ومَنْ نَذَرَ صِيَامَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ، فَلَمْ يَصُمْهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَعَلَيْهِ القَضَاءُ وَكَفَّارَةُ يَمِيْنٍ، وإِنْ لَمْ يَصُمْهُ لِعُذْرٍ كَالْمَرَضِ ونَحْوِهِ، فَعَلَيْهِ القَضَاءُ، وفي الكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ (^١) (^٢). فَإِنْ صَامَ قَبْلَ الشَّهْرِ الَّذِي عَيَّنَهُ لَمْ يُجْزِهِ (^٣). فَإِنْ جُنَّ جَمِيْعَ الشَّهْرِ المُعْين لَمْ يَلْزَمْهُ القَضَاءُ (^٤).
وَإِذَا نَذَرَ أنْ يَصُوْمَ يَومَ يَقْدُمُ فُلَانٌ، فَإِنَّهُ نَذْرٌ صَحِيْحٌ، فَإِنْ قَدِمَ فُلَانٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ والنَّاذِرُ مُمْسِكٌ، لَزِمَهُ صِيَامُ ذَلِكَ اليَومِ ويَقْضِي ويُكَفِّرُ، وَعَنْهُ: أنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلاَّ صِيَامُ ذَلِكَ اليَوْمِ (^٥). فَإِنْ كَانَ النَّاذِرُ قَدْ أَكَلَ في ذَلِكَ اليَوْمِ، لَزِمَهُ القَضَاءُ والكَفَّارَةُ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (^٦)، والأُخْرَى: لَا يَلْزَمُهُ شَيءٌ (^٧). فَإِنْ وَافَقَ قُدُوْمُهُ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ لَزِمَهُ القَضَاءُ، وَقَالَ الخِرَقِيُّ: لَا يَلْزَمُهُ شَيءٌ (^٨).
ومَنْ نَذَرَ صِيَامَ يَوْمِ العِيْدِ لَمْ يَصُمْهُ، ويَقْضِي ويُكَفِّرُ كَفَّارَةَ يَمِيْنٍ، نَقَلَهَا أبو
طَالِبٍ (^٩)، ونَقَلَ حَنْبَلٌ: أنَّهُ يُكَفِّرُ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ (^١٠)، وَهُوَ الصَّحِيْحُ عِنْدِي (^١١). ونَقَلَ مُهَنَّا كَلامًا يَدُلُّ عَلَى أنَّهُ [إِنْ] (^١٢) صَامَهُ صَحَّ صَوْمُهُ (^١٣) ولَا تَخْتَلِفِ الرِّوَايَةُ أنَّهُ لَا يَصِحُّ صِيَامُ يَوْمَي العِيْدَيْنِ (^١٤)، وأَيَّامِ
_________________
(١) في الأصل: «روايتين».
(٢) انظر: المغني ٣/ ٣٦٩، والهادي: ٥٦.
(٣) انظر: المقنع: ٣٢٤، والمغني ١١/ ٣٦٩، وشرح الزركشي ٤/ ٤٢٨.
(٤) لأنه خرج عَنْ أهلية التكليف قبل وقت النذر أشبه ما لَوْ فاته». الشرح الكبير ١١/ ٣٤٨، وانظر: المقنع: ٣٢٣.
(٥) انظر: المغني ٣/ ٣٦٠، والهادي: ٥٦.
(٦) وهذه رِوَايَة كل من أبي طَالِب والأثرم وصالح والمروذي، وَهِيَ اختيار الخرقي. انظر: الروايتين والوجهين ٢٠٩/ ب.
(٧) نص في رواية مُحَمَّد بن يَحْيَى المتطبب عَلَى أنه ليس عليه شيء؛ لأن اليوم معدوم. الرِّوَايَتَيْنِ والوجهين ٢٠٩/ أ.
(٨) مختصر الخرقي: ١٤٣، وانظر: شرح الزركشي ٤/ ٤٢٤.
(٩) نقل أبو طَالِب: «فيمن نذر أن يصوم شوال فصام إلا يوم الفطر يصوم يومًا مكان يوم الفطر، ويكفر كفارة يمين». الروايتين والوجهين ٢١٠/ أ.
(١٠) نقل حنبل: «لا يصوم ويكفر عَنْ يمينه». الروايتين والوجهين ٢١٠/ أ.
