وَإِذَا قَالَ المُؤَذِّنُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَامَ إلى الصَّلَاةِ النَّاسُ، ثُمَّ سَوَّى الصُّفُوْفَ إِنْ كَانَ إمَامًا، ثُمَّ يَنْوِي الصَّلَاةَ بِعَيْنِهَا؛ إنْ كَانَتْ مَكْتُوبَةً، أو سُنَّةً مُعَيَّنَةً. وهَلْ تُشْتَرَطُ نِيَّةُ القَضَاءِ إنْ كَانَتْ فَائِتَةً؟ عَلَى وجْهَيْنِ (^٣). وإنْ كَانَتْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ؛ أجْزَأَتْهُ نِيَّةُ الصَّلَاةِ.
قَالَ ابنُ حَامِدٍ (^٤): لَا بُدَّ في المَكْتُوبَةِ أنْ يَنْوِيَ الصَّلَاةَ بِعَيْنِهَا فَرْضًا.
ويَجُوْزُ تَقْدِيْمُ النِّيَّةِ عَلَى التَّكْبِيْرِ بالزَّمَانِ اليَسِيْرِ إِذَا لَمْ يَفْتَتِحْهَا.
ويَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِقَوْلِهِ: «اللهُ أَكْبَرُ»، لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُ ذَلِكَ. فَإِنْ لَمْ يُحْسِنِ التَّكْبِيْرَ بالعَرَبِيَّةِ؛ لَزِمَهُ أنْ يَتَعَلَّمَ. فَإِنْ خَشِيَ فَوَاتَ الصَّلَاةِ؛ كَبَّرَ بِلُغَتِهِ. ويَجْهَرُ بالتَّكْبِيْرِ؛ إنْ كَانَ إمَامًا بِقَدْرِ مَا يُسْمِعْ مَنْ خَلْفَهُ، والمَأْمُومُ بِقَدْرِ مَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ، كَقَوْلِنَا في القِرَاءةِ.
ويَمُدُّ أَصَابِعَهُ ويَضُمُّ بَعْضَهَا إلى بَعْضٍ، ثُمَّ يَرْفَعُ يَديْهِ مَعَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيْرِ إلى مَنْكِبَيْهِ، وعَنْهُ: أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ رَفْعِهَا إلى فُرُوْعِ أُذُنَيْهِ (^٥). فَإِذَا انْقَضَى التَّكْبِيْرُ حَطَّ يَدَيْهِ، وأَخَذَ بِكَفِّهِ الأيْمَنِ كُوْعَهُ الأَيْسَرَ ويَجْعَلُهُما تَحْتَ سُرَّتِهِ. وعَنْهُ: تَحْتَ صَدْرِهِ. وعَنْهُ: أنَّهُ مُخَيَّرٌ في ذَلِكَ (^٦).
_________________
(١) انظر: المقنع: ٢٧، والمغني ١/ ٤٨٩ - ٤٩٠.
(٢) انظر قوله في المغني ١/ ٤٩٠.
(٣) انظر: المقنع: ٢٧، وجاء في المحرر ١/ ٥٢: «ولا تجب نية الفرض للفرض، ولا نية القضاء للفائتة. وَقَالَ ابن حامد: يجبان».
(٤) انظر: قوله في المحرر ١/ ٥٢.
(٥) انظر: الروايتين والوجهين ١٤ / ب.
(٦) انظر: الروايتين والوجهين ١٤ / ب - ١٥ / أ، ينظر في هذه المسألة مفصلًا أثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء: ٤٢٩ - ٤٤٠.
[ ٨١ ]
ويَنْظُرُ إلى مَوْضِعِ سُجُوْدِهِ، ثُمَّ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ، فَيَقُولُ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ، وبِحَمْدِكَ، وتَبَارَكَ اسْمُكَ، وتَعَالَى جَدُّكَ، ولَا إِلَهَ غَيْرُكَ» (^١). ثُمَّ يَسْتَعِيْذُ، فَيَقُولُ: أَعُوْذُ باللهِ السَّمِيْعِ العَلِيْمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ، إِنَّهُ الله هُوَ السَّمِيْعُ العَلِيْمُ (^٢).
