يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ أَنْ يَغْتَسِلَ (^٤)، ويَدْخُلَهَا مِنْ أَعْلَاهَا مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ (^٥)، فَإِذَا خَرَجَ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا مِنْ ثَنِيَّةِ كُدًى (^٦)، فَإِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ دَخَلَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ
_________________
(١) انظر: المغني والشرح الكبير ٣/ ٣٧٠.
(٢) ويقال لها أضاءة لبن.
(٣) بكسر الراء المهملة، وعبارة الإنصاف كالأصل. الإنصاف ٣/ ٥٥٨، وفي المبدع ٣/ ٢٠٦ والفروع ٣/ ٣٥٧: «ثنية زحل» بالزاي المعجمة.
(٤) انظر: الاستذكار لابن عَبْد البر ٣/ ٣٠٣ - ٣٠٤.
(٥) وَهِيَ بالفتح والمد: ثنية مكة العلياء، وكُدى - بالضم والقصر -: ثنية مكة السفلى. انظر: معجم البلدان ٤/ ٤٣٩.
(٦) لما رَوَى ابن عمر ﵄ أن رَسُوْل الله ﷺ دخل مكة من الثنية العليا الَّتِي بالبطحاء، وخرج من الثنية السفلى. أَخْرَجَهُ أحمد ٢/ ٤٨، ١٥٧، والدارمي (١٩٣٣)، والبخاري ٢/ ١٧٧ (١٥٧٥)، ومسلم ٤/ ٦٢ (١٢٥٧) (٢٢٣)، وأبو داود (١٨٦٥)، وابن خزيمة (٢٦١٤) و(٢٦٩٥).
[ ١٨٧ ]
/ ٩٨ ظ /، فَإِذَا رَأَى البَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ السَّلَامُ، ومِنْكَ السَّلَامُ، حَيِّنَا رَبَّنَا بالسَّلَامِ، اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا البَيْتَ تَعْظِيْمًا وتَشْرِيْفًا وتَكْرِيْمًا ومَهَابَةً وبَرًّا، وزِدْ مَنْ عَظَّمَهُ وشَرَّفَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ واعْتَمَرَهُ تَعْظِيْمًا وتَشْرِيْفًا وتَكْرِيْمًا ومَهَابَةً وبَرًّا،
الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ كَثِيْرًا كَمَا هُوَ أَهْلُهُ، وكَمَا يَنْبَغِي لِكَرَمِ وَجْهِهِ وعِزِّ جَلَالِهِ، والحَمْدُ للهِ الَّذِي بَلَّغَنِي بَيْتَهُ، ورَآنِي لِذَلِكَ أَهْلًا، والحَمْدُ للهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، اللَّهُمَّ إِنَّكَ دَعَوْتَ إلى حَجِّ بَيْتِكَ الحَرَامِ، وَقَدْ جِئْنَاكَ لِذَلِكَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا، وَاعْفُ عَنِّي، وأًصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ» (^١). يَرْفَعُ بِذَلِكَ صَوْتَهُ.
ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِطَوَافِ القُدُومِ (^٢)، ويَضْطَبِعُ بِرِدَائِهِ، فَيَجْعَلُ وسَطَهُ تَحْتَ عَاتِقِهِ الأَيْمَنِ ويَجْعَلُ طَرَفَهُ عَلَى عَاتِقِهِ الأَيْسَرِ، ويَبْتَدِئُ مِنَ الحَجَرِ الأَسْوَدِ فَيَسْتَلِمُهُ (^٣) بِيَدِهِ ويُقَبِّلُهُ ويُحَاذِيْهِ بِجَمِيْعِ بَدَنِهِ - إِنْ أَمْكَنَهُ - وإِلاَّ اسْتَلَمَهُ وقَبَّلَ يَدَهُ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَيْهِ،
ثُمَّ يَجْعَلُ البَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ ويَطُوفُ، فَإِذَا بَلَغَ إلى الرُّكْنِ اليَمَانِيِّ (^٤) اسْتَلَمَهُ وقَبَّلَ يَدَهُ
_________________
(١) لَمْ نقف عليه بهذا السياق في شيء من كتب الحديث، وقد رَوَى الشافعي في مسنده (٩٤٨) بتحقيقنا، ومن طريقه البيهقي ٥/ ٧٣، منه قوله: «كَانَ إذا رأى البيت رفع يديه، وَقَالَ: اللهم زدْ هَذَا البيت تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابة، وزد من شرّفه وكرّمه وعظّمه ممن حجّه أو اعتمره تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا وبرًا». من طريق سعيد بن سالم عن ابن جريح مرفوعًا، وهو إسناد معضل. وأخرج ابن أبي شيبة (١٥٧٥١) و(٢٩٦١٥) البيهقي ٥/ ٧٣ تعليقًا من طريق أبي سعيد الشامي عَنْ مكحول مرفوعًا قوله: كَانَ النبي ﷺ إذا دخل مكة فرأى البيت رفع يديه وكبّر، وَقَالَ: اللهم أنت السلام ومنك السلام فحيّنا ربنا بالسلام، اللهم زد هَذَا البيت تشريفًا وتعظيمًا ومهابة، وزد من حجّه أو اعتمره تكريمًا وتشريفًا وتعظيمًا وبرًا». إلا أنه مرسل. ورواه الطبراني في الكبير (٣٠٥٣) وفي الأوسط (٦١٢٨) موصولًا من حديث حذيفة بن أسيد بلفظ: «اللهم زد بيتك هَذَا تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا وبرًا ومهابة، وزد من شرّفه وعظّمه ممن حجّه أو اعتمره تعظيمًا وتشريفًا وتكريمًا وبرًا ومهابة». وفي إسناده: عاصم بن سليمان الكوزي متهم بالوضع. انظر: ميزان الاعتدال ٢/ ٣٥٠، ولسان الميزان ٣/ ٢١٨.
(٢) قَالَ ابن قدامة في المغني ٣/ ٣٨٣: «والمستحب لِمَنْ دخل المسجد أن لا يعرج عَلَى شيء قبل الطواف بالبيت؛ اقتداءً برسول الله ﷺ، فإنه كَانَ يفعل ذَلِكَ».
(٣) معنى: «استلمه» أي: تناوله بلمسه إما بالقبلة أو باليد أو بالعصا. انظر: الفائق ٢/ ١٩٢، والنهاية ٢/ ٣٩٥، ولسان العرب ١٢/ ٣٩٧.
(٤) هُوَ قبلة أهل اليمن، وَهُوَ آخر ما يمر عليه من الأركان في طوافه؛ لأنه يبدأ بالركن الَّذِي فيه الحجر الأسود، ثُمَّ ينتهي إلى الركن الثاني وَهُوَ الركن العراقي، ثُمَّ الركن الثالث وَهُوَ الركن الشامي، وهذان الركنان يقابلان الحِجْر، ثُمَّ يأتي الرابع وَهُوَ الركن اليماني، أي: أنه الركن الَّذِي يكون قَبْلَ الركن الَّذِي فِيْهِ الحجر الأسود. وانظر: الشرح الكبير ٣/ ٣٨٥.
