روايات المذهب:
قال ابن مفلح في " الفروع" (١/ ٥٥): (وإن خلت به وقيل وبكثير امرأة وقيل أو مميزة في غسل أعضائها وقيل أو بعضها عن حدث وقيل أو خبث وطهر مستحب فطهور على الأصح ولا يرفع حدث رجل وقيل ولا صبي وعنه يرفع (و) بلا كراهة كاستعمالهما معا وكإزالته به نجاسة وكامرأة أخرى وكتطهيرها بماء خلا به في الأصح فيهن ونقله الجماعة في الأخيرة وذكره القاضي وغيره (ع) ورواية ثالثة يكره ومعناه اختيار الآجري كرواية في خلوة لشرب، والخنثى كرجل وعند ابن عقيل كامرأة).
الأدلة والمناقشة:
استدل من ذهب لمنع الرجل أن يتطهر بفضل طهور المرأة بما يأتي:
أولًا - رواه أبو داود (١/ ٢١) (٨٢)، والترمذي (١/ ٩٣) (٦٤) وقال: «حسن»، والنسائي - (١/ ١٧٩) (٣٤٣)، وابن ماجه (١/ ١٣٢) (٣٧٣)، وأحمد (٥/ ٦٦)، وابن حبان (٤/ ٧١) (١٢٦٠)، والدارقطني (١/ ٥٣) (٨)، والبيهقي في «الكبرى» (١/ ١٩١) - كلهم - من طريق شعبة عن عاصم الأحول عن أبي حاجب سواده بن عاصم عن الحكم بن عمرو الغفاري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - " نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة ".
وتابع عاصما: سليمان التيمي عند ابن أبي شيبة (١/ ٣٨) (٣٥٤)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٥/ ٣٤٨) (٢٩٢٢)، والطبراني في "الكبير" (٣/ ٢١٠) (٣١٥٤)، وغيرهم ولكنه قال عن رجل من أصحاب النبي، وزاد بعضهم: من غفار. وهذا إسناد صحيح.
وقال الدارقطني في "سننه" (١/ ٥٣): (أبو حاجب اسمه سوادة بن عاصم واختلف عنه فرواه عمران بن حدير وغزوان بن حجير السدوسي عنه موقوفا من قول الحكم غير مرفوع إلى النبي ﷺ).
وغزوان مجهول فلم أجد من ترجمه، وأما عمران بن حدير فهو ثقة، ولكنه مخالف لثقتين وهما: (عاصم الأحول، وسليمان التيمي) روياه عن سواده مرفوعا
[ ٤٥ ]
كما سبق، فالراجح الرفع.
قال الترمذي في علله: (سألت محمدا - يعني البخاري - عن هذا الحديث، فقال: ليس بصحيح).
وتعقه الشيخ الألباني في "صحيح أبي داود" (١/ ١٤٣): (وهذا من الإمام جرح مبهم؛ فلا يقبل، ولعل سوادة لم تثبت عنده عدالته، أو لقاؤه للحكم؛ فقد ثبت ذلك عند غيره كما سبق؛ وإنما يشترط التصريح باللقاء عند الجمهور من المدلس فقط؛ خلافًا البخاري، كما مضى).
ثانيا - بما رواه أبو داود (١/ ٢١) (٨١)، والنسائي (١/ ١٣٠) (٢٣٨)، وفي «الكبرى» (١/ ١١٧) (٢٤٠)، وأحمد (٤/ ١١١)، (٥/ ٣٦٩)، والطحاوي في "معاني الآثار" (١/ ٢٤) (٧٩)، والبيهقي (١/ ١٩٠) - كلهم- من طريق أبي عوانة عن داود بن عبدالله عن حميد الحميري قال: لقيت رجلا صحب النبي ﷺ كما صحبه أبو هريرة ﵁ أربع سنين قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله أو يغتسل الرجل بفضل المرأة والمرأة بفضل الرجل وليغترفا جميعا) ورواته ثقات.
وصحح الحافظ إسناده في "بلوغ المرام"، وقال في "فتح الباري" (١/ ٣٠٠): (رجاله ثقات ولم أقف لمن أعله على حجة قوية ودعوى البيهقي أنه في معنى المرسل مردودة لأن إبهام الصحابي لا يضر وقد صرح التابعي بأنه لقيه ودعوى بن حزم أن داود راويه عن حميد بن عبد الرحمن هو بن يزيد الأودي وهو ضعيف مردودة فإنه بن عبد الله الأودي وهو ثقة وقد صرح باسم أبيه أبو داود وغيره).
ثالثا - بما رواه ابن ماجه (١/ ١٣٣) (٣٧٤)، وأبو يعلى (٣/ ١٣٢) (١٥٦٤)، والطحاوي في "معاني الآثار" (١/ ٢٤) (٧٨)، والطبراني في "الأوسط" (٤/ ١١١) (٣٧٤١)، والدارقطني (١/ ١١٦) (١) من طريق عبد العزيز بن المختار عن عاصم الأحوال عن عبد الله بن سَرْجِس قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يغتسل الرجل بفضل وضوء المرأة والمرأة بفضل الرجل، ولكن يشرعان جميعا). ورواته ثقات، ولكن خالف عبد العزيز بن المختار كل من: شعبة عند الدارقطني (١/ ١٧٧) (٢)، والبيهقي (١/ ١٩٢) فرواه موقوفا، ولفظه: (تتوضأ
[ ٤٦ ]
المرأة وتغتسل من فضل غسل الرجل وطهوره ولا يتوضأ الرجل بفضل غسل المرأة ولا طهورها) وصحح الدارقطني الموقوف.
