللسان ٣/ ١٢٤، ومعجم مَتْن اللغة ٤/ ٦٠٣ (قطن).
(١١) نوع من البقول، وفي بَعْض كتب الطب يكتب بالسين. انظر: اللسان ٤/ ٤٥٧ (صعتر).
(١٢) هُوَ نبت، وَقِيْلَ: إنه نوع من البقوليات. انظر: اللسان ١٢/ ٣٠١ (سلجم). ولعله: «اللفت» المعروف عندنا في العراق، والعامة تقول بالشين والغين: «شلغم».
[ ١٣١ ]
واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في القُطْنِ (^١) والزَّيْتُونِ (^٢) والعُصْفًرِ والزَّعْفَرَانِ (^٣)، فَرُوِيَ عَنْهُ: فِيْهَا الزَّكَاةُ، وَرُوِيَ عَنْهُ: لا زَكَاةَ فِيْهَا، ويَتَخَرَّجُ الوَرْسُ والعُصْفُرُ عَلَى وَجْهَيْنِ قِيَاسًا عَلَى الزَّعْفَرَانِ، ولَا زَكَاةَ في جَمِيْعِ ذَلِكَ حَتَّى يَبْلُغَ نِصَابًا قَدَرُهُ - بَعْدَ التَّصْفِيَةِ في الحُبُوبِ، والجَفَافِ في الثِّمَارِ - خَمْسَةُ أَوْسُقٍ، والوَسقُ (^٤): سِتُّوْنَ صَاعًا، والصَّاعُ: خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وثُلُثٌ بالعِرَاقِيِّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَلْفًا وسِتَّمِئَةِ رَطْلٍ (^٥)، إلاَّ أَنَّ الأرُزَّ والعَلَسَ - هُوَ نَوعٌ مِنَ الحِنْطَةِ يُدَّخَرُ في قِشْرِهِ (^٦) - فَإِنَّ نِصَابَهُ عَشَرَةُ أَوْسُقٍ مَعَ قِشْرِهِ، وَرَوَى عَنْهُ الأَثْرَمُ: أنَّهُ يُعْتَبَرُ نِصَابُ ثَمَرَةِ النَّخْلِ والكَرْمِ رُطَبًا وعِنَبًا (^٧)، وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ مِنْ أَصْحَابِنا، والأَوَّلُ أَصَحُّ.
_________________
(١) نقل أبو داود عدم وجوب الزكاة فيها، وهو اختيار أبي بكر؛ لأنَّهُ غَيْر مكيل فَلَا زكاة فِيْهِ كسائر الخضروات، ونقل يعقوب بن بختان فِيْهِ الزكاة لعموم قوله: «فِيْمَا سقت السماء العشر». انظر: الرِّوَايَتَيْنِ والوجهين ٤٢/ ب، ومسائل أبي داود: ٧٩. والحديث أخرجه البخاري ٢/ ١٥٥ (١٤٨٣)، وأبو داود (١٥٩٦)، وابن ماجه (١٨١٧)، والترمذي (٦٤٠)، والنسائي ٥/ ٤١، وابن خزيمة (٢٣٠٧) و(٢٣٠٨)، والطحاوي في شرح المعاني ٢/ ٣٦، والطبراني في الكبير (١٣١٠٩)، والدارقطني ٢/ ١٣٠، والبيهقي ١/ ١٣٠، والبغوي (١٥٨٠) من حديث ابن عمر.
(٢) نقل يعقوب بن بختان أن ليس فيه صدقة؛ لأنه لا يدخر في العادة فأشبه التين، ونقل صالح أن عليها العشر إذا بلغ ستين صاعًا. انظر: الروايتين والوجهين ٤٢/ أ.
(٣) نقل يعقوب بن بختان روايتين، أحدهما: لا زكاة وهو اختيار أبي بكر؛ لأنَّهُ غَيْر مكيل أشبه الفواكه، والثانية فيه الزكاة. انظر: الرِّوَايَتَيْنِ والوجهين ٤٢/ ب. وَقَالَ أبو يعلى بَعْدَ نقل الروايات: «والصحيح المذهب في هذه الأشياء وافق الأصل الَّذِي اعتبرناه من الكيل والإدّخار».