[ ١٨٨ ]
ولَا يُقَبِّلُهُ، وظَاهِرُ كَلَامِ الخِرَقِيِّ: أنَّهُ يُقَبِّلُهُ (^١).
ويَقُولُ عِنْدَ اسْتِلَامِ الحَجَرِ في الطَّوَافِ: بِسْمِ اللهِ، واللهُ أَكْبَرُ إيْمَانًا بك وتَصْدِيْقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، واتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ (^٢)، ويَطُوفُ سَبْعًا يَرْمُلُ في الثَّلَاثَةِ الأُوَلة مِنْهَا (^٣)، وَهُوَ إِسْرَاعُ (^٤) المَشْي مَعَ تَقَارُبِ الخُطَا (^٥)، ولَا يَثِبُ وَثْبًا. ويَمْشِي في الأَرْبَعَةِ، وكُلَّمَا حَاذَى الحَجَرَ الأَسْوَدَ والرُّكْنَ اليَمَانِيَّ اسْتَلَمَهُمَا ويَقُولُ في
رَمَلِهِ - كُلَّمَا حَاذَى الحَجَرَ الأَسْوَدَ: «اللهُ أَكْبَرُ، ولَا إِلَهَ إلاَّ اللهُ»، ويَقُولُ في بَقِيَّةِ الرَّمَلِ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا وسَعْيًا مَشْكُورًا وذَنْبًا مَغْفُورًا». ويَقُولُ في الأَرْبَعَةِ: «رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ، واعْفُ عَمَّا تَعْلَمُ، وأَنْتَ الأَعَزُّ الأَكْرَمُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا في الدُنْيَا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنَا عَذَابَ النَّارِ» (^٦)، ويَدْعُو فِيْمَا بَيْنَ ذَلِكَ بِمَا أَحَبَّ، ولَا تَرْمُلُ المَرْأَةُ ولَا تَضْطَبِعُ (^٧)، ولَا يَرْمُلُ أَهْلُ مَكَّةَ (^٨)، والأَفْضَلُ أَنْ يَطُوفَ رَاجِلًا، فَإِن طَافَ رَاكِبًا أَجْزَأَهُ، وَعَنْهُ: لَا يُجْزِيهِ إلاَّ العُذْرُ، فَإِنْ حَمَلَهُ مُحْرِمٌ يَنْوِيَا جَمِيْعًا فَإِنْ كَانَ بالمَحْمُولِ عُذْرٌ أَجْزَأَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ أَجْزَأَهُ وعَنْهُ لَا يُجْزِيْهِ إلاَّ لِعُذْرٍ (^٩)، فَإِنْ حَمَلَهُ مُحْرِمٌ ونَوَيَا جَمِيْعًا فَإِنْ كَانَ بالمَحْمُوْلِ عُذْرٌ أَجْزَأَهُ، وإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ. فَأَمَّا الحَامِلُ
_________________
(١) قَالَ ابن قدامة: «والصحيح عَنْ أحمد أنه لا يقبله، وهو قَوْل أكثر أهل العِلْم». المغني ٣/ ٣٩٤.
(٢) رواه مسندًا ابن عساكر من حَدِيْث عَبْد الله بن السائب بسند ضعيف كَمَا ذَكَرَ ابن حجر، وَقَدْ أورده الشافعي في الأم من غَيْر إسناد. وانظر: البدر المنير ٢/ ٨ (١٢٨١)، والتلخيص الحبير ٢/ ٢٦٥ ط شعبان و٢/ ٥٣٧ ط العلمية.
(٣) قَالَ المرداوي في الإنصاف ٤/ ٨: «هَذَا المذهب وعليه الأصحاب». فإن قِيْلَ: إنما رمل النبي ﷺ وأصحابه لإظهار الجلد للمشركين وَلَمْ يبق ذَلِكَ المعنى إذ قَدْ نفى الله المشركين فَلِمَ قُلْتم: إن الحكم يبقى بَعْدَ زوال علته. قلنا: قَدْ رمل النبي ﷺ وأصحابه واضطبع في حجة الوداع بَعْدَ الفتح فثبت أنها سنة ثابتة. المغني ٣/ ٣٨٧.
(٤) في الأصل: «أسرع».
(٥) وهذا نفس المعنى اللغوي. انظر: لسان العرب ١١/ ٢٩٥ (رمل).
(٦) انظر: المغني والشرح الكبير ٣/ ٢٩١ - ٢٩٢.
(٧) قَالَ ابن المنذر: أجمع أهل العِلْم عَلَى أنه لا رمل عَلَى النساء حول البيت ولا بَيْنَ الصفا والمروة، وليس عليهن اضطباع؛ وذلك لأن الأصل فِيْهَا إظهار الجلد، وَلَا يُقصد ذَلِكَ من النساء، وإنما يُقصَد فيهن الستر، وفي الرمل والاضطباع تعرض للانكشاف. الشرح الكبير ٣/ ٣٩٢.
(٨) وهذا قَوْل ابن عباس وابن عمر ﵄، وَكَانَ ابن عمر إذا أحرم من مكة لَمْ يرمل؛ لأن الرمل إنما شرع في الأصل لإظهار الجلد والقوة لأهل البلد، وهذا المعنى معدوم في أهل البلد. المصدر السابق.
(٩) انظر: المقنع: ٧٨.
[ ١٨٩ ]
فَلَا يُجْزِيْهِ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وإِذَا طَافَ مُحْدِثًا أو نَجِسًا أو مَكْشُوفَ العَوْرَةِ لَمْ يُجْزِهِ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (^١)، وفي الأُخْرَى: يُجْزِيْهِ ويَجْبُرُهُ بِدَمٍ (^٢)، فَإِنْ نَكَسَ الطَّوَافَ وَهُوَ أنْ يَجْعَلَ البَيْتَ عَلَى يَمِيْنِهِ أو طَافَ عَلَى جِدَارِ الحِجْرِ أو شَاذرْوَانِ الكَعْبَةِ (^٣) أو تَرَكَ مِنَ الطَّوَافِ شَيْئًا وإِنْ قَلَّ لَمْ يُجْزِهِ (^٤)، وكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَنْوِ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، والأَفْضَلُ أنْ يَكُوْنَ خَلْفَ المَقَامِ (^٥) يَقْرَأُ في الأُوْلَى بَعْدَ الفَاتِحَةِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثَّانِيَةِ بالإِخْلَاصِ، وهَذِهِ الصَّلَاةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ (^٦)، ثُمَّ يَعُودُ إلى الرُّكْنِ فَيَسْتَلِمُهُ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ بَابِ الصَّفَا (^٧)، ويَسْعَى سَعْيًا ويَبْدَأُ بالصَّفَا، والأَفْضَلُ أَنْ يَرْقَى عَلَيْهِ (^٨)، حَتَّى يَرَى البَيْتَ، والمَرْأَةُ لَا تَرْقَى (^٩)، ويكَبِّرُ ثَلَاثًا، ويقُولُ: الحَمْدُ للهِ عَلَى مَا هَدَانَا، لَا إِلَهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ يُحْيِي ويُمِيْتُ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوْتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيْرٌ، لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ صَدَقَ وَعْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، لَا إِلَهَ إلاَّ اللهُ، لَا نَعْبُدُ إِلاَّ إِيَّاهُ، مُخْلِصِيْنَ لَهُ الدِّيْنَ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ (^١٠)، ثُمَّ يُلَبِّي ويَدْعُو بِمَا أَحَبَّ، ثُمَّ يَدْعُو ثَانِيًا وثَالِثًا، ثُمَّ يَنْزِلُ مِنَ الصَّفَا ويَمْشِي حَتَّى يَكُوْنَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المِيْلِ الأَخْضَرِ المُعَلَّقِ بِفَنَاءِ المَسْجِدِ نَحْوُ سِتَّةِ أَذْرُعٍ، ثُمَّ
_________________
(١) انظر: الروايتين والوجهين ٥١/ ب.