ثُمَّ يَقْرَأُ: بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ، ولا يَجْهَرُ بِجَمِيْعِ ذَلِكَ (^٣). ثُمَّ يَقْرَأُ
الفَاتِحَةَ (^٤) ويُرَتِّبُهَا، ويَأتِي فِيْهَا بإِحْدَى عَشْرَةَ تَشْدِيْدَةً عَلَى الرِّوَايَةِ الصَّحِيْحَةِ وأنَّ:
«بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ» لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِنَ الفَاتِحَةِ، وعَلَى أنَّهَا مِنْهَا (^٥)؛ فَيَأَتِي بِأَرْبَعَ عَشْرَةَ تَشْدِيْدَةً. فَإِنْ تَرَكَ تَرْتِيْبَهَا، أوْ تَشْدِيْدَةً مِنْهَا أَعَادَ، وإِنْ قَطَعَ قِرَاءةَ الفَاتِحَةِ بِذِكْرٍ، مِثْل: آمِيْنَ، ونَحْوِهِ، أو سَكَتَ سُكُوتًا يَسِيْرًا؛ أَتَمَّ قِرَاءتَهَا وأَجْزَأَتْهُ. وإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَثِيْرًا في العَادَةِ؛ اسْتَأْنَفَ قِرَاءتَهَا.
فَإذَا قَالَ: ولَا الضَّالِّيْنَ؛ قَالَ: آمِيْنَ، يَجْهَرُ بِهَا الإمَامُ والمأْمُومُ فِيْمَا يُجْهَرُ بالقِرَاءةِ (^٦). ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدَ الفَاتِحَةِ بِسُورَةٍ، وتَكُونُ في الصُّبْحِ [من] (^٧) طِوَالِ المُفَصَّلِ، وفي المَغْرِبِ مِنْ قِصَارِهِ، وفي البَقِيَّةِ مِنْ أَوَاسِطِهِ.
ويَجْهَرُ الإمَامُ في الصُّبْحِ، وفي الأُوْلَيَيْنِ مِنَ المَغْرِبِ والعِشَاءِ.
ومَنْ لَا يُحْسِنُ الفَاتِحَةَ، وضَاقَ وَقْتُ الصَّلَاةِ عَنْ تَعْلِمِهَا؛ قَرَأَ بَقَدْرِهَا فِي عَدَدِ الحُرُوفِ. وَقِيْلَ: بَلْ فِي عَدَدِ الآيَاتِ مِنْ غَيْرِهِا (^٨). فَإنْ كَانَ لَا يُحْسِنُ الآيَةَ؛ كَرَّرَهَا
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٧٧٦)، وابن ماجه (٨٠٦)، والترمذي (٢٤٣)، والطحاوي في شرح المعاني ١/ ١٩٨، والدارقطني ١/ ٢٣٥ و٢٩٩ و٣٠١، والحاكم ١/ ٢٣٥، والبيهقي ٢/ ٣٤: وَقَالَ عَنْهُ البَيْهَقِيّ «وأصح ما رُوِي فِيْهِ الأثر الموقوف عَلَى عمر».
(٢) لقوله تَعَالَى: ﴿فَإذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ باللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ﴾. النحل: ٩٨. وجاء في المغني ١/ ٥١٩: «وعن أحمد أنه يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم …، وهذا متضمن للزيادة، ونقل حنبل عنه: أنه يزيد بَعْدَ ذَلِكَ: إن الله هُوَ السميع العليم، وهذا كله واسع، وكيفما استعاذ، فهو حسن».
(٣) جاء في المغني ١/ ٥١٨: «قَالَ أحمد: ولا يجهر الإمام بالافتتاح، وعليه عامة أهل العلم؛ لأن النَّبِيّ ﷺ لَمْ يجهر بِهِ، وإنما جهر بِهِ عمر؛ ليُعْلِمَ الناسَ».
(٤) وجاء في المغني ١/ ٥٢٠ أن المَشْهُوْر عَنْ أحمد - نقله جَمَاعَة - أن قراءة الفاتحة واجبة في الصَّلَاة، وركن من أركانها، ولا تصح إلا بِهَا.
(٥) لأن الرِّوَايَة اختلفت عَنْ أحمد، هل البسملة آية من الفاتحة أم لا؟ انظر:: الرِّوَايَتَيْنِ والوجهين ١٥/ أ.
(٦) لقوله ﷺ: «إذا قَالَ الإمام: غَيْر المغضوب عَلَيْهِمْ وَلَا الضالين، فقولوا: آمين». رَوَاهُ البُخَارِيّ ٦/ ٢١ (٤٤٧٥)، ومسلم ٢/ ١٨ (٤١٠) (٧٦). قال ماهر: وقد جليت المسألة في كتابي " أثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء: ٥١٣ - ٥٢٢.
