يَجِبُ عَلَى مَنْ أرَادَ الوُضُوءَ أنْ يَنْوِيَ رَفْعَ الْحَدَثِ، أوالطَّهَارةَ لِكُلِّ أمْرٍ لَا يُسْتَبَاحُ إلاَّ بالطَّهَارَةِ، كالصَّلَاةِ والطَّوَافِ ومَسِّ الْمُصْحَفِ، ويُسْتَحَبُّ أنْ يأتِيَ بالنِّيَّةِ عِنْدَ إرَادَتِهِ غَسْلَ يَدَيْهِ، فإنْ أخَّرَها إلى حينِ المضْمَضَةِ أجْزَأَهُ، ويُسْتَحَبُّ أنْ يَسْتَصْحِبَ النِّيَّةَ إلى آخِرِ طَهَارَتِهِ، فإنِ اسْتَصْحَبَ حُكْمَها دُوْنَ ذِكْرِها أجْزَأَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ يُعْقِبُ النِّيَّةَ بالتَّسْمِيَةِ، وهِيَ واجِبَةٌ في أصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ (^٣)، والأُخْرَى أنَّهَا سُنَّةٌ، ويَغْسِلُ كَفَّيْهِ ثَلاثًا، فإنْ كَانَ قَدْ قَامَ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ كَانَ غَسْلُهُما ثلاثًا واجبًا لَا عَنْ حَدَثٍ ولَا عَنْ نَجَسٍ لَكِنْ تَعَبُّدًا، ينوي لذلكَ ويُسَمِّي في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (^٤)، وفي الأُخرَى: إنَّ غَسْلَهُما سُنَّةٌ، ثُمَّ يَتَمَضْمَضُ ويَسْتَنْشِقُ ثلاثًا يَجْمَعُ بينَهُما بغَرْفَةٍ (^٥) واحِدَةٍ، وإنْ أحَبَّ بثلاثِ غَرْفَاتٍ لِكُلِّ عُضْوٍ، ويُبَالِغُ فيهِما إلاَّ أنْ يَكُونَ صائِمًا (^٦)، وهما واجِبانِ في الطَّهَارتَيْنِ (^٧) وعنهُ أنَّ الاسْتِنْشَاقَ وَحْدَهُ واجِبٌ (^٨) وعنهُ أنَّهُما واجبانِ في الكُبْرَى مَسْنُونانِ في الصُّغْرَى (^٩)، ثُمَّ يَغْسِلُ وجْهَهُ ثلاثًا مِنْ مُنْتَهَى شَعْرِ رَأْسِهِ إلى الْخَدَّيْنِ مِنَ اللِّحْيَيْنِ والذَّقْنِ طُولًا ومِنْ وَتَدِ الأُذُنِ إلَى وَتَدِ الأُذُنِ عَرْضًا فإنْ كَانَ عليهِ شَعْرٌ كَثِيْفٌ لَمْ يَجِبْ غَسْلُ ما تَحْتَهُ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ
_________________
(١) القَزَع: وهو أن يحلق رأس الصبي ويترك في مواضع منه الشعر متفرقًا … وقزَعَ رأسَهُ تقزيعًا: إذا حلق شعره وبقيت منه بقايا في نواحي رأسه. الصحاح ٣/ ١٢٦٥. وروى البخاري ٧/ ٢١٠ (٥٩٢٠)، ومسلم ٦/ ١٦٤ (٢١٢٠) (١١٣)، عن ابن عمر، قال: «سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن القَزَع».
(٢) لحديث عائشة ﵂ قالت: «إن كان رسول الله ﷺ ليحب التَيَمُّن في طهوره، وفي ترجله إذا ترجّل، وفي انتعاله إذا انتعل». صحيح البخاري ١/ ٥٣ (١٦٨)، ومسلم ١/ ١٥٥ (٢٦٨) (٦٦).
(٣) انظر: الروايتين والوجهين ٥ / أ.
(٤) انظر: الروايتين ٥ / أ.
