تَجُوزُ صَلَاةُ الخَوْفِ عَلَى الصِفَةِ الَّتِي [صَلاَّهَا رَسُوْلُ اللهِ] (^٢) ﷺ بِذَاتِ
الرِّقَاعِ (^٣)، بِأَرْبَعَةِ شَرَائِطَ:
- أنْ يَكُونَ العَدُوُّ مُبَاحَ القِتَالِ.
- ويَكُوْنَ في غَيْرِ جِهَةِ القِبْلَةِ.
- وأن لا يُؤْمَنَ هُجُومُهُ.
- ويَكُوْنَ في المُصَلِّيْنَ كَثْرَةً يُمْكِنُ تَفَرّيقُهُمْ طَائِفَتَيْنِ، كُلُّ طَائِفَةٍ ثَلَاثَةٌ (^٤) أَو أَكْثَرُ، تُجْعَلُ طَائِفَةٌ بِإِزَاءِ العَدُوِّ، وطَائِفَةٌ تُصَلِّي خَلْفَهُ، فَيُصَلِّي بِهَا رَكْعَةً، فَإِذَا قَامَ إلى الثَّانِيَةِ نَوَتْ مُفَارَقَتَهُ وأَتَمَّتْ لأَنْفُسِهَا بِرَكْعَةٍ ثَانِيَةٍ بِالْحَمْدِ وبِسُوْرَةٍ، ثُمَّ تَمْضِي إلى وَجْهِ العَدُوِّ، وتَجِيءُ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى فَتُصَلِّي مَعَهُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ، وتَجْلِسُ، وتَقُومُ هِيَ فَتُصَلِّي رَكْعَةً ثَانِيَةً وتَجْلِسُ، فَيَتَشَهَّدُ ويُسَلِّمُ بِهِمْ، ويَقْرَأُ ويَتَشَهَّدُ في حَالِ الانْتِظَارِ ويُطِيْلُ حَتَّى يُدْرِكُوهُ.
فَإِنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ مَغْرِبًا صَلَّى بالأُوْلَى رَكْعَتَيْنِ وبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً، وهَلْ تُفَارِقُهُ الطَّائِفَةُ الأُوْلَى في التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ أو حِيْنَ يَقُومُ إلى الثَّالِثَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ (^٥).
وإِنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ رُبَاعِيَّةً صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ فَرَّقَهُمْ أَرْبَعَ فِرَقٍ، فَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً، فَقَالَ ابنُ حَامِدٍ: لَا تَصِحُّ صَلَاةُ الإِمَامِ، وتَصِحُّ صَلَاةُ الفِرْقَةِ الأُوْلَى والثَّانِيَةِ، وتَبْطُلُ صَلَاةُ الثَّالِثَةِ والرَّابِعَةِ إِنْ عَلِمَتَا بِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ.
وإِنْ كَانَ العَدُوُّ في جِهَةِ القِبْلَةِ، وهُمْ بِحَيْثُ لَا يَخْفَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَا يَخَافُ كَمِيْنًا لَهُمْ، وفي المُسْلِمِيْنَ كَثْرَةٌ جَازَ أنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ بِعُسْفَانَ (^٦)، وَصِفَتُهَا:
_________________
(١) قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وإذَا كُنْتَ فِيْهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ … الآية﴾. النساء: ١٠٢. هَذِهِ الآية تشريع لصلاة الخوف.
(٢) ما بين المعكوفين ليس في النسخة الخطية، واستدركناها من الكافي ١/ ٢٠٧، وهي ضرورية لاستقامة النص.
(٣) الرِّقاع - بكسر أوله وآخره عين مهملة، وهي اسم غزوة للنبي ﷺ غزاها، قيل: هي اسم شجرة في ذلك الموضع، وقيل: ذات الرِّقاع جبل فيه سواد وبياض وحمرة، وقيل: سميت بهذا الاسم؛ لأن أقدامهم نقبت من المشي فلفوا عَلَيْهَا الخرق. انظر:: مراصد الاطلاع ٢/ ٦٢٤ - ٦٢٥، وتاج العروس ٢١/ ١١٥ - ١١٦ (رقع).