(٧) في المخطوط: «و».
(٨) انظر: العمدة: ٢١.
[ ٨٢ ]
بِقَدْرِهَا. فَإِنْ قَرَأَ بِمَا يَخْرُجُ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ (^١) كَقِرَاءةِ ابنِ مَسْعُودٍ (^٢)، وغَيْرِهِ؛ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ. وعَنْهُ: أنَّهَا تَصِحُّ (^٣). فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ بالعَرَبيَّةِ؛ لَكِنْ قَدَرَ أنْ يُعَبِّرَ عَنْهُ بِلُغَةٍ أُخْرَى؛ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، وَلَزِمَهُ أنْ يَقُولَ: «سُبْحَانَ اللهِ، والحَمْدُ للهِ، ولا إِلَهَ إلاَّ اللهُ، واللهُ أَكْبَرُ، ولَا حَوْلَ ولَا قُوَّةَ إلاَّ باللهِ» (^٤). فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنَ الذِّكْرِ، وقَفَ بِقَدَرِ القِرَاءةِ، ثُمَّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ، ويَرْكَعُ مُكَبِّرًا؛ حَتَّى يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، ويَمُدُّ ظَهْرَهُ مُسْتَوِيًا، ويَجْعَلُ رَأْسَهُ حِيَالَ ظَهْرِهِ ولَا يَرْفَعُهُ ولَا يَخْفِضُهُ، ويُجَافِي مِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ. وقَدَرُ الإجْزَاءِ: الانْحِنَاءُ حَتَّى يُمْكِنَهُ مَسُّ رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ، ويَقُولُ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيْمِ» - ثَلَاثًا - وَهُوَ أدْنَى الكَمَالِ. ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَائِلًا: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ويَرْفَعُ يَدَيْهِ؛ فَإِذَا اعْتَدَلَ قَائِمًا؛ قَالَ: «رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ مِلءَ السَّمَاءِ ومِلءَ الأرْضِ ومِلءَ ما شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ» - لا يَزِيْدُ عَلَى ذَلِكَ - فَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا؛ فقالَ أصْحَابُنا: لَا يَزِيْدُ عَلَى قَوْلِ: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ.
وعِنْدِي: أنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ كَالإِمَامِ، والمُنْفَرِدِ (^٥). ثُمَّ يُكَبِّرُ ويَخِرُّ سَاجِدًا؛ فَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ عَلَى الأرْضِ، ثُمَّ يَدَيْهِ ثُمَّ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ، ويَجْعَلُ صُدُوْرَ أَصَابِعِ قَدَمَيْهِ عَلَى الأرْضِ (^٦).
والسُّجُودُ عَلَى جَمِيْعِ هَذِهِ الأعْضَاءِ وَاجِبٌ إلاَّ الأَنْفَ؛ فَإِنَّهُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (^٧)، ولَا يَجِبُ عَلَيْهِ مُبَاشَرَةُ المُصَلَّى بِشَيءٍ مِنَ الأَعْضَاءِ إِلاَّ الجَبْهَةَ؛ فَإِنَّهَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ (^٨).
_________________
(١) هُوَ عثمان بن عفان ﵁ ثالث الخلفاء الراشدين، كان قد جمع القرآن في عهده، وَقَدْ ثبت رسم المصحف عَلَى ما أمره عثمان بن عفان ﵁ إلى الآن.
(٢) هُوَ عَبْد الله بن مسعود ﵁، صَحَابِيّ جليل توفي ٣٣ هـ، انظر: السير: ١/ ٤٦١، واعتبرت قراءته من القراءات الشاذة. والقراءة الشاذة: هي كُلّ قراءة أخلت بالشروط الثلاثة - التِي وضعها العلماء، وهي: صحة الرواية، وموافقة الرسم العثماني، وموافقة العربية وَلَوْ بوجه - أو أحدها. واختلف العلماء في حكم القراءة بالقراءات الشاذة في الصلاة، فأكثر أهل العلم يرون عدم جواز القراءة بها. انظر: النشر ١/ ١٤، ومعجم القراءات القرآنية ١/ ١١٣.
(٣) انظر: الروايتين والوجهين (ق ١٦/أ). وعلّل الجواز باستفاضة قراءة عبد الله بن مسعود ﵁.