(٤) بفتح الواو وكسرها. انظر: شرح الزركشي ١/ ٦٣٧، وتهذيب الأسماء واللغات ٣/ ١٩١.
(٥) الرطل العراقي يساوي بالتقريب ١٣٠ درهمًا شرعيًا، والدرهم يساوي ٢. ٤٠٥٥٢٢ غم، فيكون النصاب ٢٠٨٠٠٠ درهمًا شرعيًا، ويساوي ٥٠٠. ٣٤٨ كغم تقريبًا. انظر: الشرح الكبير ٢/ ٥٥٦، ومعجم متن اللغة ١/ ٨٦ - ٨٧ و٣/ ٥١٦، والمعجم الوسيط: ٥٢٨.
(٦) انظر: المعجم الوسيط: ٦٢١.
(٧) انظر: الروايتين والوجهين ٤٢/ أ. واستدل بحديث رواه سعيد بن المسيب عن عتاب بن أسيد، قال: لما بعثني رَسُوْل الله ﷺ إلى مكة، قَالَ: «اخرص عليهم العنب وخذ منهم زبيبًا كَمَا تخرص عليهم الرطب وتأخذ منهم تمرًا». والحديث أخرجه أبو داود (١٦٠٣) و(١٦٠٤)، وابن ماجه (١٨١٩)، والترمذي (٦٤٤)، وابن الجارود (٢٣١٦) و(٢٣١٨)، وابِن خزيمة (٢٣١٦)، والطحاوي في شرح المعاني ٢/ ٣٩، وابن حبان (٣٢٧٨) و(٣٢٧٩)، والطبراني في الكبير ١٧/ (٤٢٤)، وفي الأوسط (٨٨٣٢)، والدارقطني ٢/ ١٣٢، والحاكم ٣/ ٥٩٥، والبيهقي ٤/ ١٢١ و١٢٢. والحديث فيه انقطاع؛ لأن سعيد بن المسيب لَمْ يلقَ عتاب بن أسيد.
[ ١٣٢ ]
ويَجِبُ في العَسَلِ العُشْرُ سَوَاءٌ كَانَ في أَرْضٍ خِرَاجِيَّةٍ أو غَيْرِهَا، وسَوَاءٌ أَخَذَهُ
مِنْ مَوْضِعٍ يَمْلِكُهُ أو لَا يَمْلِكُهُ كَرُؤُوسِ الجِبَالِ والمَواتِ كُلِّهَا، ويُعْتَبَرُ قَدْرُ النِّصَابِ ومِقْدَارُهُ عَشَرَةُ أَفْرَاقٍ، وَقَالَ ابنُ حَامِدٍ: الفَرْقُ (^١): سِتُّونَ رَطْلًا، وَقَالَ شَيْخُنَا: سِتَّةٌ وَثَلَاثُوْنَ رَطْلًا (^٢)، وأمَّا نِصَابُ الزَّعْفَرَانِ والقُطْنِ والزَّيْتُونِ فَلَا نَصَّ فِيْهِ عَنْ أَحْمَدَ ﵀ (^٣)، وَقَالَ شَيْخُنَا (^٤): يَتَوَجَّه أَنْ يَجْعَلَ نِصَابَهُ مَا يَبْلُغُ قِيْمَتُهُ قِيْمَةَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ أدْنَى مَا تُخْرِجُهُ الأَرْضُ مِمَّا تَجِبُ فِيْهِ الزَّكَاةُ (^٥)، وكَذَلِكَ عِنْدِي: الوَرْسُ والعُصْفُرُ، وَقَالَ شَيْخُنَا: العُصْفُرُ تَبَع القُرْطُمِ (^٦) فَإِنْ بَلَغَ القُرْطُمُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، فَفِيْهِ الزَّكَاةُ / ٦٤ ظ /. والعُصْفُرُ تَبَعٌ لَهُ، وإِلاَّ فَلَا زَكَاةَ في وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وتُضَمُّ الحُبُوبُ بَعْضُهَا إلى بَعْضٍ في إِكْمَالِ النِّصَابِ في إِحْدَى الرِّوَايَاتِ (^٧)، وفي الثَّانِيَةِ: تُضَمُّ الحِنْطَةُ إلى الشَّعِيْرِ، والقُطْنِيَّاتُ كُلُّهَا بَعْضُهَا إلى بَعْضٍ. وفي الثَّالِثَةِ: يُعْتَبَرُ النِّصَابُ في كُلِّ نَوْعٍ عَلَى انْفِرَادِهِ.