(٤) في النسخة المعتمدة: «ثلاثة آلاف». وكلمة «آلاف» مقحمة من الناسخ، فكل من نقل عن المصنف اقتصر عَلَى لفظ: «ثلاثة». وانظر: المغني ٢/ ٢٦١، وشرح الزركشي ١/ ٤٩٥.
(٥) انظر: شرح الزركشي ١/ ٤٩٢، والمقنع: ٤٠.
(٦) وذلك عام الحديبية سنة ست من الهجرة. والحديث أخرجه الطيالسي (١٣٤٧)، وأحمد ٤/ ٥٩ - ٦٠، وأبو داود (١٢٣٦)، والنسائي ٣/ ١٧٦ و١٧٧، والدولابي في الكنى والأسماء ١/ ٤٧، وابن الجارود (٢٣٢)، والطحاوي في شرح الآثار ١/ ٣١٨، وابن حبان (٢٨٧٥) ط الرسالة (٢٨٧١) ط الفكر، والدارقطني ٢/ ٥٩، والحاكم ١/ ٣٣٧ - ٣٣٨، والبيهقي ٣/ ٢٥٤، وشرح السنة (١٠٩٦) من حديث أبي عياش الزرقي.
[ ١٠٦ ]
[أَنْ] (^١) يُوْقِفَهُمْ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ فَصَاعِدًا ويُحْرِمُ بِهِمْ أَجْمَعِيْنَ، ويُصَلِّي الأَوَّلَةَ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ فِيْهَا سَجَدُوا كُلُّهُمْ إلاَّ الصَّفَّ الأوَّلَ الَّذِي يَلِيْهِ، فَإِنَّهُ يَقِفُ فَيَحْرُسَهُمْ فَإِذَا قَامُوا (^٢) إلى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ سَجَدَ الَّذِيْنَ حَرَسُوا وَلَحِقُوا بِهِ فَصَلُّوا أَجْمَعِيْنَ، فَإِذَا سَجَدَ في الثَّانِيَةِ حَرَسَ الصَّفَّ الذِي سَجَدَ مَعَهُ في الرَّكْعَةِ الأُوْلَى، فَإِذَا جَلَسَ سَجَدَ الصَّفُّ الَّذِي حَرَسَ ثُمَّ لَحِقُوهُ فَيَتَشَهَّدُ بالجَمِيْعِ ويُسَلِّمُ. فَإِنْ تَأَخَّرَ الصَّفُّ الأَوَّلُ إلى مَوْضِعِ الثَّانِي وتَقَدَّمَ الثَّانِي إلى مَوْضِعِ الأَوَّلِ فَحَرَسَ في الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَلَا بَأْسَ.
وإِنْ صَلَّى كَمَذْهَبِ النُّعْمَانِ (^٣)، وَهُوَ أنْ يُصَلِّيَ بِأَحَدِ الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً ثُمَّ تَنْصَرِفُ وتَجِيءُ الأُخْرَى فَتُحْرِمُ مَعَهُ فَيُصَلِّي بِهَا رَكْعَةً ويَتَشَهَّدُ ويُسَلِّمُ، ولَا تُسَلِّمُ الطَّائِفَةُ مَعَهُ بَلْ تَرْجِعُ إلى وَجْهِ العَدُوِّ ثُمَّ تَجِيءُ الأُوْلَى فَتَقْضِي مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهَا وتُسَلِّمُ وتَمْضِي، وتَجِيءُ الأُخْرَى فَتُتِمُّ صَلَاتَهَا (^٤)، فَقَدْ تَرَكَ الفَضِيْلَةَ وتَصِحُّ الصَّلَاةُ.