ومعمر عند عبد الرزاق (١/ ١٠٧) (٣٨٥)، وأبي عبيد القاسم في "الطهور" (ص/٢٥٨) (١٩٤) فرواه موقوفا ولفظه: (لا بأس بأن يغتسل الرجل والمرأة من الجنابة من الإناء الواحد، فإن خلت به فلا تقربه).
وقال الترمذي في "العلل" نقلا عن البخاري: (وحديث عبد الله بن سرجس في هذا الباب هو موقوف ومن رفعه فهو خطأ).
رابعا - ببعض الآثار عن الصحابة ومنها:
ما رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١/ ٣٨) (٣٥٦) من طريق وكيع عن المسعودي عن المهاجر أبي الحسن عن كلثوم بن عامر أن أم المؤمنين جويرية بنت الحارث - ﵂ وهي عمته - توضأت فأردت أن أتوضأ بفضل وضوئها فنهتني.
وروته ثقات غير المسعودي فهو صدوق اختلط وسماع وكيع عنه قديم فالإسناد صحيح.
- وما رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" من طريق وكيع عن خالد بن دينار عن أبي العالية قال: (كنت عند رجل من أصحاب النبي ﷺ فأردت أن أتوضأ من ماء عنده فقال لا توضأ به فإنه فضل امرأة) رواته ثقات وخالد صدوق، وأبو العالية وإن كان يرسل إلا أن قوله كنت عند رجل من أصحاب النبي يؤكد ثبوت اللقيا، فالإسناد صحيح.
- وما رواه أبو عبيد في "الطهور" (ص/٢٥٦) (١٩٢) من طريق الهيثم بن جميل عن شَرِيْكُ عن مهاجر الصائغ عن ابن لعبدالرحمن بن عوف أنه دخل على أم المؤمنين: أم سلمة - ﵂ - فذكر نحو حديث جويرية السابق.
وشَرِيْكُ قد يكون هو شَرِيْكُ بن أبي نمر، وهو صدوق يخطئ، ويحتمل أن يكون شَرِيْكُ القاضي وهو صدوق يخطئ كثيرا، وكلاهما يروي عن مهاجر الصائغ، ويروي عنه الهيثم بن جميل، وعليه فالأقوى عندي تضعيف هذا الإسناد إلا أنه يتقوى بأثر جويرية السابق - ﵄ -.
[ ٤٧ ]
وهذه الأحاديث والآثار معارضة بأدلة تدل على الجواز ومن ذلك:
أولًا - ما رواه مسلم في "صحيحه" (١/ ٢٥٧) (٣٢٣) عن ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن دينار قال: (أكبر علمي والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني أن ابن عباس أخبره أن رسول الله ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة).
قال الحافظ في "الفتح" (١/ ٣٠٠): (أعله قوم لتردد وقع في رواية عمرو بن دينار حيث قال علمي والذي يخطر على بالى أن أبا الشعثاء أخبرني فذكر الحديث وقد ورد من طريق أخرى بلا تردد لكن راويها غير ضابط وقد خولف والمحفوظ ما أخرجه الشيخان بلفظ (أن النبي ﷺ وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد».
وقال النووي في " شرح مسلم" (٤/ ٧): (وهذا الحديث ذكره مسلم رحمه الله تعالى متابعة لا أنه قصد الاعتماد عليه).
والراجح عندي أن ما ذكره ابن حجر ليس بعلة في الحديث وأنه مقبول.
ثانيًا - بما رواه أبو داود (١/ ١٨) (٦٨)، والترمذي (١/ ٩٤) (٦٥)، قال: «حسن صحيح»، والنسائي (١/ ١٧٣) (٣٢٥)، وابن ماجه (١/ ١٣٢) (٣٧٠، ٣٧١)، وأحمد (١/ ٢٣٥، ٢٨٤، ٣٠٨)، وابن الجارود (ص٢٤١) (٤٨)، وابن خزيمة (١/ ٤٨) (٩١)، (١/ ٥٧) (١٠٩)، والطحاوي في «معاني الآثار» (١/ ٢٦) (١٠٦)، وابن حبان (٤/ ٤٨) (١٢٤٢)، (٤/ ٥٦) (١٢٤٨)، (٤/ ٧٣) (١٢٦١)، (٤/ ٨٤) (١٢٦٩)، والطبراني في «الكبير» (١١/ ٢٧٤) (١١٧١٦)، والحاكم (١/ ٢٦٢) (٥٦٥) - كلهم - من طريق سِمَاك عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ أن بعض أزواج النبي ﷺ اغتسلت من جنابة، فجاء النبي ﷺ يتوضأ، فقالت له، فقال: " إن الماء لا ينجسه شيء "
ورواية سِمَاك عن عكرمة مضطربة، كما أنه قد تغير بآخره فكان ربما تلقن. وقد صحح البعض هذا الحديث لأنه من رواية شعبة والثوري عن سِمَاك فقبلوا
[ ٤٨ ]
روايتهما عنه مطلقا، والصواب عندي أن قبول روايتهما عنه إنما تنفع في غير روايته عن عكرمة، فروايتهما عنه قديمة ويستفاد منها أنهما سمعا منه قبل التغير.
وقوى البعض الحديث بشاهد أبي سعيد ﵁، وهو لا يشهد لمحل النزاع وإنما يقوي الجزء المرفوع منه فقط دون أصل القصة.
الترجيح:
وقد سلك العلماء عدة مسالك في الجمع والترجيح بين هذه الأحاديث، وأولاها عندي حمل النهي على للتنزيه وقرينة الصرف أحاديث الجواز، والأحاديث التي ذكرتها في أدلة من قال بالجواز ترد على من جمع بأن النهي محمول على الخلوة.