وتُضَمُّ ثَمَرَةُ العَامِ الوَاحِدِ بَعْضُهَا إلى بَعْضٍ، سَوَاءٌ اتَّفَقَ وَقْتُ إِطْلَاعِهَا وَإِدْرَاكِهَا أو اخْتَلَفَ، فَيُقَدِّمُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ في ذَلِكَ، وسَوَاءٌ كَانَتْ في بَلَدٍ وَاحِدٍ أو في بَلَدَيْنِ، وكَذَلِكَ زَرْعُ العَامِ الوَاحِدِ فَإِنْ كَانَ نَخْلٌ يَحْمِلُ في السَّنَةِ حِمْلَيْنِ، فَقَالَ شَيْخُنَا: لَا يُضَمُّ أحَدُ الحِمْلَيْنِ إلى الآخَرِ في إِكْمَالِ النِّصَابِ، وعِنْدِي أنَّهَا تُضَمُّ (^٨)؛ لأَنَّهَا ثَمَرَةُ عَامٍ وَاحِدٍ كَمَا يُضَمُّ زَرْعُ العَامِ الوَاحِدِ، ولَا يُعْتَبَرُ في الحُبُوبِ والثِّمَارِ حَوْلَ الحَوْلِ.
وإذَا اخْتَلَفَ ثِمَارُهُ فكَانَ مِنْهَا الجَيِّدُ والرَّدِيءُ والوَسَطُ، أَخَذَ مِنْ كُلِّ نَوعٍ مَا يَخُصُّهُ إِلاَّ أَنْ يَشُقَّ [عَلَيْهِ] (^٩) ذَلِكَ؛ لِكَثرَةِ الأَنْوَاعِ واخْتِلَافِهَا فَيُؤْخَذُ مِنَ الوَسَطِ.
ويَجِبُ العُشْرُ فِي مَا سُقِيَ بِغَيْرِ مُؤْنَةٍ كَالسُّيُوْحِ والغُيُوثِ ومَا يُشْرَبُ بِعُرُوْقِهِ
_________________
(١) بسكون الراء وفتحه. انظر: اللسان ١٠/ ٣٠٥.
(٢) انظر: المغني ٢/ ٥٧٨.
(٣) نقل صالح عنه: أن في الزيتون العشر إذا بلغ ستين صاعًا. ونقل يعقوب بن بختان عنه: أن في الزعفران والقطن العشر. انظر: الروايتين والوجهين ٤٢/ ب، والمغني ٢/ ٥٥٧.
(٤) انظر: المغني ٢/ ٥٥٧.
(٥) انظر: المغني ٢/ ٥٥٧.
(٦) القرطم: نبات زراعي صبغي من الفصيلة المركبة، يستعمل زهره تابلًا وملوِّنًا للطعام ويستخرج منه صباغ أحمر. المعجم الوسيط: ٧٢٧.
(٧) انظر: الروايتين والوجهين ٤٢/ ب.
(٨) انظر: الشرح الكبير ٢/ ٥٥٨.
(٩) زيادة غَيْر موجودة فِي المخطوط اثبتناها ليستقيم الكلام.