(٢) الطهارة من الحدث والنجاسة شرائط لصحة الطواف في ظاهر المذهب، وَهُوَ قَوْل مالك والشافعي، وعن أحمد أن الطهارة ليست شرطًا، فمتى طاف للزيارة غَيْر متطهر أعاد ما كان بمكة فإن خرج إلى بلده جبره بدم. انظر: الشرح الكبير ٣/ ٣٩٨.
(٣) هُوَ ما فضل من حائطها. المغني والشرح الكبير ٣/ ٣٩٨.
(٤) وبه قَالَ مالك والشافعي، وَقَالَ أبو حَنِيْفَةَ: يعيد ما كَانَ بمكة فإن رجع جبره بدم؛ لأنه تَرَكَ هيأة فَلَمْ تمنع الأجزاء كترك الرمل والاضطباع. الشرح الكبير ٣/ ٣٩٦.
(٥) قَالَ ابن قدامة ٣/ ٤٠٠: فإن جابرًا رَوَى في صفة حجة النبي ﷺ قَالَ: حَتَّى أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا ثُمَّ تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى﴾ (البقرة: ١٢٥)، فجعل المقام بينه وبين البيت. وحديث جابر هَذَا قد تقدم تخريجه.
(٦) انظر: المغني ٣/ ٤٠١.
(٧) حديث جابر سبق تخريجه.
(٨) فإن لَمْ يرقَ عَلَى الصفا فَلَا شيء عليه، قَالَ القاضي: لَكِنْ يجب عليه أن يستوعب ما بين الصفا والمروة فيلصق عقبيه بأسفل الصفا ثُمَّ يسعى إلى المروة، فإن لَمْ يصعد عليها ألصق أصابع رجليه بأسفل المروة، والصعود عليها هُوَ الأولى اقتداءً بفعل النبي ﷺ، فإن تَرَكَ مِمَّا بينهما شيئًا ولو ذراعًا لَمْ يجزئه حَتَّى يأتي بِهِ. المغني ٣/ ٤٠٤ - ٤٠٥.
(٩) والمرأة لا يسن لها أن ترقى لئلا تزاحم الرجال، وترك ذَلِكَ أستر لها، ولا ترمل في طواف ولا سعي، والحكم في وجوب استيعابها ما بينهما بالمشي كحكم الرجل. المصدر السابق.
(١٠) انظر: المغني والشرح الكبير ٣/ ٤٠٣.
[ ١٩٠ ]
يَسْعَى سَعْيًا شَدِيْدًا حَتَّى يُحَاذِي المِيْلَيْنِ الأَخْضَرَيْنِ اللَّذَيْنِ بِفَنَاءِ المَسْجِدِ، وحَذَا دَارِ العَبَّاسِ (^١)، ثُمَّ يَمْشِي حَتَّى يَصْعَدَ المَرْوَةَ، ويَفْعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، ثُمَّ يَنْزِلَ ويَمْشِي في مَوْضِعِ مشيه الأول ويسعى فِي موضع سَعْيِهِ حَتَّى يَأْتِيَ الصَّفَا يَفْعَلُ ذَلِكَ سَبْعًا، فَإِنْ بَدَأَ بالمَرْوَةِ لَمْ يُجْزِهِ حَتَّى يَبْدَأَ بالصَّفَا (^٢)، والمَرْأَةُ تَمْشِي ولَا تَسْعَى (^٣)، ويُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَسْعَى إلاَّ مُتَطَهِّرًا مُسْتَتِرًا (^٤)، وَقَدْ نَقَلَ الأَثْرَمُ أَنْ الطَّهَارَةَ في السَّعْي كَالطَّهَارَةِ في الطَّوَافِ والمُوَالَاةِ شَرْطٌ (^٥) في الطَّوَافِ والسَّعْي، فَإِنْ خَرَجَ لِحَاجَةٍ وتَطَاوَلَ الفَصْلُ ابْتِدَاءً وإِنْ كَانَ يَسِيْرًا بَنَى، ويَتَخَرَّجُ: أنَّ المُوَالَاةَ سُنَّةٌ فَإِذَا فَرَغَ مَنَ السَّعْي فَإِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا أو مُتَمَتِّعًا حَلَقَ أو قَصَّرَ وتَحَلَّلَ مِنْ عُمْرَتِهِ المُفْرَدَةِ وعُمْرَةِ التَّمَتُّعِ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ سَاقَ هَدْيًا وإن كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ لَمْ يُحِلَّ حَتَّى يَفْرَغَ مِنْ أَفْعَالِ الحَجِّ (^٦)، وإِذَا كَانَ يَوْمُ التَّروِيَةِ (^٧) وَهُوَ الثَّامِنُ مِنْ ذِي الحِجَّةِ خَرَجَ إلى مِنَى فيُصَلَّي بِهَا الظُّهْرَ والعَصْرَ والمَغْرِبَ والعِشَاءَ ويَبِيْتَ بِهَا ويُصَلِّي بِهَا الصُّبْحَ (^٨)، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ عَلَى ثَبِيْرٍ سَارَ إلى المَوْقِفِ واغْتَسَلَ للوقُوفِ وأَقَامَ بِنَمِرَةٍ، وَقِيْلَ: بِعَرَفَةَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، فَإِذَا زَالَتِ خَطَبَ الإِمَامُ خُطْبَةً يُعَلِّمُ النَّاسَ فِيْهَا مَنَاسِكَهُمْ مِنْ مَوْضِعِ الوُقُوفِ ووَقْتِهِ ودَفْعِهِ مِنْ عَرَفَاتٍ، ومَوْضِعِ صَلَاةِ المَغْرِبِ والعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ والمَبِيْتِ بِهَا والغُدُوِّ
_________________
(١) انظر: المصدر السابق: ٣/ ٤٠٥، والمقنع ٧٨ - ٧٩، والانصاف ٤/ ٢٠ - ٢١.
(٢) انظر: المغني: ٣/ ٤٠٦.
(٣) انظر: شرح الزركشي ٢/ ١٨٨، وانظر الشرح الكبير ٣/ ٤٠٨.
(٤) انظر: الانصاف ٤/ ٢١، والمغني ٣/ ٤١٣، والزركشي ٢/ ١٨٨.
(٥) انظر: المغني ٣/ ٤٠٩.
