* روى ابن الجوزي بسنده إلى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة" (١).
قال في "المستوعَب": فإذًا فضيلة النفْل فيهما على النفْل في غيرهما كفضيلة الفرض فيهما على الفرض في غيرهما. وكذا ذكر ابن عبد القوي وصاحب "الرعاية" وزاد: للأثر. وكذا عند الشافعية: المضاعفة لا تختص بالفرض. وقال القاضي السروجي الحنفي: اسم الصلاة يتناول الفرض والنفْل ثم قال: وحكى ابن رشد المالكي في "القواعد": أن أبا حنيفة حمل هذا الخبر يعني صلاة في مسجدي هذا على الفرض؛ ليجمع بينه وبين قوله ﵇: "صلاة أحدكم في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا، إلَّا (١٣/أ) المكتوبة" (٢).
قال ابن حجر: ويمكن أن يقال لا مانع من إبقاء الحديث على عمومه فتكون صلاة النافلة في بيت بالمدينة أو بمكة تضاعَف على صلاتها في بيت بغيرها، وكذا في المسجدين، وإن كانت في البيوت أفضل مطلقًا.
وقال الشيخ مجد الدين: ظاهر الأخبار أن النفْل في البيت أفضل، قال
_________________
(١) رواه "أحمد" (٣/ ٣٤٣).
(٢) "البخاري" (٦١٣٣) و"مسلم" رقم (٧٨١) من حديث زيد بن ثابت.
[ ٧٠ ]
﵊: "أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلَّا المكتوبة" متفق عليه.
قال: وينبغي أن يكون مرادهم إلا النساء؛ لأن صلاتهن في بيوتهن أفضل، والأخبار مشهورة في ذلك، وهو ظاهر كلام أصحابنا وغيرهم. وقد روى الإمام أحمد، عن أم حميد؛ أنها جاءت النبي - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك، قال قد علمت أنك تحبين الصلاة معي وصلاتك في بيتك- خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي هذا، قال فأمرت فبُني لها مسجد (١) في أقصى بيت من بيتها. والله كانت تصلى فيه حتَّى لقيت الله ﷿ (٢).
قال في "الفروع": وظاهر كلامهم (٣) المسجد الحرام أنَّه نفس المسجد، ومع هذا؛ فالحرم أفضل من الحِلِّ، فالصلاة فيه أفضل.
* وذكَر ابن الجوزي: أن الإسراء كان من بيت أم هانئ عند أكثر المفسرين، قال فعلى هذا المعنى بالمسجد الحرم كله، والحرم كله مسجد. ذكره القاضي أبو يعلى وغيره، قال: ومرادهم في التسمية لا في الأحكام. قال: ويتوجه من هذا حصول المضاعفة بالحرم كنفس المسجد، وجزم به صاحب "الهدي" من أصحابنا لا سيما عند مَن جعله كالمسجد في المرور قدَّام المصلي وغيره. وصححه النووي.
_________________
(١) فى "م" "مسجدًا" وفي "ع" "فأمرت من يبني لها مسجدًا".
(٢) "المسند" (٦/ ٣٧١).
(٣) في هامش "ق" "لعله في المسجد".
[ ٧١ ]
* ثم إن التضعيف المذكور؛ يرجع إلى الثواب ولا يتعدَّى إلى الإجزاء باتفاق العلماء، كما نقله النووي وغيره. فلو كان عليه صلاتان، (١٣/ ب) فصلَّى في أحد المسجدين صلاة لم تجز إلَّا عن واحدة.
قال المقَّري أبو بكر النقاش في "تفسيره": حسبتُ المضاعفة في هذه الرواية -يعني المتقدمة-؛ فبلغت صلاة واحدة في المسجد الحرام: عمر خمس وخمسين سنة وستة أشهر وعشرين ليلة. وصلاة يوم وليلة في المسجد الحرام، وهي خمس صلوات: عمر مائتي سنة وسبع وسبعين (١) سنة وتسعة أشهر وعشر ليالٍ.
* قال ابن حجر: وقد أوهم كلام النقاش خلاف ما قاله النَّووي في الإجزاء. وقال أيضًا هذا التضعيف، مع قطع النظر عن التضعيف بالجماعة فإنها تزيد سبعًا وعشرين درجة، لكن هل يجتمع التضعيفان أم لا، محل بحث. انتهى كلام ابن حجر.
* قلت: وقد ذكر الإمام بدر الدين أحمد بن محمد المعروف بابن الصاحب المصري الآثاري: أن كل صلاة بالمسجد الحرام فرادى: بمائة ألف صلاة، كما ورد في الحديث. وكل صلاة فيه جماعة: بألفي صلاة وسبعمائة ألف صلاة، والصلوات الخمس فيه: بثلاثة عشر ألف ألف صلاة وخمسمائة ألف صلاة، وصلاة الرجل منفردًا في وطنه عن المسجدين المعظمين: كل مائة سنة شمسية: بمائة ألف وثمانين ألف صلاة. وكل ألف سنة: بألف ألف صلاة وثمانمائة ألف صلاة.
فتلخَّص من هذا؛ أن صلاة واحدة في المسجد الحرام جماعة: يفضل ثوابها على ثواب مَن صلَّى في بلده فرادى حتَّى بلغ عمر نوح ﵇ وزاد عليه
_________________
(١) في "ق" "سنين".
[ ٧٢ ]
بنحو النصف، وسلام على نوح في العالمين، وهذه فائدة؛ تسوي رحلة.
ثم قال: هذا إذا لم يُضف إلى ذلك شيئًا آخر من أنواع البِرِّ، فإن صام يومًا وصلَّى الصلوات الخمس جماعة وفعل فيه أنواعًا من البِرِّ. وقلنا بالمضاعفة، فهذا مما يعجز (١) الحساب حصر ثوابه.