(١١) ومن قبله صححها شيخه أبو يعلى. انظر: الرِّوَايَتَيْنِ والوجهين ٢١٠/ أ.
(١٢) زيادة يقتضيها السياق.
(١٣) لَمْ نقف عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَة، وذكرها المرداوي من غير عزو لمهنّا. انظر: الإنصاف ١١/ ١٣٤.
(١٤) لما صح عن أبي سعيد الخدري ﵁: «أن رَسُوْل الله ﷺ نهى عن صيام يومين: يوم الفطر ويوم النحر». أخرجه الطيالسي (٢٢٤٢)، وأحمد ٣/ ٩٦، والبخاري ٣/ ٥٥ (١٩٩١)، ومسلم ٣/ ١٥٣ (٨٢٧) (١٤١)، وأبو داود (٢٤١٧)، والترمذي (٧٧٢)، والبيهقي ٤/ ٢٩٧، وانظر في ذَلِكَ: المقنع: ٣٢٣، والمغني ٣/ ٩٧، وشرح الزركشي ٢/ ٥٥.
[ ١٦٣ ]
التَّشْرِيْقِ نَفْلًا (^١)، وأَمَّا صَوْمُهُمَا عَنِ الفَرْضِ فَقَدْ بَيَّنَا أنَّ في العِيْدَيْنِ وأَيَامِ التَّشْرِيْقِ رِوَايَتَيْنِ، إحْدَاهُمَا: يَصِحُّ، والأُخْرَى: لَا يَصِحُّ (^٢).
ويُسْتَحَبُّ لِمَنْ صَامَ رَمَضَانَ أَنْ يُتْبِعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ وإِنْ فَرَّقَهَا، ويُسْتَحَبُّ لَهُ صَوْمُ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ، وآكَدُهَا يَومُ التَّرْوِيَةِ وعَرَفَةٍ؛ إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ حَاجًّا، فَيَكُونُ الأَفْضَلُ لَهُ الفِطْرُ؛ لِيَتَقَوَّى عَلَى الدُّعَاءِ. ويُسْتَحَبُّ صَوْمُ عَشْرِ المُحَرَّمِ، وآكَدُهَا تَاسُوعَاءُ وعَاشُورَاءُ. ويُسْتَحَبُّ صِيَامُ الأَيَّامِ البِيْضِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وصَوْمُ الاثْنَيْنِ والخَمِيْسِ. وصِيَامُ دَاوُدَ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا ويُفْطِرُ يَوْمًا.
ويُكْرَهُ صَوْمُ الدَّهْرِ، قَالَ أَحْمَدُ-﵀: وَهُوَ أَنْ يُدْخِلَ فِيْهِ يَوْمَي العِيْدَيْنِ وأَيَّامَ التَّشْرِيْقِ (^٣). ويُكْرَهُ لَهُ الوِصَالُ في الصومِ، واسْتِقْبَالُ رَمَضَانَ باليَوْمِ واليَوْمَيْنِ. ويُكْرَهُ إفْرَادُ رَجَبٍ بالصَّوْمِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وفي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: ويُكْرَهُ إفْرَادُ يَومِ الْجُمُعَةِ (^٤) ويَومِ السَّبْتِ (^٥)
_________________
(١) والعمل عَلَى هَذَا عِنْدَ أهل العِلْم لما ورد من آثار في كراهية صيام أيام التشريق، منها: حَدِيْث عقبة بن عامر قَالَ: قَالَ رَسُوْل الله ﷺ: «يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وَهِيَ أيام أكل وشرب». أخرجه ابْن أَبِي شيبة (٩٧٧٠)، وأحمد ٤/ ١٥٢، والدارمي (١٧٧١)، وأبو داود (٢٤١٩)، والترمذي (٧٧٣)، والنسائي ٥/ ٢٥٢، وابن خزيمة (٢١٠٠)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢٩٦٤)، وفي شرح المعاني ٢/ ٧١، وابن حبان (٣٦٠٣)، والطبراني في الكبير ١٧/ ٨٠٣، وفي الأوسط (٣٢٠٩)، والحاكم ١/ ٤٣٤، والبيهقي ٤/ ٢٩٨، والبغوي (١٧٩٦)، وانظر في ذَلِكَ: المغني ٣/ ٩٧، والمقنع: ٣٢٣، وشرح الزركشي ٢/ ٥٥.
