صَيْدُ الحَرَمِ حَرَامٌ عَلَى المُحْرِمِ والحَلالِ فَمَنْ أتْلَفَهُ مِنْهُمَا لَزِمَهُ ما يَلْزَمُ المُحْرِمَ في صَيْدِ الإحْرَامِ ومَنْ مَلَكَ صَيْدًا في الحِلِّ فأدْخَلَهُ الحَرَمَ لَزِمَهُ رَفْعُ يَدِهِ عَنْهُ وإرْسَالُهُ (^١) وَإِذَا اجْتَمَعَ في قَتْلِ صَيْدٍ مُوجِبٍ ومُسْقِطٍ مِثْل أنْ يَرْمِيَ الحَلالُ مِنَ الحِلِّ صَيْدًا في الحَرَمِ أو يَرْميَ مِنَ الحَرَمِ صَيْدًا في الحِلِّ أو أرْسَلَ كَلْبَهُ وَهُوَ في الحِلِّ عَلَى صَيْدٍ في الحَرَمِ أو وَهُوَ في الحَرَمِ عَلَى صَيْدٍ في الحِلِّ أو كَانَتْ شَجَرَةٌ في الحَرَمِ وغُصْنُهَا في الحِلِّ فَقَعَدَ عَلَيْهَا صَيْدٌ فَرَمَاهُ حَلالٌ مِنَ الحِلِّ فَقَتَلَهُ أو كَانَتْ الشَّجَرَةُ في الحِلِّ وفُرُوعُهَا في الحَرَمِ فَقَتَلَ صَيْدًا عَلَيْهِ لَزِمَهُ الجَزَاءُ في جَمِيعِ ذَلِكَ في إحدى الرِّوَايَتَيْنِ (^٢)، والأُخْرَى: لا جَزَاءَ في جَمِيعِ ذَلِكَ (^٣) فإنْ أمْسَكَ المحلُّ حَمَامَةً في الحِلِّ ولَهَا فِرَاخٌ في الحَرَمِ فَتَلِفَت الفِرَاخُ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ وَكَذَلِكَ إنْ أمْسَكَهَا وَهُوَ في الحَرَمِ فَهَلَكَ فِرَاخُهَا في الحِلِّ ضَمِنَ ويَتَخَرَّجُ أنَّهُ لا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِناءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ (^٤) قَبْلَهَا. فإنْ أرْسَلَ المحلُّ كَلْبَهُ عَلَى صَيْدٍ في الحِلِّ فَتَحَامَل الصَّيْدُ فَدَخَلَ الحَرَمَ ودَخَلَ الكَلْبُ خَلْفَهُ فقتله فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وبِمِثْلِهِ لَوْ رَمَى سَهْمًا لِصَيْدٍ في الحِلِّ فَدَخَلَ السَّهْمُ الحَرَمَ فَقَتَلَ صَيْدًا لَزِمَهُ ضَمَانُهُ (^٥)، لأنَّ
_________________
(١) انظر: المغني ٣/ ٣٥٩ - ٣٦٠.
(٢) المغني ٣/ ٣٦٠ - ٣٦١.
(٣) قَالَ ابن قدامة: وحكى أبو الخطاب عن أَحْمَد رِوَايَة أخرى لا جزاء عَلَيْهِ في جَمِيْع ذَلِكَ لأن القاتل حلال في الحل وهذا لا يصح فان النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «لا ينفر صيدها» وَلَمْ يفرق بَيْنَ من هُوَ في الحل والحرم وَقَدْ أجمع المسلمون عَلَى تحريم صيد الحرم وهذا من صيده ولأن صيد الحرم معصوم بمحله بحرمة الحرم فَلَا يختص تحريمه بمن في الحرم. المصدر السابق ٣/ ٣٦١.
(٤) انظر: المغني ٣/ ٣٦١.
(٥) وبهذا قَالَ أصحاب الرأي وأبو ثور وابن المنذر وحكى أبو ثور عن الشَّافِعِيّ أن عَلَيْهِ الجزاء. الشرح الكبير ٣/ ٣٦٢.
[ ١٨٥ ]
الكَلْبَ لَهُ قَصْدٌ واخْتِيَارٌ والسَّهْمُ لا قَصْدَ لَهُ، وَقَالَ أبُو بَكْرٍ: عَلَيْهِ الضَّمَانُ في المَسْأَلَتَيْنِ جَمِيْعًا.
