* في الصحيحين أن النبي - ﷺ - قال: "ومنبري على حوضي" (١). وفي تفسيره أقوال:
أحدها: أنه يُنصب على حوضه يوم القيامة.
والثاني: أن له منبرًا ينصب على حوضه.
والثالث: من لزم عبادة الله تعالى عند المنبر سُقي من الحوض يوم القيامة.
وذكر ابن الجوزي في "مثير الغرام الساكن"، بسنده: أن النبي - ﷺ - قال: "منبري على ترعة من تُرع الجنة" (٢).
وفي الترعة ثلاثة أقوال؛ ذكرها أبو عبيد:
أحدها: أنها الروضة تكون على المكان المرتفع خاصة، فإذا كانت في المكان المطمئن فهي روضة.
والثاني: أنها الباب.
والثالث: أنها الدرجة.
_________________
(١) "البخاري" (١١٩٦)، و"مسلم" (١٣٩١) من حديث أبي هريرة.
(٢) (٢/ ٢٦٦) من حديث أبى هريرة.
[ ٢٤٨ ]
وقد كان النبي - ﷺ - يخطب أولًا إلى جذع ولم يكن له منبر، حتى قالت له امرأة من الأنصار من بني (٦١/ ب) ساعدة، ويقال امرأة رجل منهم يقال لها: مينا، إن لي غلامًا نجارًا ألا أجعل لك أعوادًا تجلس عليهن إذا كلَّمت الناس. قال: "إن شئت"؛ فعمِلَت له المنبر ثلاث درج وهو من طرفاء (١) الغابة (٢). واسم الغلام: مينا، ويقال: إبراهيم. وقيل: صنعه غلام عمه العباس، واسمه: صباح، وقيل: كلاب.
وفي "أبي داود": إنما عمله تميم الداري، وقيل: عمله غلام لسعيد بن العاص يقال له: باقول، وقيل: عمله غلام لرجل من بني مخزوم.
* وكان اتخاذ المنبر: سنة ثمان من الهجرة- كما نقله ابن النجار.
فجلس النبي - ﷺ - على المجلس ووضع رجليه على الدرجة الثانية.
فلما ولي أبو بكر ﵁؛ قام على الدرجة الثانية ووضع رجليه على الدرجة السفلى.
فلما وَلي عمر ﵁؛ قام على الدرجة السفلى ووضع رجليه
على الأرض إذا قعد.
فلما وَلي عثمان ﵁؛ فعل مثل ذلك سنتين (٣) من خلافته، ثم علا إلى موضع النبي - ﷺ -، وكَسَى المنبر قبطيَّة، وهو أول من كساه، فسرقتها امرأة، فأُتِىَ بها، فقال لها: سرقتِ؟ قولي لا! فاعترفت؛ فقطعها. واتفق لامرأة مع ابن الزبير مثل ذلك.
_________________
(١) في "م" "طرف".
(٢) "البخاري" (٩١٧) من حديث سهل بن سعد.
(٣) "سنتين" كذا في "ق"، وفي "م، س": "سنة سنين"، وفي "الدرة الثمينة" لابن النجار (ص: ١٥٩): "ست سنين" وكذا في "ع".
[ ٢٤٩ ]
وطوله - كما حكاه ابن النجار: ذراعان في السماء وثلاث أصابع، وعرضه: ذراع راجح، وطول صدره وهو مستَنَد النبي - ﷺ - وسلم: ذراع، وطول رمانتي المنبر اللتين كان النبي - ﷺ - يمسكهما بيديه الكريمتين إذا جلس: شبر وإصبعان، وتربيعُهُ: سواء، وعدد درجاته: ثلاث بالمقعد، وفيه خمسة أعواد من جوانبه الثلاثة.
وهذا؛ كان في حياته ﵊، وفي خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃. فلما حجّ معاوية: كساه قبطية، وليس هو أول من كساه - كما تقدم.
و"القبطية" - بضم القاف وقد "عسر مع سكون الباء الموحَّدة فيهما-: ثياب رقاق من مصر. ثم كتب معاوية إلى مروان وهو عامله على المدينة: أن ارفع المنبر (٦٢/ أ) عن الأرض، فدعا النجارين ورفعوه عن الأرض، وزاد من أسفله ست درجات ورفعوه عليها، فصار للمنبر تسع درجات بالمجلس.
* واحترق المسجد الشريف: ليلة الجمعة أول شهر رمضان سنة أربع وخمسين وستمائة.
ونقل أبو شامة: أن ابتداء حريقه من زاويته الغربية من الشمال، واحترق أبو بكر الفرَّاش في حاصل المسجد تلك الليلة، واتصلت النار بالسقف سَرِعة، ثم دبّت في السقوف أخذت قبلة فأعجلت الناس عن قطعها، فما كان إلا ساعة حتى احترقت سقوف المسجد ولم يبقَ خشبة واحدة ووقع بعض أساطينه وذاب رصاصهما، وكل ذلك؛ قبل أن ينام الناس، وسقط السقف الذي كان على أعلى الحجرة المقدسة فوق سقف بيت النبي - ﷺ -، ووقع ما وقع منه في الحجرة وبقي على حاله، فكُتِب بذلك إلى الخليفة المعتصم بالله من المدينة في شهر رمضان، فوصلت الالآت صحبة الصنَّاع مع ركب العراق، وابتُدئ بعمارته: أول سنة خمس وخمسين وستمائة.
[ ٢٥٠ ]
وعمل الملك المظفر صاحب اليمن منبرًا رُمَّانتاه من الصندل، وأرسله: في سنة ست وخمسين وستمائة، ونصب في موضع منبر النبي - ﷺ -، وبقي عشر سنين يُخْطَبُ عليه إلى سنة ست وستين وستمائة أرسل الملك الظَّاهر هذا المنبر الموجود اليوم وعدد درجاته سبع بالمقعد.
* قال في "تحقيق النُصرة": ثم في عشر الستين وسبعمائة؛ اشتُريَتْ قرية من بيت المال بمصر ووقفت على كُسْوة الكعبة المشرفة في كل سنة وعلى كسوة الحجرة المقدسة والمنبر الشريف في كل لست سنين مرة يُعمل من الديباج الأسود مرقوم بالحرير الأبيض إلَّا كسوة المنبر فإنه بتقصيص أبيض.
* * *
[ ٢٥١ ]