(٢) نقل المروذي: «إذا لَمْ يصم المتمتع قبل يوم التروية لَمْ يصم أيام التشريق، أرجو أن لا يكون بِهِ بأس وَلَوْ أفطر وكفّر رجوت»، قَالَ أبو يعلى: «فظاهر هَذَا جواز صومهما عَنِ النذر». ونقل الفضل بن زياد عنه أنه قال: كنت أذهب إلى هَذَا، يعني صوم أيام التشريق إلاّ أني رأيت الأحاديث عَنْ رَسُوْل الله ﷺ أنها أيام أكل وشرب». قَالَ أبو يعلى: «فظاهر هَذَا أنَّهُ رجع عَنْ قوله بالجواز». الرِّوَايَتَيْنِ والوجهين ٤٨/ أ-ب، والمقنع: ٦٦.
(٣) انظر: مسائل الإمام أحمد (رِوَايَة عَبْد الله) ٢/ ٦٢٠، و(رواية إسحاق بن هانئ) ١/ ١٣٤.
(٤) قَالَ أبو داود: قُلْتُ لأحمد إِذَا كَانَ الرجل يصوم يومًا ويفطر يومًا فيوافق الجمعة؟ قَالَ: لَا بأس إِنَّمَا كره صوم يَوْم الجمعة أن يتعمده الرَّجُل» مسائل الإمام أَحْمَد برواية أبي داود: ٩٦، وانظر: رِوَايَة إسحاق: ١٣٣.
(٥) استدلالًا بحديث الصماء أخت عَبْد الله بن بسر أن رَسُوْل الله ﷺ قَالَ: «لا تصوموا يوم السبت إلا فِيْمَا افترض الله عليكم، فإن لَمْ يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أو عود شجرة فليمضغه». أخرجه أَحْمَد ٦/ ٣٦٨، والدارمي (١٧٥٦)، وأبو داود (٢٤٢١)، وابن ماجه (١٧٢٦ م)، والترمذي (٧٤٤)، وابن خزيمة (٢١٦٣)، والنسائي في الكبرى (٢٧٦٢)، والطبراني الكبير ٢٤/ (٨١٨)، والمزي في تهذيب الكمال ٣٥/ ٢١٩، وأخرجه عَبْد بن حميد (٥٠٨)، والنسائي في الكبرى (٢٧٦١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ٨٠، والحاكم ١/ ٤٣٥، والبيهقي ٤/ ٣٠٢، والبغوي (١٨٠٦) = =من طريق خالد بن معدان عن عَبْد الله بن بسر مرفوعًا. وأخرجه أَحْمَد ٤/ ١٨٩، والنسائي في الكبرى (٢٧٥٩)، والدولابي في الكنى ٢/ ١١٨ من طريق حسان بن نوح عن عَبْد الله بن بسر، بِهِ. والحديث متكلم فِيْهِ لمعارضته بِمَا هُوَ أقوى مِنْهُ وحملوا النهي فِيْهِ عَلَى تحري إفراده بالصوم. ينظر تفصيل ذَلِكَ في كتابنا أثر علل الْحَدِيْث في اختلاف الفقهاء: ١٥٢ - ١٥٨.
[ ١٦٤ ]
ويَوْمِ النَّيْرُوزِ (^١) وَيَومِ المِهْرَجَانِ (^٢) ويومِ الشَّكِّ (^٣) بالصَّوْمِ إلاَّ أنْ يُوافِقَ عَادَةً لَهُ. ولا يَجُوزُ لِمَنْ عَلَيْهِ صَومٌ فَرْضٌ أنْ يَتَطَوَّعَ بالصَّوْمِ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. والأُخْرَى يَجُوزُ (^٤)، ومَنْ دَخَلَ في صَوْمِ تَطَوُّعٍ أو صَلاةِ تَطَوُّعٍ اسْتَحَبَّ لَهُ إتْمَامُهَا، فإنْ خَرَجَ مِنْهَا لَمْ يَلْزَمْهُ القَضَاءُ (^٥). ومَنْ دَخَلَ في حِجِّ تَطَوُّعٍ أو عُمْرَةِ تَطَوُّعٍ لَزِمَهُ إتْمَامُهَا، فإنْ أفْسَدَهَا أو فَاتَ وَقْتُ الحَجِّ فَهَلْ يَلْزَمُهُ القَضَاءُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (^٦).