[ ١٣٣ ]
كالبَعْلِ (^١)، ونِصْفُ العُشْرِ فِيْ مَا سُقِيَ بالمُؤَنِ كالدَّوَالِي والنَّوَاضِحِ، فَإِنْ سُقِيَ نِصْفُهُ بِهَذَا ونِصْفُهُ بِهَذَا وَجَبَ فِيْهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ العُشْرِ، فَإِنْ سُقِيَ بِأَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنَ الآخَرِ، فَقَالَ أَحْمَدُ ﵀ فِي رِوَايَةِ المَرْوَذِيِّ (^٢): يُعْتَبَرُ بِأَكْثَرِهِمَا، وَقَالَ ابنُ حَامِدٍ (^٣): يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ بالقِسْطِ. فَإِنْ جَهِلَ المِقْدَارَ غلّبنَا إِيْجَابُ العُشْرِ احْتِيَاطًا نَصَّ عَلَيْهِ (^٤)، ويَجِبُ فِيْمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ بِحِسَابِهِ، ويَجِبُ إِخْرَاجُ الوَاجِبِ مِنَ الحُبُوبِ مُصَفّى (^٥) ومِنَ الثِّمَارِ [يَابِسًا] (^٦)، سَوَاءٌ قُلْنَا: يُعْتَبَرُ نِصَابُهُ تَمْرًا وزَبِيْبًا ورَطْبًا وعِنَبًا.
وَإِذَا بَدَا الصَّلَاحُ في الثِّمَارِ واشْتَدَّ الحَبُّ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ (^٧)، فَإِنِ احْتِيْجَ إلى قَطْعِ ذَلِكَ قبلَ كَمَالِهِ للخَوْفِ مِنَ العَطَشِ، ولِضَعْفِ الجِمَارِ، أو كَانَ رَطْبًا لَا يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ [كَالحَسْنَوِيِّ] (^٨) والبرنبا (^٩)، أو عِنَبًا لَا يَجِيءُ مِنْهُ زَبِيْبٌ كالخمريِّ، فَفِيْهِ الزَّكَاةُ إِذَا بَلَغَ نِصَابًا، ولَا يُؤْخَذُ مِنْهُ إلاَّ يَابِسًا، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ (^١٠) ﵀ واخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ في الخِلَافِ (^١١).
وقَالَ شَيْخُنَا (^١٢): يُخَيَّرُ السَّاعِي بَيْنَ قِسْمَتِهَا مَعَ رَبِّ المَالِ قَبْلَ الجَذاذ
وبَعْدَهُ، وبَيْنَ بَيْعِهَا مِنْهُ أو مِنْ غَيْرِهِ. فَإِنْ قَطَعَ رَبُّ المَالِ الثَّمَرَةَ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا لِغَرَضٍ
_________________
(١) هُوَ النخل الذي يشرب بعروقه فيستغنى عَن السقي والغيث. انظر: الصحاح ٤/ ١٦٣٥، واللسان ١١/ ٥٨ (بعل).
(٢) هو أبو بكر أحمد بن مُحَمَّد بن الحجاج المروذي، رَوَى عن الإمام أحمد مسائل كثيرة، وأسند عنه أحاديث صالحة، توفي سنة (٢٧٥ هـ). انظر: تاريخ بغداد ٤/ ٤٢٣، وطبقات الحنابلة ١/ ٢٤٧، وسير أعلام النبلاء ١٣/ ١٧٣.
(٣) انظر: المغني ٢/ ٥٦١.
(٤) في رواية عَبْد الله. الشرح الكبير ٢/ ٥٦٣.
(٥) بعد هَذَا في الأصل عبارة: «ومن الثمار مصفى»، وأغلب الظن أنها مقحمة من الناسخ، فإن الثمر لا يصفى، بَل الواجب إخراج زكاته يابسًا. انظر: المقنع: ٥٥، والشرح الكبير ٢/ ٥٦٦.