وشَجَرُ الحَرَمِ الَّذِي يَنْبُتُ بِنَفْسِهِ يَحْرُمُ قَلْعُهُ عَلَى المُحْرِمِ والحلالِ، ومَنْ قَلَعَهُ ضَمِنَ الشَّجَرَةَ الكَبِيْرَةَ بِبَقَرةٍ والصَّغِيْرَةَ بِشَاةٍ، فإنْ أتْلَفَ غُصْنًا مِنْهَا ضَمِنَ ما نَقَصَ فإنْ عَادَ الغُصْنُ سَقَطَ الضَّمَانُ ويُحْتَمَلُ أنْ لا يَسْقُطَ فإنْ قَطَعَ غُصْنًا في الحِلِّ وأصْلُهُ في الحَرَمِ ضَمِنْ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ الأصْلُ في الحِلِّ والغُصْنُ في الحَرَمِ. وَقَالَ شَيْخُنَا ما كَانَ أصْلُهُ في الحِلِّ لا يضْمَنُ فَرْعُهُ الَّذِي في الحَرَمِ. ويَجُوزُ قَلْعُ ما أنْبَتَهُ الآدَمِيّونَ مِنَ الأشْجَارِوالبقُولِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ويَجُوزُ قَطْعُ الشَّجَرِ اليَابِسِ والعَوْسَجِ والشَّوْكِ والإذْخَرِ ولا ضَمَانَ (^١) ويُحَرَّمُ قَطْعُ حَشِيْشِ الحَرَمِ. وفي جَوَازِ رَعْيِهِ وَجْهَانِ (^٢) وَإِذَا قَطَعَهُ ضَمِنَهُ بِقِيْمَتِهِ فإن اسْتَخْلَفَ فَهَلْ يَسْقُطُ الضَّمَانُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ (^٣) ويُحْرَّمُ صَيْدُ المَدِيْنَةِ وشَجَرُها وحَشِيْشُهَا (^٤)، كَمَا يُحَرَّمُ صَيْدُ الحَرَمِ وشَجَرُهُ وحَشِيْشُهُ إلاَّ أنَّهَا تُفَارِقُ الحَرَمَ فِي أنَّ مَنْ أدْخَلَ إِلَيْهَا صَيْدًا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ رَفْعُ يَدِهِ عَنْهُ ويَجُوزُ لَهُ ذَبْحُهُ وأكْلُهُ ويَجُوزُ أنْ يأْخُذَ مِنْ شَجَرِهَا مَا تَدْعُو الحَاجَةُ إِلَيْهِ لِلْوسَائِدِ والمَسَانِدِ والرَّحْلِ وَكَذَلِكَ مِنْ حَشِيْشِهَا مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِلْعَلَفِ بِخَلافِ الحَرَمِ وَإِذَا ثَبَتَ تحْرِيْمُهُ فَهَلْ يَجِبُ فِيْهِ الجَزَاءُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، إحداهما: لَا جزاء فِيْهِ، والثانية: فِيْهِ الجزاء وَهُوَ سَلْبُ المُقَاتِلِ يَكُوْنُ لِمَنْ أخَذَهُ.
وصَيْدُ السَّمَكِ وما أشْبَهَهُ لا يَجُوزُ مِنْ آبَارِ الحَرَمِ وعُيُونِهِ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ والأُخْرَى يَجُوزُ لَهُ صَيْدُهُ مِنَ الحَرَمِ وأكْلُهُ ومَا وَجَبَ فِيْهِ مِنَ الدِّمَاءِ لِتَرْكِ نُسُكٍ كَدَمِ التَّمَتُّعِ والقِرَانِ ومُجَاوَزَةِ المِيْقَاتِ وترك الوقوف بعرفة إِلَى غروب الشمس وتَرْكِ المَبِيْتِ بِمُزْدَلِفَةَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ وتَرْكِ البَيْتُوتَةِ بِمِنًى لَيَالِي مِنَى مِنْ غَيْرِ أهْلِ السِّقَايَةِ والرِّعَاءِ وَطَوَافِ الفَوَاتِ والوَدَاعِ والهَدْي المَنْذُورِ فإنَّهُ يَخْتَصُّ نَحْرَهُ وتَفْرِقَةَ لَحْمِهِ
_________________
(١) وحكى ابن قدامة التحريم ونقل تجويز أبي الخطاب وأفاد بأن ذَلِكَ مروي عن عطاء ومجاهد وعمرو بن دينار والشافعي لأنَّهُ يؤذي بطبعه فأشبه السباع من الحيوان. انظر: المغني والشرح الكبير ٣/ ٣٦٥.
(٢) أحدهما: لا يجوز وَهُوَ مذهب أبي حَنِيْفَةَ لأن ما حرم إتلافه لَمْ يَجُزْ ان يرسل عَلَيْهِ ما يتلفه كالصيد. والثاني: يَجوز وَهُوَ مذهب عطاء والشافعي لأن الهدي كَانَتْ تدخل الحرم فتكثر فِيْهِ فَلَمْ ينقل أنَّهُ كَانَتْ تسر أفواهها ولأن بهم حاجة إِلَى ذَلِكَ أشبه قطع الإذخر. المغني ٣/ ٣٦٧.
