القارئ: يستحب الغسل للإحرام لما روى زيد بن ثابت (أنه رأى النبي ﷺ تجرّد لإهلاله واغتسل) حديثٌ حسن وعن جابرٍ قال (أتيتنا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميسٍ محمد بن أبي بكر فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع. قال: اغتسلي ثم استثفري بثوبٍ ثم أحرمي) رواه مسلم. فإن لم يجد ماءًا لم يتيمم لأنه غسلٌ مسنونٌ يراد للتنظيف فلا يسن التيمم عند العجز عنه كغسل الجمعة وقال القاضي: يستحب له التيمم قياسًا على غسل الجنابة.
الشيخ: إذن هذه من مستحبات الإحرام أن يغتسل عند إرادة الإحرام لفعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأمره النفساء بذلك يدل على أنه سنة حتى للنفساء والحائض أن تغتسلا عند الإحرام.
[ ٣ / ٣٥٠ ]
فإن قال قائل لو أن الإنسان اغتسل قبل أن يسافر خوفًا من أن يكون هناك ضيق أو لا يكن هناك ماء فهل تحصل السنة؟ نقول إذا كان في مدىً قريب فلا بأس تحصل مثل لو كان اغتسل عند ركوبه للسيارة فهذا الزمن قريب.
أما في الطائرة فمن المعلوم أنه لا يتمكن من الاغتسال وحينئذ يغتسل قبل أن يركب الطائرة.
وقول المؤلف ﵀: إنه لا يتيمم إذا لم يجد الماء أو تعذر استعماله بمرضٍ أو نحوه أقرب من القول بأنه يتيمم لأن الظاهر من هذا الغسل هو التنظيف ولهذا شرع للحائض والنفساء مع أن الحائض والنفساء لا تطهران فدل هذا على أن المقصود التنظيف.
القارئ: ويتسحب له التنظيف بإزالة الشعر والشعث وقطع الرائحة وتقليم الأظافر لأن الغسل شرع لذلك.
الشيخ: هذا إذا كان يحتاج إلى ذلك يعني إذا كان الشعر وافرًا عنده في الشارب أو في الأبط أو في العانة وأما إذا لم يحتج كما لو كان أزال ذلك عن قرب فلا حاجة لأن النبي ﷺ لم يأمر بهذا التنظيف.
القارئ: ثم يتجرد من المخيط في إزارٍ ورداءٍ أبيضين نظيفين جديدين أو غسيلين لما روى ابن عمر (أن رسول الله ﷺ قال: وليحرم أحدكم في إزارٍ ورداءٍ ونعلين) ويستحب أن يتطيب في بدنه لما روت عائشة ﵂ قالت (كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم ولحلّه قبل أن يطوف بالبيت وقالت: كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم) متفقٌ عليهما ولا يتطيب في ثوبه فإن فعل فله استدامته حتى ينزعه فمتى نزعه ثم لبسه فعليه الفدية لأن الإحرام يمنع ارتداء الطيب دون استدامته.
[ ٣ / ٣٥١ ]
الشيخ: هذا ما ذهب إليه المؤلف ﵀ أنه لا يتطيب في ثوبه وهذا النفي يحتمل التحريم ويحتمل الكراهة ومعلومٌ أنه إن كان بعد عقد الإحرام فهو للتحريم وأما قبل عقد الإحرام فقيل إنه للكراهة وقيل للتحريم والصحيح أنه لا يجوز أن يلبس الإحرام المطيَّب لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك فقال (لا يلبس ثوبًا مسه الزعفران ولا الورس) فالصواب أنه لا يجوز أن يطيب ثوب الإحرام أما البدن فيطيبه كما ذكر حديث عائشة ﵂ أنها كانت تطيب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لإحرامه قبل أن يحرم.
القارئ: ولو نقل الطيب عن بدنه من موضعٍ إلى موضع آخر فعليه الفدية وإن سال بالحر وغيره إلى موضعٍ آخر فلا فدية عليه لأنه ليس من جهته.
الشيخ: انتقال الطيب من الموضع الذي تطيب به أولًا له ثلاث حالات:
الحال الأولى أن يتعمَّد نقله ليتسع المكان المطيب من البدن.
والحال الثانية أن يسيل الطيب بنفسه.
والحال الثالثة أن لا يتعمد نقله ولكنه يكون من ضروريات عمله المشروع.