(٦) فَقَدْ رَوَى ابْن عُمَر أن رَسُوْل الله ﷺ لما قدم مَكَّة قَالَ للناس: «من كَانَ مِنْكُمْ أهدى فإنه لَا يحل من شيء حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يقضي حجه، ومن لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أهدى، فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصِّر، وليَحْلِل، ثُمَّ ليصل بالحج، وليهدِ. ومن لَمْ يجد هديًا فليصم ثلاثة أيام فِي الحج وسبعة إِذَا رجع إِلَى أهله». أَخْرَجَهُ أَحْمَد ٢/ ١٣٩، والبخاري ٢/ ٢٥ (١٦٩١)، ومسلم ٤/ ٤٩ (١٢٢٧) (١٧٤)، وأبو داود (١٨٠٥)، والنسائي ٥/ ١٥١.
(٧) سمي بِذَلِكَ لأنهم كانوا يتروون من الماء فِيْهِ يعدونه ليوم عرفة وَقِيْلَ سمي بِذَلِكَ لأن إِبْرَاهِيْم ﵇ رأى ليلته فِي المنام ذبح ابنه فأصبح يروي فِي نفسه أهو حلم أم من الله تَعَالَى؛ فسمي يَوْم التروية فَلَمَّا ليلة عرفة رأى ذَلِكَ أيضًا فعرف أنَّهُ من الله تَعَالَى فسمي يَوْم عرفة. والله أعلم. المغني والشرح الكبير ٣/ ٤٢١.
(٨) لأن النَّبِيّ ﷺ فعل ذَلِكَ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيْث جابر وَقَدْ تقدم تخريجه. وهذا قَوْل سُفْيَان ومالك وَالشَّافِعِيّ وإسحاق وأصحاب الرأي وَلَا يعلم فِيْهِ مخالفًا. المغني: ٣/ ٤٢٣.
[ ١٩١ ]
إلى مِنى للرَّمِي والطَّوَافِ والنَّحْرِ والمَبِيْتِ بِمِنى لِرَمِي الجِمَارِ (^١)، ثُمَّ يَأْمُرُ بالأَذَانِ ويَنْزِلُ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ الظُّهْرَ والعَصْرَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِإِقَامَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ، ولَا يَجُوزُ الجَمْعُ (^٢) والقَصْرُ (^٣) إلاَّ لِمَنْ بَيْنَهُ وبَيْنَ وَطَنِهِ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا (^٤) فَصَاعِدًا، ثُمَّ يَرُوحُ إلى المَوْقِفِ وَهُوَ مِنَ الجَبَلِ المُشْرِفِ عَنْ بَطْنِ عَرَفَةَ إلى الجِبَالِ المُقَابِلَةِ لَهُ إلى مَا يَلِي حَوَائِطَ بَنِي عَامِرٍ وَلَيْسَ وَادِي عَرَفَةَ مِنْ عَرَفَاتٍ، والمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ عِنْدَ الصَّخْرَاتِ وجَبَلِ الرَّحْمَةِ بِقُرْبِ الإِمَامِ ويَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ (^٥) ويَكُونَ رَاكِبًا، وَقِيْلَ: الرَّاجِلُ أَفْضَلُ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَا سَوَاءً (^٦)، ويُكْثِرُ مِنَ الدُّعَاءِ، ويَكُوْنُ أَكْثَرَ قَوْلِهِ: لَا إِلَهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ يُحْيِي ويُمِيْتُ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوْتُ، بِيَدِهِ [الخَيْرُ] (^٧) وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيْرٌ (^٨)، اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي في قَلْبِي نُورًا، وفي بَصَرِي نُوْرًا، وفي سَمْعِي نُوْرًا، ويَسِّرْ لِي أَمْرِي. وَوَقْتُ الوُقُوفِ مِنْ طُلُوعِ الفَجْرِ الثَّانِي مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ إلى صَلَاةِ الفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، فَمَنْ حَصَلَ بِعَرَفَةَ في شَيءٍ مِنْ هَذَا الوَقْتِ وَهُوَ عَاقِلٌ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، ومَنْ
_________________
(١) قَالَ ابْن قدامة فِي المغني ٣/ ٤٢٥، لما تقدم فِي حَدِيْث جابر أن النَّبِيّ ﷺ فعل ذَلِكَ.
(٢) وَلَيْسَ بصحيح لأن النَّبِيّ ﷺ جمع فجمع مَعَهُ من حضره من المكيين وغيرهم وَلَمْ يأمرهم بترك الجمع كَمَا أمرهم بترك القصر حِيْنَ قَالَ: «أتموا فإنا سفر» وَلَوْ حرم الجمع لبينه لَهُمْ إِذْ لَا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة وَلَا يقر النَّبِيّ ﷺ عَلَى الخطأ. وَقَدْ كَانَ عُثْمَان يتم الصَّلَاة لأنَّهُ اتخذ أهلًا وَلَمْ يترك الجمع وروى نحو ذَلِكَ عن ابْن الزُّبَيْرِ. انظر: المغني ٣/ ٤٢٦.
(٣) قَالَ ابْن قدامة ٣/ ٤٢٧: فأما قصر الصَّلَاة فَلَا يجوز لأهل مَكَّة وبهذا قَالَ عطاء ومجاهد والزهري وابن جُرَيْجٍ والثوري ويحيى القطان وَالشَّافِعِيّ واصحاب الرأي وابن المنذر. وَقَالَ القاسم بن مُحَمَّد وسالم ومالك والاوزاعي لَهُمْ القصر؛ لأن لَهُمْ الجمع فكان لَهُمْ القصر كغيرهم. ولنا أنهم فِي غَيْر سفر بعيد فَلَمْ يَجُزْ لَهُمْ القصر كغير من فِي عرفة ومزدلفة. قِيْلَ لأبي عَبْد الله: فرجل أقام بمكة ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الحج قَالَ: إن كَانَ لَا يريد أن يقيم بمكة إِذَا رجع صلى ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، وذكر فعل ابْن عُمَر قَالَ: لان خروجه إِلَى منى وعرفة ابتداء سفر فإن عزم عَلَى أن يرجع فيقيم بمكة أتم بمنى وعرفة.
(٤) لقوله ﷺ: «كُلّ عرفة موقف، وارتفعوا عن بطن عُرنة، وكل المزدلفة موقف، وارتفعوا عن بطن محسِّر، وكل مِنى منحرٌ، إلا مَا وراء العقبة». أَخْرَجَهُ ابْن ماجه (٣٠١٢).
(٥) قَالَ ابْن قدامة ٣/ ٤٢٨: لما جَاءَ فِي حَدِيْث جابر أن النَّبِيّ ﷺ جعل بطن ناقته القصواء إِلَى الصخرات وجعل حبل المشاة بَيْنَ يديه واستقبل القبلة، سبق تخريجه.
(٦) قَالَ أَحْمَد حِيْنَ سئل عن الوقوف راكبًا فَقَالَ: النَّبِيّ ﷺ وقف عَلَى راحلته، وَقِيْلَ الراجل أفضل لأنَّهُ أخف عَلَى الراحلة ويحتمل التسوية بَيْنَهُمَا. المغني ٣/ ٤٢٨.
(٧) فِي الأصل بيده (المَوْتِ) وما أثبتناه من كُتُبِ المذهب.
(٨) أَخْرَجَهُ أَحْمَد ٢/ ٢١٠، والترمذي (٣٥٨٥).
