كُلُّ مَنْ لَزِمَتْهُ المَكْتُوبَةُ لَزِمَهُ فَرْضُ الجُمُعَةِ إِذَا كَانَ مُسْتَوْطِنًا يَسْمَعُ النِّدَاءَ وبَيْنَهُ وبَيْنَ
الجَامِعِ الَّذِي تُقَامُ فِيْهِ الجُمُعَةِ فَرْسَخٌ إلاَّ المَرْأَةَ والخُنْثَى والعَبْدَ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (^٤) فَلَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ، وهُمْ مُخَيَّرُونَ بَيْنَهَا وبَيْنَ الظُّهْرِ، والأَفْضَلُ أَنْ لَا يُصَلُّوا الظُّهْرَ إلاَّ بَعْدَ فَرَاغِ الإِمَامِ مِنْهَا، فَإِنْ تَرَكُوا الفَضِيْلَةَ وصَلُّوا صَحَّتْ ظُهْرُهُمْ (^٥)، وَقَالَ أبو بَكْرٍ: لَا تَصِحُّ كَمَا لَوْ صَلاَّهَا مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الجُمُعَةِ (^٦).
ولَا يُكْرَهُ لِمَنْ فَاتَتْهُ الجُمُعَةُ أو لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ في جَمَاعَةٍ،
_________________
(١) السجُف: بكسر السين وفتحها: التّستْر. اللسان (٩/ ١٤٤، سجف).
(٢) القبيعة: هِيَ الَّتِي عَلَى رأس قائم السيف، وَهِيَ الَّتِي يدخل القائم فِيْهَا، وَقِيْلَ: هِيَ مَا تَحْتَ شاربي السيف مِمَّا يَكُون فَوْقَ الغمد فيجيء مَعَ قائم السيف. اللسان (٨/ ٢٥٩، قبع).
(٣) انظر: المغني ١/ ٦٢٩.
(٤) اختلف في وجوب الجمعة عَلَى العبد فقط، فقد نقل ابن منصور وصالح: أنه لا جمعة عليه لقوله ﷺ: «لا جمعة على عبد». الْحَدِيْث أخرجه أبو داود (١٠٦٧)، والدارقطني ٢/ ٣، والبيهقي ٣/ ١٧٢ من حديث طارق بن شهاب عن النبي ﷺ قَالَ: «الجمعة حق واجب عَلَى كُلّ مسلم في جَمَاعَة إلا أَربعة: عبد مملوك، أو امرأة أو صبي أو مريض». ونقل المروذي عن الإمام أحمد في عبد سأله: أن مولاه لا يدعه، هل يذهب من غَيْر علمه؟ فَقَالَ: إذا نودي فَقَدْ وجبت عليك وعلى كُلّ مُسْلِم لقوله تَعَالَى: ﴿إِذَا نُوْدِيَ للصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوا﴾ الجمعة: ٩. وهذا عام؛ ولأنَّهُ ذَكَرٌ مُقيمٌ صَحِيْح فلزمته الجمعة كالحر. انظر: الرِّوَايَتَيْنِ والوجهين ٢١/ أ.
(٥) كَذَا في الأصل، الفعل بتاء التأنيث، ولعله أنث الفعل عَلَى تقدير محذوف، فيكون أصل الكلام: «صحت صلاة ظهرهم».
(٦) وعُلِّلَ ذَلِكَ باحتمال زوال أعذارهم فتجب عليهم، واستبعده الزركشي في شرحه. انظر: المغني ٢/ ١٩٨، وشرح الزركشي ١/ ٤٧٣.
[ ١٠٩ ]
ومَنْ لَزِمَهُ فَرْضُ الجُمُعَةِ لَمْ يَجُزْ أنْ يُسَافِرَ بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ، وهَلْ يَجُوزُ قَبْلَ الزَّوَالِ، عَلَى رِوَايَاتٍ:
إحداهَا: تجُوزُ.
والثَّانِيَةِ: لَا تَجُوزُ.
