ظاهر المذهب التفرقة بين الطَّهور - على وزن فعول -، والطاهر - على وزن فاعل - بأن الأول متعد، والثاني لازم (١)، وقد ردَّ تقي الدين هذا التفريق من ناحية اللغة، وذكر فروقا بينهما من ناحية اللزوم والتعدية المعنوية الحكمية الفقهية بناء على ظاهر المذهب.
قال تقي الدين: (اختلف العلماء في «الطَّهور» هل هو بمعنى «الطاهر» أم لا؟
وهذا النزاع معروف بين المتأخرين من أتباع الأئمة الأربعة.
قال كثير من أصحاب مالك وأحمد والشافعي: «الطَّهور» متعد. و«الطاهر» لازم.
وقال كثير من أصحاب أبي حنيفة: بل «الطاهر» هو «الطَّهور» وهو قول الخرقي.
وفصل الخطاب في المسألة: أن صيغة اللزوم والتعدي لفظ مجمل يراد به اللزوم والتعدي النحوي اللفظي، ويراد به التعدي الفقهي.
فالأول أن يراد باللازم ما لم ينصب المفعول به، ويراد بالمتعدي ما نصب المفعول به، فهذا لا تفرق العرب فيه «فاعل» و«فعول» في اللزوم فمن قال: إن فعول هذا بمعنى فاعل، من أن كلاَّ منهما مفعول به كما قال كثير من الحنفية فقد أصاب، ومن اعتقد أن فعول بمعنى فاعل الماضي فقد أخطأ.
وأما التعدي الفقهي فيراد به أن الماء الذي يتطهر به في رفع الحدث، بخلاف ما كان كالأدهان والألبان.
وعلى هذا فلفظ طاهر في الشرع أعم من لفظ «طهور» فكل طهور طاهر،
وليس كل طاهر طهورا.
وقد غلط الفريقان في ظنهم أن «طهورًا» معدول عن طاهر، وإنما هو اسم لما
_________________
(١) انظر المغني (١/ ٢١ - ٢٢).
[ ٣١ ]
يتطهر به؛ فإن العرب تقول: طهور، ووجور (١) لما يتطهر به، ويوجر به، وبالضم للفعل الذي هو مسمى المصدر فطَّهور صيغة مبينة لما يفعل به، وليس معدولا عن طاهر، ولهذا قال تعالى في إحدى الآيتين: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورً﴾ وقال في الآية الأخرى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾.
إذا عرفت هذا فالطاهر يتناول الماء وغيره، وكذلك الطهور؛ فإن النبي - ﷺ - «جعل التراب طهورا»، ولكن لفظ «طاهر» يقع على جامدات كثيرة كالثياب والأطعمة وعلى مائعات كثيرة كالأدهان والألبان، وتلك لا يمكن أن يتطهر بها فهي طاهرة ليست بطهور (٢). قال بعض الناس: لا فائدة في النزاع في المسألة. قال القاضي أبو يعلى: فائدته أنه عندنا لا تجوز إزالة النجاسة بغير الماء لاختصاصه بالتطهير، وعندهم تجوز لمشاركته غير الماء في الطهارة (٣)، قال أبو العباس: وله فائدة أخرى: وهي أن الماء يدفع النجاسة عن نفسه بكونه مطهرا كما دل عليه قوله - ﷺ -: «الماء طهور لا ينجسه شيء» وغيره ليس بطهور فلا يدفع، وعندهم الجميع سواء (٤» (٥).