أما الأول فلا شك أنه حرامٌ عليه أن يتعمد نقل الطيب من موضع إلى موضع ليتسع مكان الطيب مثل أن يأخذ الطيب من رأسه ويضعه على عضده أو على كفيه أو على صدره فهذا حرام.
والحال الثانية إذا سال الطيب على بدنه فإن ذلك لا شيء عليه لأن هذا كان معروفًا في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا بد منه ولا سيما في أيام الحر.
[ ٣ / ٣٥٢ ]
الحال الثالثة أن ينقله لعملٍ مشروع بدون قصد مثل أن يتوضأ ويمسح رأسه المضمخ بالطيب ومن المعلوم أنه سوف يعلق بيده فهذا ظاهر كلام المؤلف أن عليه فدية والصحيح أنه لا فدية عليه ولا شيء عليه لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان ينظر وبيص المسك في رأسه وهو محرم وكان يغتسل وهو محرم ويخلل شعره بيده وهو محرم ولازم ذلك أن يعلق بيده ثم هو أيضًا من الحرج أن نقول إنه إذا مسح الإنسان رأسه وعلق بيده طيب يجب عليه أن يزيله فورًا فيكون عنده صابون كلما أراد أن يتوضأ هذا حرج ومشقة.
فصلٌ
القارئ: ويستحب أن يحرم عقب صلاةٍ إما مكتوبةٍ أو نافلة وروى الأثرم قال: سألت أبا عبد الله أيما أحب إليك الإحرام في دبر الصلاة وإذا استوت به ناقته فقال كلٌ قد جاء في دبر الصلاة وإذا علا البيداء وإذا استوت به ناقته فوسّع فيه كله والمذهب الأول لما روى سعيد بن جبير قال ذكرت لابن عباسٍ إهلال رسول الله ﷺ فقال: (أوجب رسول الله ﷺ حين فرغ من صلاته ثم خرج فلما ركب رسول الله ﷺ راحلته واستوت به قائمةً أهل فأدرك ذلك منه قومٌ فقالوا أهل حين استوت به راحلته وذلك أنهم لم يدركوا إلا ذلك ثم سار حتى علا البيداء فأهل فأدرك ذلك منه قومٌ فقالوا أهل حين علا البيداء) رواه أبو داود وهذا فيه فضل بيانٍ وزيادة علم فيتعين الأخذ به وتقديمه على ما خالفه.
[ ٣ / ٣٥٣ ]
الشيخ: والصحيح التوسعة في ذلك أن الإنسان إن شاء أحرم عقب الصلاة وإن شاء إذا ركب وإن شاء إذا علت به على البيداء إذا كان من ذي الحليفة لأن ذا الحليفة نازلة ويعلو الإنسان إذا خرج منها وكونه لا يحرم إلا إذا ركب فيه توسعة للإنسان لأن الإنسان ربما يتشاغل بعد صلاته بحوائجه وما أشبه ذلك فيحتاج إلى أن يتطيب مثلًا فإذا قلنا أحرم من حين أن تصلي لم يتمكن من الطيب الذي هو مشروع عند الإحرام وإذا قلنا انتظر حتى تركب تمكن منه فالغالب أن الإنسان يكون معه فسحة والأمر في هذا والحمد لله واسع.
فصلٌ
القارئ: وينوي الإحرام بقلبه ولا ينعقد بغير نية لقول النبي ﷺ (إنما الأعمال بالنيات) ولأنها عبادةٌ محضةٌ فافتقرت إلى النية كالصلاة فإن لبى من غير نية لم يصر محرما وإن نوى الإحرام من غير تلبيةٍ انعقد إحرامه لأنه عبادةٌ لا يجب النطق في آخرها فلم يجب في أولها كالصوم.
الشيخ: غريب مثل هذه الأقيسة الواقع أنه إذا نوى بدون تلبية انعقد النسك لقول النبي ﷺ (إنما الأعمال بالنيات) وهذا نوى الدخول في النسك فإذا نوى الدخول في النسك فقد دخل، وإن لبى بدون نية من غير قصد الإحرام فلا يكون شيئًا، كان الرسول ﵊ إذا رأى ما يعجبه في الدنيا قال: لبيك إن العيش عيش الآخرة.
القارئ: وإن نوى إحرامًا فسبق لسانه إلى غيره انعقد إحرامه بما نواه دون ما نطق به لأن النية هي الإحرام فاعتبرت دون النطق.