وتُطْلَبُ لَيْلَةُ القَدْرِ فِي العَشْرِ الأخيرِ مِنْ رَمَضَانَ، وفي لَيَالِي الوِتْرِ أَكْثَرُ وَأَرْجَاهَا وآكَدُهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ (^٧) وعِشْرِيْنَ مِنْهُ؛ ويُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ فِيْهَا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ،
_________________
(١) النوروز أو النيروز: أكبر الأعياد القومية للفرس.
(٢) المهرجان: احتفال الاعتدال الخريفي وَهِيَ كلمة فارسية مركبة من كلمتين - مهر - وأحد معانيها الشمس، وجان - وأحد معانيها الحياة أو الروح. انظر: المعجم الوسيط: ٨٩.
(٣) ينظر: مسائل الإمام أَحْمَد برِوَايَة عَبْد الله ٢/ ٦٢٠، ورواية أبي داود: ٩٦.
(٤) نقل حنبل الرِّوَايَة عن أَحْمَد في عدم جوَازِ التَّطَوُّعِ بالصوم لِمَنْ عَلَيْهِ صوم فرض. وانظر رِوَايَة الجواز. المغني والشرح الكبير ٣/ ٨٤.
(٥) وإليه ذهب الخِرَقِيّ والقاضي أبو يعلى والأكثرون، ونقل حنبل عن أَحْمَد: إِذَا أجمع عَلَى الصيام من الليل فأوجبه عَلَى نفسه فافطر من غَيْر عذر أعاد يومًا مكانه. وهذه الرِّوَايَة نقلهَا الْقَاضِي أبو يعلى وغيره وحملوها عَلَى النذر توفيقًا بَيْنَ نصوصه. انظر: شرح الزركشي ٢/ ٤٦.
(٦) الرِّوَايَة الأولى: يجب القضاء سواء كَانَ الفائت واجبًا أو تطوعًا وَهُوَ اختيار الخِرَقِيّ. والرِّوَايَة الثانية: لا قضاء عَلَيْهِ، بَلْ إن كانت فرضًا فعلها بالوجوب السابق وتسقط إن كانت نفلًا. الشرح الكبير ٣/ ٥٠٩، وشرح الزركشي ٢/ ١٦٥.
(٧) الْحَدِيْث أخرجه إسحاق (١٣٦١) و(١٣٦٢)، وأحمد ٦/ ١٧١ و١٨٢ و١٨٣ و٢٠٨، وابن ماجه (٣٨٥٠)، والترمذي (٣٥١٣)، والنسائي في الكبرى (١٠٧٠٨) و(١٠٧٠٩) و(١٠٧١٠) و(١٠٧١١) و(١٠٧١٢) و(١٠٧١٣)، وفي عمل اليوم والليلة (٨٧٢) و(٨٧٣) و(٨٧٤) و(٨٧٥) و(٨٧٦) و(٨٧٧)، والطبراني في الدعاء (٩١٥) و(٩١٦)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٧٦٧)، والحاكم ١/ ٥٣٠، والقضاعي في مسند الشهاب (١٤٧٤) و(١٤٧٥) و(١٤٧٦) و(١٤٧٧) و(١٤٧٨)، والبيهقي في الدعوات الكبير (٢٠٣)، والأسماء والصفات (٩٢)، وفي الشعب (٣٧٠٠) و(٣٧٠١)، وفضائل الأوقات (١١٣) و(١١٤) من طريق عائشة مرفوعًا. وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٩١٧٨) و(٢٩١٨٠)، والنسائي في الكبرى (١٠٧١٤)، وفي عمل اليوم والليلة (٨٧٨)، والبيهقي في الشعب (٣٧٠٢) عن عائشة موقوفًا.
[ ١٦٥ ]
قَالَتْ: يَا رَسُوْلَ اللهِ إِنْ وَافَقْتُهَا بِمَ (^١) أَدْعُو؟ قَالَ: «قُوْلِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» (^٢).