* في الصحيحين من حديث عثمان ﵁، عن النبيُّ أنه قال: "من بنى لله ﷿ مسجدًا: بنى الله له مثله في الجنة" (١).
* وفي رواية البخاري، عن عثمان ﵁ أنه قال عند قول الناس فيه حين بنى مسجد الرسول - ﷺ -: إنكم أكثرتم، وإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "من بنى مسجدًا - قال بُكير: حسبت أنه قال: يبتغي به وجه الله تعالى: بنى الله له مثله في الجنة" (٢).
* - وعن ابن عباس عن النبي أنه قال: "من بنى لله مسجدًا ولو كمفحَص قَطاة لبيْضها: بنى الله له بيتًا في الجنة". رواه أحمد (٣).
تنبيهات:
* (٤/ ب) أحدها: قوله: "مثله" استشكله بعض الناس مع ضمه إلى قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (٤).
_________________
(١) "البخاري" (٤٥٠)، و"مسلم" (٥٣٣).
(٢) "البخاري" (٤٥٠)، و"مسلم" (٥٣٣).
(٣) "المسند" (١/ ٢٤١).
(٤) "الأنعام" (آية: ١٦٠).
[ ٤٠ ]
قال النووي: المثلية هنا تحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون معناه: بنى (١) له بيتًا في الجنة فضَّله على ما سواه من بيوت الجنة- كفضل المسجد على بيوت الدنيا.
الثاني: أن يكون معناه مثله في مسمَّى البيت، وأما حقيقة صفته في السعة وغيرها؛ فمعلوم فضلها وعِظَمها.
وهذا معنى قول بعضهم: المثلية بحسب الكمية، والزيادة حاصلة بحسب الكيفية، فكم من بيت خير من عشرة بل من مائة.
وكذا قال ابن الجوزي: مثله في الاسم لا في المقدار، أي بُني له بيت كما بَنَى بيتًا؛ فيبقى جزاء هذه الحسنة من جنس البناء لا من غيره، مع قطع النظر عن ذلك، مع أن التفاوت حاصل قطعًا بالنسبة إلى ضيق الدنيا وسعة الجنة.
* وقد روى الإمام أحمد من حديث واثلة بلفظ "بنى الله له في الجنة أفضل منه" (٢).
* وللطبراني من حديث أبي أُمامة بلفظ: "أوسع منه" (٣).
وهذا يُشعر؛ بأن المثلية لم يقصد بها المساواة من كل وجه.
وقال القرطبي: هذه المثليَّة ليست على ظاهرها، ولكن المعنى: أنه يبني له بثوابه أشرف وأعظم وأرفع.
_________________
(١) في "ق": "بنى الله".
(٢) "المسند" (٣/ ٤٩٠).
(٣) "المعجم الكبير" (٨/ ٢٦٨) قال في "المجمع" (٢/ ٨): وفيه علي بن يزيد، وهو ضعيف. وعند أحمد في "المسند" (٦/ ٤٦١) بلفظ: "أوسع منه"، من حديث أسماء بنت يزيد.
[ ٤١ ]
* التنبيه الثاني: إنما مَثّل بمفحص القطاة دون غيرها؛ لأنها تتخذ لبيضها على بسيط الأرض لا على شجر ولا جبل، بخلاف غيرها من الطيور.
وقيل: لأن العرب تضرب بها المثل في الصدق؛ ففيه: رمز حضَّ له على المحافظة على الإخلاص في بنائه والصدق في إنشائه.
* التنبيه الثالث: هل يحصل الثواب المذكور لمن جعل بقعة من الأرض مسجدًا؛ بأن يكتفى بتحويطها من غير بناء كما يفعله المسافرون. أم لا؟
إن وقفنا مع ظاهر اللفظ: فلا، وإن نظرنا إلى المعنى: فنعم؛ وهو المتجه، قاله: ابن حجر.
وكذا قوله: "بنى": حقيقة في المباشرة بشرطها، وهو: أن لا يكون أميرًا، لكن المعنى يقتضي دخول الأمر أيضًا، وهو (٥/ أ) المنطبق على استدلال عثمان ﵁؛ لأنه استدل بهذا الحديث، ومن المعلوم: أنه لم يباشر ذلك بنفسه.
* * *
[ ٤٢ ]