(٣) انظر: المصدر السابق ٣/ ٣٦٧.
(٤) وبهذا قَالَ مالك والشافعي وَقَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ: لا يحرم لأنَّهُ لَوْ كَانَ محرمًا لبينه النَّبِيّ ﷺ كصيد الحرم. انظر: المغني ٣/ ٣٦٩.
[ ١٨٦ ]
بالحَرَمِ، وَكَذَلِكَ الإطْعَامُ عَنْهُ وَكَذَلِكَ جَزَاءُ الصَّيْدِ وما وجب من الدماء من فدية الاداء وما فِي معناها من شم الطيب ولِبْسِ المَخِيْطِ فَيَجُوزُ نَحْرُهُ والإطْعَامُ عَنْهُ حَيْثُ وُجِدَ سَبَبُهُ مِنْ حِلٍّ أو حَرَمٍ، وَكَذَلِكَ الهَدْيُ الوَاجِبُ بالإحْصَارِ، وَعَنْهُ بالإحْصَارِ أنَّ هَدْيَهُ يَخْتَصُّ بالحَرَمِ، وَقَالَ الخِرَقِيُّ (^١): كُلُّ هَدْيٍ وإطْعَامٍ فَهُوَ لِمَسَاكِينِ الحَرَمِ إنْ قَدِرَ عَلَى إيْصَالِهِ إلَيْهِمْ إلاّ مَنْ أصَابَهُ أذَى مِنْ رَأْسِهِ فَيُفَرِّقُ في المَوْضِعِ الَّذِي حَلَقَ، وَإِذَا ذَبَحَ الهَدْيَ فسُرِقَ أجْزَأَهُ.
وَحَدُّ الحَرَمِ مِنْ طَرِيْقِ المَدِيْنَةِ ثَلاثَةُ أمْيَالٍ عِنْدَ بُيُوْتِ السُّقْيَا، ومِنْ طَرِيْقِ اليَمَنِ سَبْعَةُ أمْيَالٍ عِنْدَ إضَاحةِ لبنٍ (^٢) ومِنْ طَرِيْقِ العِرَاقِ سَبْعَةُ أمْيَالٍ عَلَى ثنيةِ رِجل (^٣) بالمنقَطِعِ، ومِنْ طَرِيْقِ الجُعْرَانَةِ عَلَى تِسْعَةِ أمْيَالٍ في شِعْبٍ يُنْسَبُ إِلَى عَبْدِ اللهِ بنِ خَالِدِ بنِ أُسَيْدٍ، ومِنْ طَرَيْقِ جَدَّة عَلَى عَشْرَةِ أمْيَالٍ عِنْدَ مُنْقطعِ الأعْشَاشِ، ومِنْ طَرِيقِ الطَّائِفِ سَبْعَةُ أمْيَالٍ عِنْدَ طَرَفِ عَرَفَة ومِنْ بَطْنِ عَرَفَة عَلَى أحَدَ عَشَرَ مِيْلًا فَهَذَا حَدُّهُ عَلَى ما ذَكَرَهُ أَبُو العَبَّاسِ ابنُ العَاصِ في كِتَابِ " دَلائِلِ القِبْلَةِ " وذَكَرَ شَيْخُنَا حَدَّهُ مِنْ طَرِيْقِ المَدِيْنَةِ دُوْنَ التَّنْعِيْمِ عِنْدَ بُيُوتِ نِفَار على ثَلاثَةِ أمْيَالٍ ومِنْ طَرِيْقِ العِرَاقِ عَلَى ثنية جبل بالمنقطعِ عَلَى سَبْعَةِ أمْيَالٍ، ومن طريق الجعرانة فِي شعب ابْن خَالِد عَلَى تسعة أميال، ومِنْ طَرِيقِ الطَّائِفِ عَلَى عَرَفَةَ مِنْ بَطْنِ نَمِرَةَ تسعَةُ أمْيَالٍ، ومِنْ طَرِيْقِ جُدَّةَ منقطعُ الأعْشَاشِ عَلَى عَشْرَةِ أمْيَالٍ.
فأمَّا حَدُّ حَرَمِ مَدِيْنَةِ الرَّسُولِ ﷺ الَّذِي حَرَمُهُ فَمَا بَيْنَ جَبَلِ ثَوْرٍ إِلَى جبَلِ عَيْرٍ، وجَعَلَ حَوْلَ المَدِيْنَةِ اثْنَا عَشَرَ مِيْلًا حِمًى.