(٤) لأنه جاء رجل إلى النبي ﷺ، فَقَالَ: لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا، فَعَلِّمْني ما يجزيني، قال: «قل: … الخ». أخرجه أحمد ٤/ ٣٥٦ (١٨٦١٧)، وأبو داود (٨٣٢)، وابن خزيمة (٥٤٤)، وابن حبان (١٨٠٥).
(٥) جاء في الروايتين والوجهين ١٦/ أ - ب، أن الرواية اختلفت في المنفرد، هل يقول ذلك؟
(٦) انظر: لزامًا أثر اختلاف المتون والأسانيد في اختلاف الفقهاء: ٥٤١ - ٥٥١.
(٧) انظر: الروايتين والوجهين ١٦ / ب.
(٨) انظر: الروايتين والوجهين ١٧ / ب، وفيه: أن رواية المباشرة يمكن أن تُحمل على طريق الاختيار والاستحباب.
[ ٨٣ ]
والمُسْتَحَبُّ أنْ يُجَافِيَ عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وبَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ، ويَضَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، ويُفَرِّقُ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ، ويَقُولُ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأعْلَى» - ثلاثًا - وَهوَ أدْنَى الكَمَالِ. ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا، ويَجْلِسُ مُفْتَرِشًا - وَهوَ: أنْ يَفْتَرِشَ رِجْلَهُ اليُسْرَى، ويَجْلِسُ عَلَيْهَا ويَنْصِبُ اليُمْنَى - ولَا يُقْعِي؛ فَيَمُدَّ ظَهْرَ قَدَمَيْهِ، ويَجْلِسُ عَلَى عَقِبَيْهِ،
أوْ يَجْلِسَ عَلَى إلْيَتَيْهِ، ويَنْصِبُ قَدَمَيْهِ (^١)، فَإنَّهُ مُنَّهِيٌّ عَنْهُ (^٢). ثُمَّ يَقُولُ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي» - ثَلاثًا - ثُمَّ يَسجُدُ السجدة الثَّانِيَةَ مُكَبِّرًا، ويَقُولُ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأعْلَى»
- ثلَاثًا - ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا.
وهَلْ يَجْلِسُ جَلْسَةَ الاسْتِرَاحَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ:
إحْدَاهُمَا: لا يَجْلِسُ، بَلْ يَقُومُ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ مُعْتَمِدًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ.
والثَّانِيَةُ: يَجْلِسُ عَلَى قَدَمَيْهِ وإلْيَتَيهِ ثُمَّ يَنْهَضُ مُكَبِّرًا مُعْتَمِدًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ (^٣).
ثُمَّ يُصَلِّي الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ كَذَلِكَ؛ إلاَّ في النِّيَّةِ والاسْتِفْتَاحِ رِوَايَةٌ واحِدَةٌ والاسْتِعَاذَةِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (^٤).
فَإِنْ كَانَ في صَلَاةٍ - هِيَ رَكْعَتَانِ - جَلَسَ مُفْتَرِشًا، وجَعَلَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ اليُمْنَى؛ يَقْبِضُ مِنْهَا الخُنْصُرَ والبُنْصُرَ ويُحَلِّقُ الإبْهَامَ مَعَ الوُسْطَى، ويُشِيْرُ بالسَّبَّاحَةِ (^٥) في التَّشَهُّدِ مِرَارًا، ويَبْسُطُ اليَدَ اليُسْرَى مُجْتَمِعَةً - مَضْمُومَةَ الأصَابِعِ - عَلَى الفَخِذِ اليُسْرَى، ويَتَشَهَّدُ، فَيَقُولُ: «التَّحِيَّاتُ للهِ، والصَّلَوَاتُ، والطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِيْنَ، أَشْهَدُ أنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ» (^٦).
ثُمَّ يَأْتِي بالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَيَقُوْلُ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيْمَ، إنَّكَ [حَمِيْدٌ] (^٧) مَجِيْدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وعَلَى آلِ
_________________
(١) جاء في المغني ١/ ٥٦٤: أن الصفة الأولى للإمام أحمد ﵀ وهو قَوْل أهل الحديث، والثانية عند العرب.
(٢) فعن أنس، قال: قَالَ لي رَسُوْل الله ﷺ: «إذا رفعت رأسك من السجود، فَلَا تُقْعِ كَمَا يُقعِي الكلب». أخرجه ابن ماجه (٨٩٦).