(٥) يقال: غرفتُ الماءَ غَرفًا واغترفتُ منه، والغَرْفَةُ: المرَّة والواحدة، والغُرْفَة - بالضمِّ -: اسم للمفعول منه؛ لأنَّكَ ما لَم تغرفه لا تسميه غرفة. الصحاح ٤/ ١٤١٠.
(٦) لحديث لقيط بن صبرة مرفوعًا: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا». أخرجه أحمد ٤/ ٣٢، وأبو داود (١٤٣)، والترمذي (٣٨)، وقال: «حسن صحيح».
(٧) يعني: الغسل والوضوء.
(٨) انظر: الروايتين والوجهين ٥ / أ، والمحرر ١/ ١١.
(٩) انظر: المصدرين السابقين.
[ ٥٣ ]
تَخْلِيْلُهُ، وإنْ كَانَ خَفِيْفًا يَصِفُ البَشرَةَ وَجَبَ ذَلِكَ، وسَواءٌ في ذَلِكَ شَعْرُ اللِّحْيَةِ والْحَاجِبَيْنِ والشَّارِبِ والعَنْفَقَةِ (^١)، ويَجِبُ غَسْلُ العِذَارِ (^٢) والعَارِضِ (^٣) ومَا اسْتَرْسَلَ مِنَ اللِّحْيَةِ، فأمَّا التَّحْذِيْفُ (^٤) والصَّدغُ (^٥) فَعَلَى وَجْهَيْنِ، ويسْتَحَبُّ لَهُ غَسْلُ دَاخِلِ عَيْنَيْهِ إذا أَمِنَ الضَّرَرَ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إلَى المِرْفَقَيْنِ ثَلاثًا ويُدْخِلُ المِرْفَقَيْنِ في الغَسْلِ، فإنْ كَانَ أقْطَعَ مِنْ دُوْنِ المِرْفَقَيْنِ غَسَلَ مَا بَقِيَ منْهُما، وإنْ كَانَ مِنَ المِرْفَقَيْنِ سَقَطَ غَسْلُ اليَدَيْنِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ فَيَبْدَأُ بيَدَيْهِ مِنْ مُقَدّمهِ، ثُمَّ يُمِرُّهُما إلى قَفَاهُ، ثُمَّ يُعِيْدُهُما إلى الموضِعِ الذي بَدَأَ منهُ ويَمْسَحُ أُذُنَيْهِ بِمَاءِ رأْسِهِ، واسْتِيْعَابُ الرَّأْسِ بالمسْحِ واجِبٌ في أصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، والأُخْرَى يُجْزِئُ مَسْحُ أكْثَرِهِ (^٦)، وهَلْ يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُ مَسْحِ الرَّأْسِ وأخْذِ ماءٍ جَدِيْدٍ للأُذُنَيْنِ أمْ لَا؟ عَلَى رِّوَايَتَيْنِ (^٧).
[و] (^٨) يُسْتَحَبُّ لَهُ مَسْحُ عُنُقِهِ بالماءِ، وعنهُ أنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ (^٩)، ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ ثَلاثًا، ويُدْخِلُ الكَعْبَيْنِ في الغَسْلِ ويُخَلِّلُ بَيْنَ أصَابِعِهِ، ويَبْدأُ بِيَميْنِ يَديْهِ وَرِجْلَيْهِ.
ويَجِبُ تَرْتِيْبُ الوُضُوْءِ على مَا ذَكَرْنَا، فإنْ نَكَسَهُ لَمْ يَصِحّ علَى المشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وعَنْهُ أنَّهُ يَصِحُّ (^١٠).
وتَفْرِيْقُ الوُضُوْءِ إذا كَانَ كَثِيْرًا مُتَفَاحِشًا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، والأُخْرَى: لَا يَمْنَعْ (^١١)، وإنْ كانَ يَسِيْرًا بحيثُ لَمْ يَنْشَفْ ما غَسَلَهُ قَبْلَهُ لَمْ يَبْطلْ رِوَايَةً واحدةً (^١٢).