والثَّالِثَةِ: تَجُوزُ لِلْجِهَادِ خَاصَّةً (^١).
ويُشْتَرَطُ في انْعِقَادِ الجُمُعَةِ: حُضُورُ أَرْبَعِيْنَ نَفْسًا مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِمْ الجُمُعَةُ، وَعَنْهُ: حُضُورُ خَمْسِيْنَ، وَعَنْهُ: حُضُورُ ثَلَاثَةٍ (^٢). فَإِنِ انْفَضُّوا فَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ أَحَدٌ (^٣) أو بَقِيَ أَقَلُّ مِنَ العَدَدِ المُعْتَبَرِ فِيْهَا، اسْتَأْنَفَ ظُهْرًا.
وأَنْ يَتَقَدَّمَهَا خُطْبَتَانِ، مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِمَا:
حَمْدُ اللهِ تَعَالَى، والصَّلَاةُ عَلَى رَسُوْلِهِ ﷺ، وقِرَاءةُ آيَةٍ فَصَاعِدًا، والوَصِيَّةُ بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى، وحُضُورُ العَدَدِ المَشْرُوطِ في الجُمُعَةِ.
ومِنْ سُنَنِهِمَا: الطَّهَارَةُ، وأَنْ يَتَوَلاَّهُمَا مَنْ يَتَوَلَّى الصَّلَاةَ، وَعَنْهُ: أنَّ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِطِهِمَا (^٤)، وأَنْ يَكُونَ عَلَى مِنْبَرٍ أوْ مَوْضِعٍ عَالٍ، وأنْ يُسَلِّمَ عَلَى النَّاسِ، إِذَا أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ، ويَجْلِسُ إلى أنْ يَفْرَغَ المُؤَذِّنُونَ مِنْ أَذَانِهِمْ، وأَنْ يَأْتِيَ بِهِمَا قَائِمًا. ويَعْتَمِدَ عَلَى سَيْفٍ أو قَوْسٍ أو عَصًا، وأَنْ يَقْصِدَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، وأَنْ يَجْلِسَ بَيْنَهُمَا جَلْسَةً خَفِيْفَةً، وأَنْ يُقَصِّرَ الخُطْبَةَ، ويَدْعُو لِلْمُسْلِمِيْنَ.
ولَا يُشْتَرَطُ في انْعِقَادِ الجُمُعَةِ والعِيْدَيْنِ إِذْنُ الإِمَامِ، وَعَنْهُ: أنَّهُ يُشْتَرَطُ (^٥). ومَنْ يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ الجُمُعَةِ لِعُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ أو مَطَرٍ ونَحْوِهِ إِذَا حَضَرَهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ وانْعَقَدَتْ بِهِ، ولَا تَنْعَقِدُ بالمُسَافِرِ، ولَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا فِيْهَا، ولَا كَذَلِكَ العَبْدُ والصَّبِيُّ في أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. وتَصِحُّ إِقامَةُ الجُمُعَةِ في القَرَايا (^٦) والأَبْنِيَةِ المُتَفَرِّقَةِ إِذَا شَمِلَهَا اسمٌ واحِدٌ، وفِيْمَا قَارَبَ البُنْيَانَ مِنَ الصَّحْرَاءِ. وتَصِحُّ إِقامَتُهَا في مَوْضِعَيْنِ مِنَ البَلَدِ مَعَ الحَاجَةِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ فالثَّانِيَةُ مِنْهُمَا بَاطِلَةٌ، فَإِنْ وَقَعَتَا مَعًا أو لَمْ يُعْلَمِ الأَوَّلَةَ مِنْهُمَا فَهُمَا بَاطِلَتَانِ،
_________________
(١) انظر: الروايتين والوجهين ٢٢/ أ.
(٢) انظر: الروايتين والوجهين ٢١/ أ.
(٣) فِي الأصل: أحدًا خطأ.
(٤) انظر: الروايتين والوجهين ٢١/ ب.