[ ١٩٢ ]
فَاتَهُ ذَلِكَ فَقَدْ فَاتَهُ الحَجُّ، وَمَنْ أَدْرَكَ الوُقُوْفَ بالنَّهَارِ وَقَفَ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَإِنْ دَفَعَ قَبْلَ الغُرُوبِ لَزِمَهُ دَمٌ (^١)، وإِنْ وَافَى عَرَفَةَ لَيْلًا فَوَقَفَ بِهَا فَلَا دَمَ عَلَيْهِ (^٢)، ثُمَّ يَدْفَعُ بَعْدَ الغُرُوبِ إلى المُزْدَلِفَةِ عَلَى طَرِيْقِ المَأْزِمَيْنِ (^٣)، ويَسِيْرُ وعَلَيْهِ السَّكِيْنَةُ والوَقَارُ (^٤) فَإذَا وَجَدَ فُرْجَةً أَسْرَعَ، فَإِذَا وَصَلَ إلى مُزْدَلِفَةَ صَلَّى بِهَا المَغْرِبَ والعِشَاءَ قَبْلَ حَطِّ الرِّحالِ (^٥)، وإِنْ صَلَّى المَغْرِبَ في طَرِيْقِ المُزْدَلِفَةِ أَجْزَأَهُ (^٦)، ثُمَّ يَبِيْتُ بِهَا إلى أَنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ الثَّانِي ويَأْخُذَ مِنْهَا حَصَى الجِمَارِ (^٧)، ومِنْ حَيْثُ أَخَذَ جَازَ ويَكُوْنُ أَكْبَرَ مِنَ الحِمَّصِ ودُوْنَ البُنْدُقِ (^٨)، وَعَدَدُهُ سَبْعُونَ حَصَاةً، وهَلْ يُسَنُّ غَسْلُهُ؟ عَلَى
_________________
(١) ذهب أكثر أهل العِلْم ومنهم عطاء والثوري وَالشَّافِعِيّ وأبو ثور وأصحاب الرأي ومن تبعهم عَلَى أنَّهُ عَلَى من دفع قَبْلَ الغروب دم. وَقَالَ ابْن جُرَيْجٍ عَلَيْهِ بدنة، وَقَالَ الحسن البصري عَلَيْهِ هدي من الابل. قَالَ ابْن قدامة: ولنا انه واجب لَا يفسد الحج بفواته فَلَمْ يوجب البدنة كالاحرام من الميقات. انظر: المغني ٣/ ٤٣٣.
(٢) لقوله ﵊: «من أدرك عرفة قَبْلَ أن يطلع الفجر فَقَدْ أدرك الحج». أَخْرَجَهُ الطيالسي (١٣٠٩) و(١٣١٠)، والحميدي (٨٩٩)، وأحمد ٤/ ٣٠٩ و٣١٠ و٣٣٥، وعبد بن حُمَيْدٍ (٣١٠)، والدارمي (١٨٩٤)، وأبو داود (١٩٤٩)، وابن ماجه (٣٠١٥)، والترمذي (٨٨٩) و(٢٩٧٥)، والنسائي ٥/ ٢٦٤، وابن خزيمة (٢٨٢٢)، والطحاوي فِي " شرح المعاني " ٢/ ٢٠٩ - ٢١٠، وفي " شرح المشكل " (٣٣٦٩)، وابن حبان (٣٨٩٢)، والدارقطني ٢/ ٢٤٠، والحاكم ١/ ٤٦٤ و٢/ ٢٧٨، والبيهقي ٥/ ١١٦ و١٥٢ و١٧٣، والبغوي (٢٠٠١)، والمزي فِي تهذيب الكمال ١٨/ ٢٢.
(٣) لأنَّهُ يروى أن النَّبِيّ ﷺ سلكها وَإِنْ سلك الطريق الاخرى جاز. المغني ٣/ ٤٢٧.
(٤) لقول النَّبِيّ ﷺ فِي حَدِيْث جابر: أيها النَّاس السكينة السكينة. وَقَدْ تقدم تخريجه.
(٥) قَالَ ابْن قدامة فِي المغني ٣/ ٤٣٨: لَا خلاف فِي هَذَا قَالَ ابْن المنذر: «أجمع أهل العِلْم لَا اخْتِلَاف بَيْنَهُمْ إن السُّنَّة أن يجمع الحاج بَيْنَ المغرب والعشاء والأصل فِي ذَلِكَ أن النَّبِيّ ﷺ جمع بَيْنَهُمَا رَوَاهُ جابر وابن عُمَر وأسامة وأبو أيوب وغيرهم وأحاديثهم صحاح».
(٦) قَالَ ابْن قدامة ٣/ ٤٤٠: فإن صلى المغرب قَبْلَ أن يأتي مزدلفة وَلَمْ يجمع خالف السُّنَّة وصحت صلاته وبه قَالَ عطاء وعروة والقاسم بن مُحَمَّد وسعيد بن جبير ومالك وَالشَّافِعِيّ وإسحاق وأبو ثور وأبو يوسف وابن المنذر وَقَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ والثوري لَا يجزئه لأن النَّبِيّ ﷺ جمع بَيْنَ الصلاتين فكان نسكًا وَقَدْ قَالَ: «خذوا عَنِّي مناسككم».
(٧) انظر: المصدر السابق.
(٨) وهذا القول للأثرم، وَكَانَ ابْن عُمَر يرمي بمثل بعر الغنم، فَإِنْ رمى بحجر كبير فَقَدْ روي عن أَحْمَد أنه قَالَ: لَا يجزئه حَتَّى يأتي بالحصى عَلَى مَا فعل النَّبِيّ ﷺ وذلك لأن النَّبِيّ ﷺ أمر بهذا القدر ونهى عن تجاوزه والأمر يقتضي الوجوب، والنهي يقتضي فساد المنهي عَنْهُ، ولأن الرمي بالكبير رُبَّمَا آذى من يصيبه وَقَالَ البعض يجزئه مَعَ تركه للسنة لأنَّهُ قَدْ رمى بالحجر وَكَذَلِكَ الحكم فِي الصغير. المصدر السابق: ٤٤٦.
[ ١٩٣ ]
رِوَايَتَيْنِ (^١)، وإِنْ دَفَعَ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ جَازَ، وإِنْ دَفَعَ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ لَزِمَهُ دَمٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيْلَ: فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ (^٢)، فَإِنْ وَافَى مُزْدَلِفَةَ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وإِنْ وَافَاهَا بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ فَعَلَيْهِ دَمٌ. وَحَدُّ المُزْدَلِفَةِ مَا بَيْنَ المَأْزِمَيْنِ وَوَادِي مُحَسِّرٍ، فَإِذَا أَصْبَحَ بِهَا صَلَّى الفَجْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، ثُمَّ يَأْتِي قَزْحَ جَبَلٍ، وَهُوَ المَشْعَرُ الحَرَامُ فَيَرْقَا عَلَيْهِ، وإِنْ أَمْكَنَهُ وَإِلاَّ وَقَفَ عِنْدَهُ، ويَحْمَدُ اللهَ، ويُهَلِّلُهُ، ويُكَبِّرُهُ، ويَدْعُو، ويَكُوْنُ مِنْ دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ كَمَا وَفَقتَنا فِيْهِ، وأَرَيْتَنَا إِيَّاهُ، فَوَفِّقْنَا لِذِكْرِكَ كَمَا هَدَيْتَنَا، وارْحَمْنَا كَمَا وَعَدْتَنَا بِقَوْلِكَ وَقَوْلِكَ الحق: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿غَفُوْرٌ رَحِيْمٌ﴾ إلى أَنْ يُسْفِرَ، ثُمَّ يَدْفَعُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإِذَا بَلَغَ وَادِي مُحَسِّرٍ سَعَى إِنْ كَانَ مَاشِيًا، وحَرَّكَ دَابَّتَهُ إنْ كَانَ رَاكِبًا قَدْرَ رَمْيَةِ حَجَرٍ.