ولَا يَجِبُ حَمْلُ السِّلَاحِ في صَّلَاةِ الخَوْفِ، ويُسْتَحَبُّ مِنْهُ ما يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ كَالسَّيْفِ والسِّكِّيْنِ، ويُكْرَهُ مَا يُثْقِلُهُ كَالجَوْشَنِ (^٥): وَهُوَ التَّنُّورُ الحَدِيْدُ، والمِغْفَرِ (^٦): وَهُوَ مَا يُغَطِّي الوَجْهَ؛ لأنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ إِكْمَالِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ.
وإِذَا اشْتَدَّ الخَوْفُ والْتَحَمَ القِتَالُ صَلُّوا رِجَالًا (^٧) ورُكْبَانًا إلى القِبْلَةِ وغَيْرِ القِبْلَةِ إيْمَاءً وغَيْرَ إِيْمَاءٍ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِمْ، وهَلْ يَجِبُ أَنْ يَفْتَتِحُوا الصَّلَاةَ مُتَوَجِّهِيْنَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، أَصَحُّهُمَا: لَا يَجِبُ. فَإِنِ احْتَاجُوا إلى الضَّرْبِ والطَّعْنِ والكَرِّ والفَرِّ فَعَلُوا، ولَا إِعَادَةَ عَلَيْهِمْ، ولَا يُأَخِّرُونَ الصَّلَاةَ. فَإِنْ أَمِنُوا - وهُمْ رُكْبَانٌ - نَزَلُوا فَبَنَوا، ويَكُونُ نُزُولُهُمْ مُتَوَجِّهِيْنَ.
_________________
(١) في النسخة الخطية: «أو»، ولا يستقيم بِهَا المعنى.
(٢) في النسخة المعتمدة: «أقاموا»، بزيادة ألف وليست بشيء.
(٣) هُوَ الإمام، عالم العراق، أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، ولد سنة (٨٠ هـ)، توفي سنة (١٥٠ هـ)، انظر: تاريخ بغداد ١٣/ ٣٢٣ والعبر ١/ ٣١٤ وسير أعلام النبلاء ٦/ ٣٩٠.
(٤) انظر: المبسوط ٢/ ٤٦، وبدائع الصنائع ١/ ٢٤٣، وتبيين الحقائق ١/ ٢٣٢.
(٥) درع مصنوع من الحديد يلبس أثناء المعركة عَلَى الصدر. انظر: الصحاح ٥/ ٢٠٩٢، واللسان ١٣/ ٨٨ (جشن).
(٦) انظر: الصحاح ٢/ ٧٧١، وتاج العروس ١٣/ ٢٤٨ (غفر).
(٧) أي: مشاة عَلَى أرجلهم.
[ ١٠٧ ]
وَإِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ آمِنًا فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الخَوْفُ فَرَكِبَ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ ويَبْنِي، وَإِذَا رَأَى سَوَادًا فَظَنُّوا عَدُوًّا، فَصَلُّوا صَلَاةَ شِدَّةِ الخَوْفِ ثُمَّ بَانَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَدُوًّا أَعَادُوا، وكَذَلِكَ إنْ بَانَ أنَّهُ عَدُوٌّ ولَكِنَّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَهُمْ خَنْدَقٌ ومَا يَمْنَعُ العُبُورَ.
وَإِذَا هَرَبَ مِنَ العَدُوِّ هَرَبًا مُبَاحًا أو خَافَ مِنْ سَيْلٍ أو سَبْعٍ جَازَ لَهُ أنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ شِدَّةِ الخَوْفِ. ويَجُوزُ أنْ يُصَلُّوا في شِدَّةِ الخَوْفِ جَمَاعَةً رِجَالًا ورُكْبَانًا. وإِذَا كَانَ طَالِبًا لِلْعَدُوِّ، فَهَلْ يُصَلِّي صَلَاةَ شِدَّةِ الخَوْفِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.