(٥) انظر: الروايتين والوجهين ٢١/ ب.
(٦) كذا في الأصل، والذي في لسان العَرَبِ (١٥/ ١٨٠، قرا) ط. القديمة: أنها جمعٌ مفرده قرية، وهو: عيدان من خشب تصنع عَلَى شكل مخصوص توضع في رأس العمود الَّذِي ينصب عليه الخباء. فلعل المصنف استعاره للدلالة عَلَى الأخبية المتفرقة، من باب ذكر الجزء وإرادة الكل.
[ ١١٠ ]
فَإِنْ كَانَ للثَّانِيَةِ مَزِيَّةٌ - لِكَوْنِهَا جُمُعَةَ الإِمَامِ - فهِيَ الصَّحِيْحَةُ، وَقِيْلَ: السَّابِقَةُ الصَّحِيْحَةُ.
ويَجُوزُ فِعْلُ الجُمُعَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ في الوَقْتِ الَّذِي تُقَامُ فِيْهِ صَلَاةُ العِيْدِ، وَقَالَ الخِرَقِيُّ: في السَّاعَةِ الخَامِسَةِ (^١)، وإِذَا دَخَلَ وَقْتُ العَصْرِ وَهُمْ فِيْهَا أَتَمُّوْهَا جُمُعَةً.
وَصَلَاةُ الجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ، مِنْ سُنَنِهَا الجَهْرُ بالقِرَاءةِ، وأَنْ يَقْرَأَ بَعْدَ الفَاتِحَةِ في الأُوْلَى سُوْرَةَ الجُمُعَةِ والثَّانِيَةِ بالمنافقين، وَعَنْهُ أنَّهُ يقرأ فِي الثانية بسَبِّح (^٢)، وَهُوَ اخْتِيَار أبي بَكْرٍ، ذَكَرَهُ فِي " التَّنْبِيْهِ " (^٣).
ومَنْ (^٤) أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً أَتَمَّهَا جُمُعَةً، ومَنْ أَدْرَكَ مِنْهَا دُوْنَ ذَلِكَ أتَمَّهَا
ظُهْرًا، وأمَّا (^٥) الَّذِي يَنْوِي في حَالِ دُخُولِهِ مَعَهُ فَقَالَ الخِرَقِيُّ: ومِنْ شَرْطِهَا أَنْ يَنْوِيَ ظُهْرًا (^٦)، وَقَالَ ابنُ شَاقْلَا (^٧) / ٤٦ ظ /: يَنْوِي جُمْعَةً ثُمَّ يَبْنِي عَلَيْهَا ظُهْرًا (^٨)، وَإِذَا أَحْرَمَ مَعَ الإِمَامِ ثُمَّ زُحِمَ عَنِ السُّجُودِ سَجَدَ عَلَى ظَهْرِ إِنْسَانٍ إِنْ أَمْكَنَهُ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ انْتَظَرَ حَتَّى يَزُوْلَ الزِّحَامُ ثُمَّ يَسْجُدُ إلاَّ أنْ يَخَافَ فَوَاتَ الثَّانِيَةِ، فَإِنَّهُ يُتَابِعُ الإِمَامَ وتَحْصُلُ الثَّانِيَةُ أَوْلَتُهُ ويُتِمُّهَا جُمْعَةً. فَإِنْ ظَنَّ أنَّهُ لَا تَجُوزُ مُتَابَعَتُهُ فَسَجَدَ ثُمَّ أَدْرَكَ الإِمَامَ في التَّشَهُّدِ، إذَا سَلَّمَ الإِمَامُ قَامَ فَأَتَى بِثَانِيَةٍ وسَجَدَ للسَّهْوِ وسَلَّمَ وصَحَّتْ جُمْعَتُهُ، وَعَنْهُ: أنْ يُتِمَّهَا ظُهْرًا (^٩)، فَإِنْ تَرَكَ مُتَابَعَتَهُ مَعَ عِلْمِهِ أنَّهُ لَا يَجُوزُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.