(٣) انظر: الروايتين والوجهين ١٧ / ب، وفيه: أن الأولى أصح.
(٤) انظر: الروايتين والوجهين ١٤ / ب.
(٥) السباحة: هِيَ السبابة، ومنه حَدِيْث الوضوء: «فأدخل السباحتين فِي أُذنيه». اللسان ٢/ ٣٠٠ (سبح).
(٦) وهو التشهد الذي علمه النبي ﷺ لعبد الله بن مسعود ﵁. انظر: صَحِيْح مسلم ٢/ ١٣ - ٤ (٤٠٢) (٥٥) و(٤٠٢) (٥٩)، وسنن أبي داود (٩٦٨).
(٧) ما بين المعكوفتين لم يرد في المخطوط، واستدركناه من المقنع: ٣٠.
[ ٨٤ ]
مُحَمَّد، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيْمَ، [في العَالَمِيْنَ] (^١) إنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ» (^٢). وعَنْهُ أنَّهُ يَقُولُ: كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيْمَ وآلِ إبْرَاهِيْمَ»، وكَذَلِكَ: «كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيْمَ وآلِ إِبْرَاهِيْمَ» (^٣).
وَيُسْتَحَبُّ أنْ يَسْتَعِيْذَ، فَيَقُوْلَ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، ومِنْ عَذَابِ القَبْرِ ومِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا والمَمَاتِ، ومِنْ فِتْنَةِ المَسِيْحِ الدَّجَّالِ» (^٤). ثُمَّ يَدْعُو فَيَقُوْلُ: «اللَّهُمَّ إنِّي أسْأَلُكَ مِنَ الخَيْرِ كُلِّهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ، ومَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الشَّرِّ كُلِّهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ، ومَا لَمْ أعْلَمْ. اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ عِبَادُكَ الصَّالِحُونَ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ ما اسْتَعَاذَ مِنْهُ عِبَادُكَ الصَّالِحُونَ. اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ الجَنَّةَ، ومَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وعَمَلٍ، وأعَوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ، ومَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وعَمَلٍ. رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوْبَنَا، وكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا، وتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ، ربنا وآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ، ولَا تُخْزِنَا يَوْمَ القِيَامَةِ، إنَّكَ لَا تُخْلِفُ المِيْعَادَ» (^٥).
ولا يَدْعُو في صَلَاتِهِ إلاَّ بِمَا وَرَدَ في الأَخْبَارِ. وقَدرُ الإجْزَاءِ مِنْ ذَلِكَ: التَّشَهُّدُ والصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إلى: «حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ» عَلَى الصَّحِيْحِ مِنَ المَذْهَبِ. ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيْمَتَيْنِ يَنْوِي بِهِمَا الخُرُوْجَ مِنَ الصَّلَاةِ وهلْ نِيَّةُ الخُرُوجِ وَاجِبَةٌ، أمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ (^٦). فَإِنْ نَوَى بالسَّلامِ عَلَى الحَفَظَةِ، أو الإِمَامِ، أو المَأْمُوْمِيْنَ، وَلَمْ يَنْوِ الخُرُوجَ، فَقَالَ: ابنُ حَامِدٍ: تَبْطُلُ صَلَاتُهُ. ونَصَّ أَحْمَدُ ﵀: أنها لا تَبْطُلُ.
ولا يَجُوزُ الخُرُوجُ مِنَ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ السَّلَامِ. وتَجِبُ التَّسْلِيْمَتَانِ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْن، والأُخْرَى: أنَّ الثَّانِيَةَ سُنَّةٌ (^٧). وقَدرُ الوَاجِبِ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ورَحْمَةُ اللهِ» (^٨)، وَقَالَ شَيْخُنَا (^٩): إنْ تَرَكَ: «رَحْمَةُ اللهِ» أجْزَأَهُ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ في صَلَاةِ الجَنَازَةِ. ثُم يَسْتَقْبِلِ
_________________
(١) لَمْ ترد قي الأصل، واستدركناها من المقنع: ٣٠.
(٢) انظر: صَحِيْح البخاري ٤/ ٧٨ (٣٣٧٠)، وصحيح مسلم ٢/ ١٦ (٤٠٦) (٦٥).
(٣) انظر: الروايتين والوجهين ١٨/ أ، وفيه: أن كليهما مروي عن النبي ﷺ.
