قوله: (ولا يكره ماء زمزم إلا في إزالة الخبث).
قال ابن قدامة قال في المغني (١/ ٢٧): (ولا يكره الوضوء والغسل بماء زمزم ; لأنه ماء طهور، فأشبه سائر المياه. وعنه: يكره لقول العباس لا أحلها لمغتسل، لكن لمحرم حل وبِلّ (١) ; ولأنه يزيل به مانعا من الصلاة، أشبه إزالة النجاسة به. والأول أولى، وقول العباس لا يؤخذ بصريحه في التحريم، ففي غيره أولى، وشرفه لا يوجب الكراهة لاستعماله، كالماء الذي وضع فيه النبي ﷺ كفه، أو اغتسل منه).
_________________
(١) حل وبل مشدد اللام البل المباح بلغة حمير بكسر الباء وقيل هو أتباع وقيل لا يأتي الإتباع بواو العطف وقيل بل شفاء من قولهم بل من مرضه كما قال فيها شفاء سقم. انظر مشارق الأنوار مادة (ب ل ل).
[ ٦٠ ]
والراجح القول بكراهة الاغتسال منه وإزالة الخبث وجواز الوضوء بلا كراهة:
ومن الأدلة على ذلك:
حجة من ذهب إلى جواز الوضوء منها ما رواه ما عبد الله بن أحمد في "زوائد المسند" (١/ ٧٦) بإسناد حسن عن علي بن أبي طالب - ﵁ - مطولا وفيه: (فدعا رسول الله ﷺ بسجل من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ).
وحجة من ذهب إلى منع الاغتسال منها:
ما رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (٥/ ١١٤) (٩١١٤) عن معمر قال أخبرني بن طاووس عن أبيه قال أخبرني من سمع عباس بن عبد المطلب يقول وهو قائم عند زمزم وهو يرفع ثيابه بيده وهو يقول: (اللهم إني لا أحلها لمغتسل ولكن هي لشارب أحسبه قال ومتوضئ حل وبل).
ورواته ثقات إلا أن فيه جهالة الراوي عن العباس - ﵁ -. ورواه أحمد في "العلل" (٢/ ١٨٧) (١٩٥٠) من طريق أبي بكر بن عياش عن عاصم عن زر قال سمعت العباس وذكر زمزم فقال: (هي حل وبل لا أحلها لمغتسل) ورواته ثقات غير عاصم، وهو ابن بهدلة قال عنه ابن حجر: "صدوق له أوهام" فمثله حسن الحديث.
وروى عبد الرزاق في "مصنفه" (٥/ ١١٤) (٩١١٥) عن معمر عن بن طاووس عن أبيه أنه سمع بن عباس يقول أيضا وهو قائم عند زمزم بنحو قول العباس السابق، ورواته ثقات ورواه أبو عبيد في "الطهور" (ص/١٩٩) (١٤٢)، والأزرقي في "أخبار مكة" (٢/ ٥٤) من طريق سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس بنحوه، ورواته ثقات.
والبعض يخصص قول ابن عباس بأنه نهي عن الاغتسال منها في المسجد، ويعلل النهي بكشف العورة، والإبقاء على عموم اللفظ أولى وخاصة ورودها من طرق أخرى مختلفة المخرج ليس فيها هذا القيد.
وأما قول ابن قدامة: (وقول العباس لا يؤخذ بصريحه في التحريم، ففي غيره
أولى) وقول العباس عضده قول ابن عباس ﵃، ليس لهما مخالف
[ ٦١ ]
من الصحابة فالأخذ بقولهما أولى.
وأما قوله: (وشرفه لا يوجب الكراهة لاستعماله، كالماء الذي وضع فيه النبي ﷺ كفه، أو اغتسل منه)
الفرق بينهما أن الماء الذي نبع من بين أصابع النبي - ﷺ - وإن كان مباركا فقد أجراه الله معجزة للنبي - ﷺ - لحاجتهم إليه فكان من تمام التفضل عدم التضييق عليهم في استعماله بخلاف مسألتنا فالفرض حكم استعمالها في الاغتسال ونحوه عند عدم الحاجة إليه فافترقا.
ووجه قياس ابن قدامة عند الحاجة فلا يعدل من لم يجد غيره إلى التيمم بل يغتسل منه، ويزيل به الخبث.
قال تقي الدين في "الفتاوى الكبرى" (٥/ ٧٤ - ٧٥): (قد كان العباس بن عبد المطلب يقول في ماء زمزم لا أحله لمغتسل ولكن لشارب حل وبل، وروي عنه أنه قال لشارب ومتوضئ. ولهذا اختلف العلماء هل يكره الغسل والوضوء من ماء زمزم، وذكروا فيه روايتين عن أحمد. والشافعي احتج بحديث العباس، والمرخص احتج بحديث فيه أن النبي ﷺ ﴿توضأ من ماء زمزم﴾، والصحابة توضئوا من الماء الذي نبع من بين أصابعه مع بركته، لكن هذا وقت حاجة، والصحيح أن النهي من العباس إنما جاء عن الغسل فقط لا عن الوضوء. والتفريق بين الغسل والوضوء هو لهذا الوجه، فإن الغسل يشبه إزالة النجاسة، ولهذا يجب أن يغسل من الجنابة ما يجب أن يغسل من النجاسة، وحينئذ فصون هذه المياه المباركة من النجاسات متوجه بخلاف صونها من التراب ونحوه من الطاهرات. والله أعلم).