فَإِذَا وَصَلَ إلى مِنَى- وَحَدُّ منى مِنْ جَمْرَةِ العَقَبَةِ إلى وَادِي مُحَسِّرٍ (^٣) - فَإِنَّهُ يَبْدَأُ بِجَمْرَةِ العَقَبَةِ فَيَرْميهَا بِسَبْعِ حَصَيَّاتٍ، وَاحِدَةٌ بَعْدَ وَاحِدَةٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ (^٤)، ويَعْلَمُ حُصُولَهَا في المَرْمَى، فَإِنْ رمى بِغَيْرِ الحَصَى مِثْلِ: الكُحْلِ والرُّخَامِ والبِرَامِ (^٥) والذَّهَبِ والفِضَّةِ ومَا أَشْبَهَهُ، أو رَمَى بِحَجَرٍ قَدْ رُمِيَ بِهِ أَخَذَهُ مِنَ المَرْمَى لَمْ يُجْزِهِ (^٦). والأَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَاشِيًا، ويَرْفَعَ يَدَيْهِ في الرْمي حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبطَيْهِ، ويَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ أَوَّلِ حَصَاةٍ، ويَرْمِي بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإِنْ رَمَى بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ أَجْزَأَهُ. وإِذَا رَمَى نَحَرَ
_________________
(١) انظر: الرِّوَايَتَيْنِ والوجهين (٥٢/ب). وَقَالَ ابْن قدامة ٣/ ٤٤٦ - ٤٤٧: واختلف عن أَحْمَد فِي ذَلِكَ فروي عَنْهُ أنه مستحب لأنَّهُ روي عن ابْن عُمَر أنَّهُ غسله وَكَانَ طاوس يفعله، وَكَانَ ابْن عُمَر يتحرى سنة النَّبِيّ ﷺ وعن أَحْمَد أنه لَا يستحب وَقَالَ: لَمْ يبلغنا أن النَّبِيّ ﷺ فعله وهذا الصَحِيْح وَهُوَ قَوْل عطاء ومالك وكثير من أهل العِلْم فإن النَّبِيّ ﷺ لما لقطت لَهُ الحصيات وَهُوَ راكب عَلَى بعيره يقبضهن فِي يده لَمْ يغسلهن وَلَا أمر بغسلهن وَلَا فِيْهِ معنى يقتضيه، فَإِنْ رمي بحجر نجس أجزأه لأنَّهُ حصاة، ويحتمل أن لَا يجزئه لأنَّهُ يؤدي بِهِ العبادة فاعتبرت طهارته كحجر الاستجمار وتراب التيمم، وإن غسله ورمى بِهِ أجزأه وجهًا واحدًا. وعدد الحصا سبعون حصاة يرمي مِنْهَا بسبع يَوْم النحر وسائرها فِي أيام منى والله أعلم.
(٢) انظر: الرِّوَايَتَيْنِ والوجهين (٥٢/ب).
(٣) وقد قامت حكومة المملكة العربية السعودية بوضع علامات كبيرة ترشد الحجّاج إلى حدود مِنى وغيرها من مواطن الشعائر المقدسة.
(٤) فإن قَالَ مَعَ رمية كُلّ حصاة: «اللهم اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وعملًا مشكورًا» فحسن؛ لأن ابن مسعود وابن عمر كانا يقولان ذَلِكَ. انظر: المغني ٣/ ٤٤٨.
(٥) هُوَ نوع من المعادن. انظر: الفروع ٢/ ٣٦٥، والإنصاف ٣/ ١٢٠ و٤/ ٣٦.
(٦) هَذَا اختيار المصنف تبعًا لشيخه القاضي أبي يعلى، وفي المذهب أقوال أخرى: منها الإجزاء مَعَ الكراهة. انظر: المغني ٣/ ٤٤٦، وشرح الزركشي ٢/ ٢١٢.
[ ١٩٤ ]
هَدْيًا إِنْ كَانَ مَعَهُ، وحَلَقَ أو قَصَّرَ جَمِيْعَ رَأْسِهِ لَا يُجْزِيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، والأُخْرَى: يُجْزِيْهِ بَعْضُهُ كَالمَسْحِ (^١). فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَعْرٌ اسْتُحِبَّ أَنْ يُمِرَّ المُوْسَ عَلَى رَأْسِهِ، والمَرْأَةُ تُقَصِّرُ مِنْ شَعْرِهَا قَدْرَ الأَنْمَلَةِ ولَا تَحْلِقُ (^٢). والحِلَاقُ والتَّقْصِيْرُ نُسُكٌ، وَعَنْهُ: أنَّهُ إِطْلَاقٌ مِنْ مَحْظُوْرٍ (^٣)، فَإِنْ قَدَّمَ الحِلَاقَ عَلَى الرَّمْي أو عَلَى النَّحْرِ جَاهِلًا لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ لِذَلِكَ فَلَا شَيءَ عَلَيْهِ، وإِنْ كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ، فَهَلْ عَلَيْهِ دَمٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (^٤). وإِذَا أَخَّرَ الحِلَاقَ عَنْ أَيَّامِ مِنى، فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (^٥)، ثُمَّ يَخْطُبُ بِمِنى يَوْمَ النَّحْرِ خطبة يُعَلِّمُهُمْ فِيْهَا النَّحْرَ والإِفَاضَةَ والرَّمْيَ، نَصَّ عَلَيْهِ في رِوَايَةِ صَالِحٍ، وسَأَلَهُ ابنُ القَاسِمِ: هَلْ يُخْطَبُ يَوْمُ النَّحْرِ؟ قَالَ: يُخْطَبُ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ؟ فَعَلَى هَذَا لا خُطْبَةَ في يَوْمِ النَّحْرِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِنَا.
ثُمَّ يُفِيْضُ إلى مَكَّةَ، فَيَغْتَسِلُ وَيَطُوْفُ طَوَافَ الزِّيَارَةِ ويُعَيْنُهُ بالنِّيَّةِ. وأَوَّلُ وَقْتِهِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ، والمُسْتَحَبُّ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي يَوْمِ النَّحْرِ، فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْهُ وعَنْ أَيَّامِ مِنى جَازَ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ: فَإِنْ كَانَ قَدْ سَعَى مَعَ طَوَافِ القُدُومِ لَمْ يَسْعَ، وإِنْ كَانَ لَمْ يَسْعَ أَتَى بالسَّعْي.
ولِلْحَجِّ تَحَلُّلَانِ:
الأَوَّلُ: يَحْصُلُ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وهِيَ الرَّمْيُ والحَلْقُ والطَّوَافُ.
