السُّنَّةُ أنْ يَقِفَ المَأْمُوْمُوْنَ خَلْفَ الإِمَامِ، فَإِنْ وَقَفُوا قُدَّامَهُ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُمْ، فَإِنْ كَانَ المَأْمُومُ وَاحِدًا وَقَفَ عَنْ يَمِيْنِهِ، فَإِنْ وَقَفَ عَنْ يَسَارِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ. وإِذَا كَبَّرَ عَنْ يَمِيْنِهِ وَجَاءَ آخَرُ فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ مَعَهُ، ويَخْرُجَانِ وَرَاءَ الإِمَامِ، فَإِنْ كَبَّرَ الثَّانِي عَنْ يَسَارِهِ أَخْرَجَهُمَا بِيَدَيْهِ إلى وَرَائِهِ، ولَا يَتَقَدَّمُ الإِمَامُ عَنْ مَوْضِعِهِ إلاَّ أَنْ يَكُوْنَ وَرَاءهُ ضَيِّقًا. وَإِذَا أَمَّ امْرَأَةً كَانَتْ خَلْفَهُ، فَإِنْ حَضَرَ مَعَهُمَا خَنَاثَى كَانُوا خَلْفَهُ والمَرْأَةُ خَلْفَهُمْ. فَإِنِ اجْتَمَعَ رِجَالٌ وصِبْيَانٌ وخَنَاثَى، يُقَدَّمُ الرِّجَالُ ثُمَّ الصِّبْيَانُ ثُمَّ الخَنَاثَى ثُمَّ النِّسَاءُ. وَإِذَا خَافَ الرَّجُلُ فَوَاتَ الرَّكْعَةِ مَعَ الإِمَامِ فَكَبَّرَ فَذًّا (^٣) خَلْفَ الصَّفِّ وصَلَّى رَكْعَةً كَامِلَةً لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ، وإِنْ كَبَّرَ فذًا (^٤) ثُمَّ دَخَلَ في الصَّفِّ، أو جَاءَ آخَرُ فَوَقَفَ مَعَهُ قَبْلَ أنْ يَرْفَعَ الإِمَامُ مِنَ الرُّكُوعِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ (^٥).
وإنْ كَانَ الإِمَامُ قَدْ رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ وَلَمَّا يَسْجُدْ فَصَلَاتُهُ تَصِحُّ أيْضًا. وعَنْهُ: إنْ كَانَ
_________________
(١) شيء سلس: أي سهل، وفلان سَلِسُ البول، إذا كَانَ يستمسكه. الصحاح ٣/ ٩٣٨ (سلس).
(٢) لحديث النبي ﷺ: «إنما جعل الإمام ليؤتم به … وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعين». أخرجه عَبْد الرزاق (٢٩٠٩)، والحميدي (١١٨٩)، وأحمد ٣/ ١١٠ و١٦٢، وعبد بن حميد (١١٦١)، وابن ماجه (٨٧٦) و(١٢٣٨)، والترمذي (٣٦١)، والطحاوي في شرح المعاني ١/ ٢٣٨، والبيهقي ٢/ ٩٦ و٩٧ من حديث أنس بن مالك.
(٣) «فذا» الفذ: الفرد، والجمع أفذاذ وفذوذ. انظر: لسان العَرَبِ لابن منظور ٢/ ١٠٦٤.
(٤) وردت فِي المخطوط «وفذًا» وحذفنا «الواو» ليستقيم الكلام.
(٥) انظر: مسائل أبي داود للإمام أحمد: ٣٥.
[ ١٠٠ ]
عَالِمًا بالنَّهْيِ لَمْ تصح، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِغَيْرِ غَرَضٍ ولَا خَشِيَ الفَوَاتَ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ، وَقِيْلَ: تَنْعَقِدُ (^١). وإِذَا حَضَرَ فَوَجَدَ في الصَّفِّ فُرْجَةً دَخَلَ فِيْهَا، وإِنْ لَمْ يَجِدْ وَقَفَ عَنْ يَمِيْنِ الإِمَامِ، وَلَمْ يُسْتَحَبَّ أنْ يَجْذِبَ رَجُلًا فَيَقُومَ مَعَهُ صَفًّا، فَإِنْ وَقَفَ إلى جَنْبِ كَافِرٍ أو مُحْدِثٍ يَعْلَمُ بِحَدَثِهِ، أو امْرَأَةٍ أو صَبِيٍّ فَهُوَ فَذٌّ، وعَنْهُ في الصَّبِيِّ: أنَّهُ يَكُوْنُ صَفًّا مَعَهُ في النَّافِلَةِ فَقَطْ. وَإِذَا وَقَفَتْ المَرْأَةُ في صَفِّ الرِّجَالِ كُرِهَ وَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهَا ولَا صَلَاةُ مَنْ يَلِيْهَا. وَقَالَ أبو بَكْرٍ (^٢): تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ يَلِيْهَا (^٣).