(٦) فِي الأصل تكررت العبارة كالأتي: ومن الثمار مصفىً، ومن الثمار يابسًا.
(٧) قَالَ ابن أبي يونس: تجب زكاة الحب يوم حصاده، لقوله ﷿: ﴿آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِه﴾ (الأنعام: ١٤١).
(٨) هَذِهِ اللفظة غير مقروءة في الأصل، وما أثبتناه من المبدع ٢/ ٣٤٩ وهو نوع من التمر. وهناك توع آخر يدعى (الجناسري) ذكره ابن سيده، وقال صاحب اللسان: أشد نخلة بالبصرة تأخرًا. انظر: المخصص ٣/ ١٣٤، واللسان ٤/ ١٤٩ (جنسر).
(٩) هَكَذَا فِي الأصل «والبرنبا» ولعل المصنف ﵀ أراد: البرني: وَهُوَ ضربٌ من التمر أصفر مُدَوَّر، وَهُوَ أجود التمر، واحدته: برنية. اللسان ١٣/ ٤٩ (برن).
(١٠) انظر: المغني ٢/ ٥٦٧.
(١١) انظر: الشرح الكبير ٢/ ٥٦٧.
(١٢) انظر: الشرح الكبير ٢/ ٥٦٧.
[ ١٣٤ ]
صَحِيْحٍ، مِثْلُ: أَنْ يَأْكُلَهَا أَوْ يَبِيْعَهَا خِلَالًا أو يُخَفِّفَ عَنِ النَّخْلِ لِيَحْسُنَ بَقِيَّةُ الثَّمَرَةِ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيْمَا قَطَعَهُ (^١)، وإِنْ قَطَعَهَا لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيْحٍ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الزَّكَاةُ.
وَإِذَا أَرَادَ رَبُّ المَالِ أَنْ يَتَصَرَّفَ في الثَّمَرَةِ قَبْلَ الجَذاذِ خَرَصَ (^٢) عَلَيْهِ، وضَمِنَ نَصِيْبَ الفُقَرَاءِ ثُمَّ يَتَصَرَّفُ، فَإِنِ ادَّعَى هَلَاكَهَا لِحَاجَةٍ أو نَهْبٍ أو سَرِقَةٍ، فَالقَوْلُ قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ يَمِيْنٍ (^٣)، فَإِنْ جَذَّهَا وَجَعَلَهَا في الجَرِيْنِ (^٤)، وضَمِنَ للسَّاعِي نَصِيْبَ الفُقَرَاءِ، ثُمَّ ادَّعَى تَلَفَهَا بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الضَّمَانُ. ويَنْظُرُ الخَارِصُ في النَّخْلِ، فَإِنْ كَانَ أَنْوَاعًا خَرَصَ عَلَيْهِ كُلَّ نَخْلَةٍ عَلَى حِدَةٍ، وإِنْ كَانَ نَوْعًا واحِدًا جَازَ أَنْ يَخْرُصَ الجَمِيْعَ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وأَنْ يَخْرُصَ كُلَّ نَخْلَةٍ مُنْفَرِدَةٍ.
ويَجِبُ عَلَى الخَارِصِ أنْ يَتْرُكَ لِرَبِّ المَالِ الثُّلُثَ أو الرُّبُعَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ جَازَ لِرَبِّ المَالِ أَنْ يَأْكُلَ بِقَدْرِ ذَلِكَ ولَا يُحتَسبُّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِذَا خَرَصْتُمْ فَدَعُوا الثُّلُثَ أو الرُّبُعَ، فَإِنَّ في المَالِ العُرْيَةَ والأَكلَةَ والوَصِيَّةَ» (^٥).
ويَجُوزُ لأَهْلِ الذِّمَّةِ شِرِيُّ الأَرَاضِي العُشْرِيَّةِ ولَا عُشْرَ عَلَيْهِمْ في الخَارِجِ مِنْهَا في
_________________
(١) وهذا نص صريح في بقاء الزكاة فيما لَمْ يقطعه.