(٤) انظر: صحيح البخاري ١/ ٢١١ (٨٣٢)، وصحيح مسلم ٢/ ٩٣ (٥٨٨) (١٢٨).
(٥) انظر: المغني ١/ ٥٨٤.
(٦) جاء في الروايتين والوجهين ١٨ / ب: «لا يختلف أصحابنا في التسليمة الأولى أنه ينوي بِهَا الخروج من الصَّلَاة ولا غيره، واختلفوا في الثانية». فقسم قَالَ: هِيَ كالأولى، وقسم قَالَ: الثانية مستحبة، وينوي بِهَا السلام عَلَى الحفظة والرد عَلَى الإمام.
(٧) الرواية اختلفت في الثانية، هل هِيَ واجبة أم سنة؟ انظر: الروايتين والوجهين ١٨/ أ.
(٨) هَذَا ما ورد عَنْ رَسُوْل الله ﷺ. انظر: سنن ابن ماجه (٩١٦)، وسنن أبي داود (٩٩٦)، وصحيح ابن حبان (١٩٨٧)، وسنن البيهقي ٢/ ١٧٧.
(٩) هُوَ أبو يعلى الفراء. انظر: ترجمته في المقدمة.
[ ٨٥ ]
المَأْمُومِيْنَ بِوَجْهِهِ بَعْدَ السَّلَامِ في الفَجْرِ والعَصْرِ؛ لأنَّهُ لَا صَلَاةَ بَعْدَهُمَا، ويَقُولُ: «لَا إِلهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ يُحْيِي ويُمِيْتُ وَهوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ وَهوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ خَيْرَ عُمُرِي آخِرَهُ، وخَيْرَ عَمَلِي آخِرَهُ، وخَيْرَ أَيَّامِي يَوْمَ
أَلْقَاكَ»، ويَدْعُو بِمَا يَجُوزُ مِنْ أمْرِ الدِّيْنِ والدُّنْيَا.
وإنْ كَانَ في صَلَاةِ المَغْرِبِ أو رُبَاعِيَّةٍ، جَلَسَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ - مُفْتَرِشًا - وأَتَى بالتَّشَهُّدِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ. فإنْ نَسِيَ التَّشَهُّدَ، وقَامَ إلى الثَّالِثَةِ رَجَعَ إنْ لَمْ يَكُنْ قَدِ انْتَصَبَ قَائِمًا، فإنِ انْتَصَبَ لَمْ يُسْتَحَبَّ لَهُ الرُّجُوعِ، فَإِنْ شَرَعَ في القِرَاءةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ. ثُمَّ يُصَلِّي بَقِيَّةَ صَلَاتِهِ مِثْلَ الثَّانِيَةِ؛ إلاَّ أنَّهُ لا يَقْرَأُ شَيْئًا بَعْدَ الفَاتِحَةِ.
ويَجْلِسُ في تشهدهُ الثَّانِي مُتَوَرِّكًا - يَفْتَرِشُ رِجْلَهُ اليُسْرَى ويَنْصِبُ اليُمْنَى ويُخْرِجُهُمَا مِنْ تَحْتِهِ إلى جَانِبِ يَمِيْنِهِ ويَجْعَلُ إلْيَتَيْهِ عَلَى الأرْضِ -.
والمَرْأَةُ في جَمِيْعِ ذَلِكَ كَالرَّجُلِ إلاَّ أنَّهَا تَجْمَعُ نَفْسَهَا في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وتَسْدِلُ رِجْلَهَا في الجُلُوسِ؛ فَتَجْعَلهُمَا فِي جَانِبِ يَمِيْنِهَا، أو تَجْلِسُ مُتَرَبِّعَةً.
ولَا يَقْنُتِ المُصَلِّي فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ، إلاَّ فِي الوِتْرِ. فَإِنْ نَزَلَتْ (^١) بِالمُسْلِمِيْنَ
نَازِلَةٌ؛ جَازَ لأَمِيْرِ الجَيْشِ أنْ يَقْنُتَ في الفَجْرِ والمَغْرِبِ بَعْدَ الرُّكُوعِ، ويَقُولُ ما قَالَهُ
النَّبِيُّ ﷺ في دُعَائِهِ (^٢)، ونَحْوَهُ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لآحَادِ المسلمين.
ولَا تُكْرَهُ قِرَاءةُ أَوَاخِرِ السُّوَرِ وأوساطها في صَلَاتِهِ في أصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، ويُكْرَهُ على الأُخْرَى (^٣).