والثَّانِي: يَحْصُلُ بالثَّالِثِ.
إذَا قُلْنَا: الحِلَاقُ نُسُكٌ - وَهُوَ الصَّحِيْحُ -، وإنْ قُلْنَا: لَيْسَ بِنُسُكٍ، حَصَلَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلُ بِوَاحِدٍ مِنِ اثْنَتَيْنِ: الرَّمْي والطَّوَافِ، وحَصَلَ الثَّانِي بالآخَرِ. ويُبَاحُ لَهُ بالتَّحَلُّلِ
_________________
(١) انظر: شرح الزركشي ٢/ ٢١٦ - ٢١٧.
(٢) نقل ابن المنذر الإجماع عَلَى هَذَا، وعلى ما قبله. انظر: الإجماع ٥٥/ (١٩٨) و(١٩٩).
(٣) انظر: الروايتين والوجهين ٥٣/ أ، وعلى الرواية الثانية إن تركه فَلَا شيء عليه ويحصل الحل بدونه، وعلى الأولى إن تركه عَلَيْهِ الفدية. انظر: المغني ٣/ ٤٥٨، وشرح الزركشي ٢/ ٢١٨. وَقَالَ الزركشي: «ليس عند أحمد -فِيْمَا علمت- قَوْل يدل عَلَى إباحته حَتَّى يَقُوْل: إنه إطلاق محظور، بل نصوصه متوافرة عَلَى مطلوبيته، وذم تاركه، نعم … عنه ما يدل عَلَى أنه غير واجب، قَالَ في الَّذِي يصيب أهله في العمرة: الدم كَثِيْر، وَقَالَ فيمن اعتمر وطاف وسعى وَلَمْ يقصر حَتَّى أحرم بالحج: بئس ما صنع، وليس عليه شيء. ومن هَذَا أو شبهه أخذ أنَّهُ إطلاق محظور. ومن هنا يعلم إن جزم القاضي بأنه نسك يثاب عَلَى فعله، ويذم عَلَى تركه، وإن حكاية أبي البركات الخلاف في وجوبه أجود من عبارة غيرهما أنَّهُ نسك أو إطلاق محظور». شرح الزركشي ٢/ ٢٢٠.
(٤) انظر: الروايتين والوجهين ٥٢/ ب.
(٥) انظر: الإنصاف ٤/ ٤٠.
[ ١٩٥ ]
الأَوَّلِ كُلُّ شَيءٍ مِنْ مَحْظُورَاتِ الإِحْرَامِ إلاَّ النِّسَاءِ، اخْتَارَهُ الخِرَقِيُّ (^١) وعَامَّةُ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ في رِوَايَةِ أبي طَالِبٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أنَّهُ يُبَاحُ لَهُ كُلُّ شَيءٍ إلاَّ الوَطْأَ في الفَرْجِ (^٢).
ثُمَّ يَأْتِي زَمْزَمَ فَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ويَقُوْلُ: «بِسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا عِلْمًا نَافِعًا، ورِزْقًا وَاسِعًا، ورِيًّا وشِبْعًا، وشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ، واغْسِلْ بِهِ قَلْبِي وامْلأْهُ مِنْ خَشْيَتِكَ (^٣)». ثُمَّ يَعُودُ بَعْدَ ذَلِكَ إلى مِنى ويَبِيْتُ بِهَا ثَلَاثَ لَيَالٍ إلاَّ أنْ يَخْتَارَ أنْ يتَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ، ويَرْمِي الجَمَرَاتِ الثَّلَاثَ في أَيَّامِ التَّشْرِيْقِ بَعْدَ الزَّوَالِ (^٤)، كُلُّ جَمرَةٍ في كُلِّ يَوْمٍ بِسَبْعِ حَصَيَّاتٍ - كَمَا وَصَفْنَا في جَمْرَةِ العَقَبَةِ -، فَيَبْدَأُ بالجَمرَةِ الأُوْلَى، وَهِيَ أَبْعَدِ الجَمرَاتِ مِنْ مَكَّةَ وتَلِي مَسْجِدَ الخَيْفِ، فَيَجْعَلُهَا عَلَى يَسَارِهِ ويَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ ويَرْمِيْهَا، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ عَنْهَا إلى مَوْضِعٍ لَا يُصِيْبُهُ الحَصَى، ويَقِفُ بِقَدْرِ قِرَاءَةِ سُوْرَةِ البَقَرَةِ (^٥)، يَدْعُو اللهَ تَعَالَى. ثُمَّ يَرْمِي الجَمرَةَ الوُسْطَى ويَجْعَلُهَا عَنْ يَمِيْنِهِ، ويَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ ويَفْعَلُ بَعْدَ الدُّعَاءِ والوُقُوفِ كَمَا فَعَلَ في الأُوْلَى. ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ العَقَبَةِ ويَجْعَلُهَا عَنْ يَمِيْنِهِ، ويَسْتَبْطِنُ الوَادِي ويَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ، ولَا يَقِفُ عِنْدَهَا، والتَّرْتِيْبُ شَرْطٌ في الرَّمْي، وكَذَلِكَ عَدَدُ الحَصَى، فَإِنْ أَخَلَّ بِحَصَاةٍ مِنَ الأُوْلَى، لَمْ يَصِحَّ رَمْيُ الثَّانِيَةِ حَتَّى يُكْمِلَ الأُوْلَى، فَإِنْ أَخَلَّ بحصاة لَا يَدْرِي مِنْ أَيِّ الجِمَارِ تَرَكَهَا بَنَى عَلَى اليَقِيْنِ.
ومَنْ تَرَكَ الوُقُوفَ عِنْدَهَا والدُّعَاءَ، أَو أَخَّرَ الرَّمْيَ اليَوْمَ الأَوَّلَ فَرَمَاهُ في الثَّانِي، أَوْ أَخَّرَ الرَّمْيَ كُلَّهُ إلى آخِرِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيْقِ تَرَكَ السُّنَّةَ ولَا شَيءَ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ يُقَدِّمُ بالنِّيَّةِ رَمْيَ اليَوْمِ الأَوَّلِ، ثُمَّ الثَّانِي ثُمَّ الثَّالِثِ. وإِنْ تَرَكَ الرَّمْيَ حَتَّى مضت أَيَّامُ التَّشْرِيْقِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وإِنْ تَرَكَ حَصَاةً فَفِيْهَا أَرْبَعُ رِوَايَاتٍ (^٦):
أَحَدُهَا: يَلْزَمُهُ دَمٌ.
والثَّانِيَةُ: يَلْزَمُهُ مُدٌّ، وفي حَصَاتَيْنِ مُدَّانِ، وفي ثَلَاثَةٍ دَمٌ كَالشَّعْرِ.
والثَّالِثَةُ: يَلْزَمُهُ نِصْفُ دِرْهَمٍ.
والرَّابِعَةُ: لَا شَيءَ عَلَيْهِ.
_________________
(١) مختصره.
(٢) انظر: المغني ٣/ ٤٦٢، وشرح الزركشي ٢/ ٢١٧.
(٣) في المغني ٣/ ٤٧١: «وحكمتك»، وفي الهادي: ٦٩: «وخشيتك»، وفي المقنع: ٨١: «خشيتك وحكمتك».