(٢) الخرص لغة: الحزر والتخمين، والقول بغير علم، ومنه قوله تَعَالَى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ (الذريات: ١٠). وشرعًا: حزر ما يجيء عَلَى النخل من الرطب تمرًا أو العنب. انظر: الصحاح ٣/ ١٠٣٥، وتاج العروس ١٧/ ٥٤٤ (خرص).
(٣) قَالَ أحمد: «لا يستحلف الناس عَلَى صدقاتهم»؛ وذلك لأنه حق لله تَعَالَى فَلَا يستحلف فيه كالصلاة والحد. المغني والشرح الكبير ٢/ ٥٦٥.
(٤) الجرين: الموضع الَّذِي يداس فيه البُرّ ونحوه، وتجفف فيه الثمار. انظر: اللسان ١٣/ ٨٧، والمعجم الوسيط ١١٩ (جرن).
(٥) أخرجه الطيالسي (١٢٣٤)، وأبو عبيد في الأموال (١٤٤٨)، وابن أبي شيبة (٣٦١٩٨)، وابن زنجويه في الأموال (١٩٩٢) و(١٩٩٣)، وأحمد ٣/ ٤٤٨ و٤/ ٢ و٣، والدارمي (٢٦٢٢)، وأبو داود (١٦٠٥)، والترمذي (٦٤٣)، والنسائي ٥/ ٤٢، وابن الجارود (٣٥٢)، وابن خزيمة (٢٣١٩) و(٢٣٢٠)، وابن حبان (٣٢٨٠)، والطحاوي في شرح المعاني ٢/ ٣٩، والطبراني (٥٦٢٦)، والحاكم ١/ ٤٠٢، والبيهقي ٤/ ١٢٣، والمزي في تهذيب الكمال ٤/ ٤٦٩ من حديث سهل بن أبي حثمة. والحديث: ضعيف لضعف عبد الرَّحْمَان بن مسعود. والجزء الثاني من الحديث لَمْ يرد في التخريج. وأخرج البيهقي ٤/ ١٢٣ من حديث نظير الأنصاري: أن رسول الله ﷺ لَمْ يخرص العرايا، ولا أبا بكر، ولا عمرَ ﵄. وأخرج أيضًا من حديث أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم: «أن النبي ﷺ كَانَ يَقُوْل =
[ ١٣٥ ]
إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (^١). وفي الأُخْرَى (^٢): لَا يَجُوزُ لَهُمْ شِرَاؤهَا، فَإِنْ خَالَفُوا واشْتَرَوا صَحَّ الشِّرَاءُ، وضُرِبَ عَلَيْهِمْ عَلَى زُرُوْعِهِمْ وثِمَارِهِمْ عُشْرَيْنِ، وإِذَا ضَرَبَ الإِمَامُ عَلَى نَصَارَى بَنِي تَغْلُبَ مَكَانَ الجِزْيَةِ عُشْرَيْنِ في زُرُوعِهِمْ وثِمَارِهِمْ، ثُمَّ أسْلَمُوا أو بَاعُوا الأَرْضَ مِنْ مُسْلِمٍ سَقَطَ أَحَدُ العُشْرَيْنِ، ويُؤْخَذُ الأَجْرُ عَلَى سَبِيْلِ الزَّكَاةِ، ويَجْتَمِعُ العُشْرُ والخَرَاجُ في كُلِّ أَرْضٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً، فَيَكُونُ الخَرَاجُ في رُقْبَتِهَا، والعُشْرُ في غَلَّتِهَا.
وإِذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا فَزَرَعَهَا فَالعُشْرُ عَلَى المُسْتَأْجِرِ دُوْنَ مَالِكِ الأَرْضِ، وإِذَا أَعْطَى عُشْرَ زَرْعِهِ وَثَمَرَتِهِ مَرَّةً لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ عُشْرٌ آخَرُ، وإنْ حَالَ عِنْدَهُ أَحْوَالًا.