وإِذَا صَلَّى في المَسْجِدِ مَأْمُوْمًا وَهُوَ لَا يَرَى الإِمَامَ ولَا مَنْ وَرَاءهُ غَيْرَ أنَّهُ يَسْمَعُ التَّكْبِيْرَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، وعَنْهُ: أنَّهَا تَصِحُّ (^٤). وَإِذَا صَلَّى خَارِجَ المَسْجِدِ وَهُوَ يَرَى مَنْ وَرَاءَ الإِمَامِ ولَيْسَ بَيْنَهُمَا طَرِيْقٌ، أو بَيْنَهُمَا طَرِيْقٌ والصُّفُوفُ مُتَّصِلَةٌ صَحَّتِ الصَّلَاةُ. فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ يَمْنَعُهُ مِنْ رُؤْيَةِ المَأْمُوْمِيْنَ أو طَرِيْقٌ أو نَهْرٌ تَجْرِي فِيْهِ السُّفُنُ لَمْ يَصِحَّ أنْ يَأْتَمَّ بِهِ. ويُكْرَهُ لِلإِمَامِ أنْ يَكُوْنَ أَعْلَى مِنَ المَأْمُوْمِيْنَ سَوَاءٌ أَرَادَ تَعْلِيْمَهُمُ الصَّلَاةَ (^٥) أو لَمْ يُرِدْ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَقَالَ ابنُ حَامِدٍ: تَبْطُلُ الصَّلَاةُ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا تَبْطُلُ. ولَا يُسْتَحَبُّ للإِمَامِ أنْ يَقِفَ في طَاقِ القِبْلَةِ إلاَّ أنْ يَكُوْنَ المَسْجِدُ ضَيِّقًا، ولَا يُكْرَهُ لِلإِمَامِ أنْ يَقِفَ بَيْنَ
_________________
(١) انظر: شرح الزركشي عَلَى مَتْن الخرقي ١/ ٤١٩ و٤٢١.
(٢) هو الإمام أبو بَكْرٍ أحمد بن هارون الخلال، له تصانيف كثيرة جامعة لعلوم الإمام أحمد، توفي سنة (٣١١ هـ)، ودفن ﵀ عند رجلي أحمد ﵀. مختصر طبقات الحنابلة: ٢٨.
(٣) قلنا: ورد عن السيدة عَائِشَة أنها قالت: «كَانَ رَسُوْل الله ﷺ يصلي صلاته من الليل، وأنا عَنْ يمينه وعن شماله مضطجعة». والحديث أخرجه أحمد ٦/ ٩٥ و١٤٦، وأبو يعلى (٤٨١٩). فكون المرأة عن يمين وشمال المصلي لا تبطل صلاته، فالوقوف بجنب المصلي أولى بِذَلِكَ.
(٤) وعنه روايتان أخريان: أحدهما: تصح في المسجد ولا تصح في غيره، وهي اختيار القاضي. الثانية: يصح ذلك في التطوع دون الفريضة. حكاها ابن حامد. انظر: شرح الزركشي ١/ ٤١٠.
(٥) إذا أراد تعليمهم فَلَا بأس بذلك لما رواه سهل بن سعد أن النبي ﷺ صلى عَلَى المنبر، والناس وراءه، فجعل يصلي عليه ويركع، ثُمَّ يرجع إلى القهقري فيسجد عَلَى الأرض، ثُمَّ يعود إلى المنبر، فلما فرغ أقبل عَلَى الناس، فَقَالَ: «إنما صنعت هَذَا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي». والحديث أخرجه أحمد ٥/ ٣٣٩، والبخاري ٢/ ١١ (٩١٧) ومسلم ٢/ ٧٤ (٤٤) (٥٤٤)، وأبو داود (١٠٨٠)، وابن ماجه (١٤١٦)، والنسائي ٢/ ٥٧، والبيهقي ٣/ ١٠٨. لكن إذا كَانَ لعدم التعليم فإنه يكره، ولذلك عندما قام عمار يصلي في المدائن عَلَى دكان، والناس تصلي أسفل منه تقدم إليه حذيفة وأنزله، فلما فرغ عمار من الصَّلَاة، قَالَ لَهُ حذيفة: ألم تسمع رَسُوْل الله ﷺ يَقُوْل: «إذا أمَّ الرجلُ القومَ فَلَا يقوم في مقام أرفع من مقامهم». الحديث أخرجه أبو داود (٥٩٨)، والبيهقي ٣/ ١٠٩.
[ ١٠١ ]
السَّوَارِي (^١)، ويُكْرَهُ لِلْمَأْمُوْمِيْنَ؛ لأنَّهَا تَقْطَعُ صُفُوْفَهُمْ (^٢). ويُكْرَهُ لِلإِمَامِ أنْ يَتَطَوَّعَ مَوْضِعَ صَلَاتِهِ المَكْتُوْبَةِ، ولَا يُكْرَهُ لِلْمَأْمُوم. وَإِذَا صَلَّتِ امْرَأَةٌ بِنِسَاءٍ قَامَتْ وسَطَهُنَّ فِي الصَّفِّ، وكَذَلِكَ إمَامُ الرِّجَالِ العُرَاةِ يَكُوْنُ فِي وسَطِهِمْ.