(٤) فإن رمى قَبْلَ الزوال لَمْ يجزءه نصَّ عَلَيْهِ الإمام أَحْمَد. انظر: المغني ٣/ ٤٧٦.
(٥) المنقول عن الإمام أَحْمَد التطويل فِي الدعاء من غَيْر تقدير وَلَمْ نقف عَلَى مَا يشابه تمثيل أَبِي الخَطَّاب فِي شيء من كَتَبَ المذهب وانظر المغني ٣/ ٤٧٥.
(٦) انظر: الروايتين والوجهين ٥١/ أ - ب، والهادي: ٦٩.
[ ١٩٦ ]
وإِنْ تَرَكَ المَبِيْتَ لَيَالِيَ مِنى لَزِمَهُ دَمٌ، وفي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ الرِّوَايَاتُ الأَرْبَعُ.
ويَجُوْزُ لأَهْلِ سِقَايَةِ [الحَاجِّ] (^١) ورُعَاةِ الإِبِلِ أَنْ يَدْعُوا المَبِيْتَ لَيَالِيَ مِنى، ويَرْمُوا في اليَوْمِ [الأَوَّلِ] (^٢) مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيْقِ، فَإِنْ أَقَامُوا إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ لَزِمَ الرَّعَاةَ البيتوتة وَلَمْ يَلْزَمْ أَهْلَ السِّقَايَةِ.
ويَخْطُبُ الإِمَامُ في اليَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيْقِ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، ويُعَرِّفُ النَّاسَ حُكْمَ التَّعْجِيْلِ والتَّأْخِيْرِ ويُوَدِّعَهُمْ، فَمَنْ نَفَرَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ دَفَنَ مَا بَقِيَ مَعَهُ مِنَ السَّبْعِيْنَ حَصَاةً المَسْنُوْنَةِ لِرَمْي الجِمَارِ، ومَنْ أَقَامَ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ لَزِمَتْهُ البَيْتُوْتَةُ والرَّمْيُ مِنَ الغَدِ.
وَإِذَا نَفَرَ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ الأَبْطَحَ - وَهُوَ: المُحَصَّبُ -، وَحَدُّهُ: مَا بَيْنَ الجَبَلَيْنِ إلى المَقْبَرَةِ، فَيُصَلِّي بِهِ الظُّهْرَ والعَصْرَ، والمَغْرِبَ والعِشَاءَ، ثُمَّ يَهْجَعُ يَسِيْرًا، ثُمَّ يَدْخُلَ مَكَّةَ.
ويُسْتَحَبُّ لِمَنْ حَجَّ أَنْ يَدْخُلَ البَيْتَ حَافِيًا ويُصَلِّي فِيْهِ نَفْلًا، ثُمَّ يَأْتِي زَمْزَمَ (^٣) فَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا [إِذَا] (^٤) أَحَبَّ ويَتَضَلَّعُ مِنْهُ، وأَنْ يُكْثِرَ الاعْتِمَارَ والنَّظَرَ إلى البَيْتِ. وإِذَا أَرَادَ الخُرُوجَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ طَافَ للوَدَاعِ وَلَمْ يقم بعده، فإن أقام أعاد طواف الوداع ومن تَرَكَ طواف القدوم أَوْ طواف الزيارة فطافه عِنْدَ الخروج اجزئه عن طواف الوداع، نَصَّ عَلَيْهِ في رِوَايَةِ ابنِ القَاسِمِ.
وَطَوَافُ الوَدَاعِ وَاجِبٌ، فَمَنْ تَرَكَهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ إلاَّ الحَائِضَ، فَإنَّهَا إِذَا خَرَجَتْ مِنْ مَكَّةَ وَهِيَ حَائِضٌ لَمْ يَلْزَمْهَا شَيءٌ (^٥). والقَارِنُ كَالمُفْرِدِ فِيْمَا ذَكَرْنَا، وإِذَا فَرَغَ مِنَ الوَدَاعِ وَقَفَ في المُلْتَزَمِ بَيْنَ الرُّكْنِ والبَابِ (^٦)، ويَقُوْل: «اللَّهُمَّ هَذَا بَيْتُكَ، وَأَنَا عَبْدُكَ وابْنُ أَمَتِكَ، حَمَلْتَنِي عَلَى مَا سَخَّرْتَ لِي مِنْ خَلْقِكَ، وسَيَّرْتَنِي في بِلَادِكَ حَتَّى بَلَغْتَنِي بِنِعْمَتِكَ إلى بَيْتِكَ، وأَعَنْتَنِي عَلَى أَدَاءِ نُسُكِي، فَإِنْ كُنْتَ رَضِيْتَ عَنِّي فَازْدَدْ عَنِّي رِضًا، وإِلاَّ فَمِنَ الآنَ
_________________
(١) في الأصل: «العباس» وليست بشيء، وما أثبتناه من كتب المذهب.
(٢) في الأصل: «بياض موضعها»، والمثبت من كتب المذهب.
(٣) في الأصل: «زمزمًا».
(٤) في الأصل: «لما»، وما أثبتنا أوفق بالسياق.
(٥) بلا نزاع، وهو مقيد بِمَا إذا لَمْ تطهر قبل مفارقة البنيان. فإن طهرت قَبْلَ مفارقة البنيان لزمها العود للوداع. وإن طهرت بعد مفارقة البنيان لَمْ يلزمها العود، وَلَوْ كَانَ قبل مسافة القصر. الإنصاف ٤/ ٥٢.
(٦) قَالَ صاحب الإنصاف ٤/ ٥٢: وهذا بلا نزاع بين الأصحاب. وذكر أحمد: أنه يأتي الحطيم أيضًا - وهو تحت الميزاب - فيدعو.
[ ١٩٧ ]
قَبْلَ أنْ تَنْأَى عَنْ بَيْتِكَ دَارِي، هَذَا أَوَانُ انْصِرَافِي إِنْ أَذِنْتَ إِلَيِّ غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِكَ ولَا بِبَيْتِكَ وَلَا رَاغِبٍ عَنْكَ وَلَا عَنْ بَيْتِكَ، اللَّهُمَّ فَاصْحِبْنِي العَافِيَةَ في بَدَنِي، والصِّحَّةَ في جِسْمِي، والعِصْمَةَ في دِيْنِي، وأَحْسِنْ مُنْقَلَبِي، وارْزُقْنِي طَاعَتَكَ مَا أَبْقَيْتَنِي، واجمَعْ لِي خَيْرَ (^١) الدُّنْيَا والآخِرَةِ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيْرٌ». ومَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الدُّعَاءِ فَحَسَنٌ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، إِلاَّ أَنَّ المَرْأَةَ إِذَا كَانَتْ حَائِضًا لَمْ تَدْخُلِ المَسْجِدَ، وَوَقَفَتْ عَلَى بَابِهِ فَدَعَتْ بِذَلِكَ، وتُسْتَحَبُّ المُجَاوَرَةُ بِمَكَّةَ.
وإِذَا فَرَغَ مِنَ الحَجِّ اسْتُحِبَّ لَهُ زَيَارَةُ قَبْرِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ (^٢) وقَبْرِ صَاحِبَيْهِ ﵄.