_________________
(١) العَنْفَقَة: هو الشعر الذي في الشفة السفلى، وقيل: هو الذي بينها وبين الذقن، وأصله خفة الشيء وقلّته. النهاية ٣/ ٣٠٩.
(٢) هو جانب اللحية. المعجم الوسيط ٥٩٠.
(٣) العارض من اللحية ما ينبت عَلَى عرض اللحي فَوْق الذقن. اللسان ٧/ ١٨١.
(٤) التحذيف: هُوَ الشعر الداخل في الوجه مَا بَيْن انتهاء العذار والنزعة. تاج العروس ٢٣/ ١٢٥.
(٥) جاء في المغني ١/ ٩٨: «الصدغ: هُوَ الشعر الذي بَعْدَ انتهاء العذار، وَهُوَ مَا يحاذي رأس الأذنين، وينزل عن رأسها قليلًا».
(٦) انظر: الروايتين والوجهين ٥ / ب - ٦ / أ.
(٧) انظر: الروايتين والوجهين ٦ / أ.
(٨) زيادة منا؛ ليستقيم الكلام.
(٩) انظر: الروايتين والوجهين ٦ / ب. قلنا: والأصح عدم استحباب المسح على العنق؛ لعدم ثبوت شيء في ذلك عن النبي ﷺ، بل عدّه بعض العلماء بدعة.
(١٠) الروايتان ذكرهما أبو يعلى الفراء، الأولى: وجوب الترتيب نقلها أبو طالب وإسحاق بن إبراهيم، والثانية: سقوط الترتيب، نقلها أبو دَاوُد وإبراهيم بن الحارث، انظر: الروايتين والوجهين ٥/ ب.
(١١) انظر: الروايتين والوجهين ٧ / ب.
(١٢) انظر: الروايتين والوجهين ٥ / ب.
[ ٥٤ ]
فإذا فَرَغَ مِنْ وُضُوئِهِ اسْتُحِبَّ لَهُ أنْ يَرْفَعَ نَظَرَهُ إلى السَّماءِ ثُمَّ يَقُولَ: «أشْهَدُ أنْ لَا إلَهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُوْلُهُ» (^١). ولَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أنْ يُنَشِّفَ أعْضاءَهُ، وهَلْ يُكْرَهُ ذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (^٢).
ويُكْرَهُ لَهُ نَفْضُ يَدَيْهِ، وتُبَاحُ مُعَاوَنَتُهُ فِي وُضُوْئِهِ ولَا تُسْتَحَبُّ، فَخَرَجَ مِنْ هذهِ الْجُمْلَةِ أنَّ فُرُوْضَ الوُضُوءِ على الصَّحِيْحِ مِنَ الْمَذْهَبِ عَشَرَةٌ:
النِّيَّةُ، والتَّسْمِيَةُ، والْمَضْمَضَةُ، والاسْتِنْشَاقُ، وغَسْلُ الوَجْهِ، وغَسْلُ اليَدَيْنِ، ومَسْحُ جَمِيْعِ الرَّأْسِ، وغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ، والتَّرْتِيْبُ، والْمُوَالَاةُ.
وسُنَنُهُ عَشَرَةٌ:
غَسْلُ اليَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالِهِما الإنَاءَ، والسِّوَاكُ، والْمُبَالَغَةُ في الْمَضْمَضَةِ والاسْتِنْشَاقِ، وتَخْلِيْلُ اللِّحْيَةِ، وغَسْلُ دَاخِلِ العَيْنَيْنِ، والبِدَايَةُ باليَمِيْنِ، وأخْذُ مَاءٍ جَدِيْدٍ للأُذُنَيْنِ، ومَسْحُ العُنُقِ، وتَخْلِيْلُ مَا بَيْنَ الأَصَابِعِ، والغَسْلَةُ الثَّانِيَةُ والثَّالِثَةُ.