فصلٌ
[ ٣ / ٣٥٤ ]
القارئ: ويستحب أن ينطق بما أحرم به ويعينه ويشترط فيه أن محلي حيث حبستني فيقول اللهم إني أريد النسك الفلاني فيسره لي وتقبله مني وإن حبسني حابسٌ فمحلي حيث حبستني لما روت عائشة ﵂ قالت (خرجنا مع رسول الله ﷺ فمنا من أهلَّ بعمرة ومنا من أهلَّ بحجٍ وعمرة ومنا من أهلَّ بحج) وعنها قالت (دخل النبي ﷺ على ضُباعة بنت الزبير فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج وأنا شاكية فقال: حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني) متفقٌ عليهما.
ويفيد هذا الشرط شيئين أحدهما أنه متى عاقه عائقٌ من مرضٍ أو غيره فله التحلل والثاني أنه إذا حلّ لذلك فلا شيء عليه من دمٍ ولا غيره وغير هذا اللفظ مما يؤدي معناه يجري مجراه قال ابن مسعود: اللهم إني أريد العمرة إن تيسرت لي وإلا فلا حرج علي لأن المقصود المعنى وإنما اعتبر اللفظ لتأديته له.
الشيخ: الله أكبر هذه قاعدة مفيدة أن العبرة أن المرجع المعنى دون اللفظ بل إن اللفظ إذا خالف ما في قلبه فالعبرة على ما في قلبه كما سبق لو أراد أن يقول لبيك حجة فقال لبيك عمرة فالعبرة بما في قلبه.
هذه القطعة من كلام المؤلف تضمنت مسائل:
أولًا يقول: يستحب أن ينطق بما أحرم به ويعينه ويشترط فظاهر كلامه أنه يستحب النطق بالنية ولهذا فسّر هذا المعنى بقوله فيقول: اللهم إني أريد النسك الفلاني فيسره لي فهذا فيه نظر والصواب أنه لا ينطق بالنية لأنه لم يرد أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال اللهم إني أريد النسك ولا أحد من الصحابة وحينئذٍ يكون الحج كغيره من العبادات لا ينطق فيه بالنية وأما التلبية فهي إظهارٌ لما سبق لا إنشاء وإلا فالإنسان يقول لبيك عمرة لبيك حجة لبيك عمرةٌ وحجة وهذا إخبارٌ عما في ضميره وليس إنشاءً.
[ ٣ / ٣٥٥ ]
المسألة الثانية يقول (يشترط فيه أن محلي حيث حبستني) وهذا أيضًا فيه نظر وقد اختلف العلماء ﵏ في اشتراط من أراد الإحرام هل هو سنة مطلقًا أو منكرٌ مطلقًا أو فيه تفصيل:
فمنهم من قال يسن لكل من أراد الإحرام بعمرة أو حج أن يشترط.
ومنهم من قال إنه لا يشترط وأنكر ذلك كابن عمر ﵁.
ومنهم من قال بالتفصيل فقال إن كان هناك سبب يقتضي ذلك فليفعل وإلا فلا، السبب مثل أن يكون الإنسان فيه أثر مرض ويخشى أن يعجز أو امرأة تخشى أن يأتيها الحيض فتشترط أو ما أشبه ذلك فهذا يسن في حقه أن يشترط لئلا يشق على نفسه ولأن النبي ﷺ قال لضُباعة بنت الزبير قال (حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني) وأما من لا يخشى من عائق فلا يشترط لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يشترط هو عند إحرامه فتمام الاقتداء به أن لا يشترط من لا يخاف العائق وأن يشترط من يخاف العائق الأول اقتدى بفعله والثاني اقتدى بقوله وهذا هو الذي تجتمع فيه الأدلة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ بقي أن يقال الحوادث في هذا الزمان كثيرة وعلى هذا فنقول كل من أراد أن يحرم فليشترط فيقال هذا غير صحيح بل الحوادث في هذا الزمان قليلة لأنك لو أحصيت السيارات وما فيها من ركاب لوجدت العدد الهائل ولنقل إن الحجاج مليون حاج قد يموت مائة حاج من الحوادث فنسبة مائة لمليون ليست بشيء ثم إن الحوادث موجودة في عهد الرسول ﵊ فها هو الرجل الذي وقصته ناقته في عرفة وعلى هذا فنقول الأفضل أن لا تشترط ولكن لو اشترطت وقلنا بأن الاشتراط ليس بسنة فالظاهر أنه لا ينفعه ما دمنا قلنا إن الاشتراط ليس بسنة إلا لمن خاف من عائق فإنه إذا اشترط فقد عمل عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله فيكون مردودًا غير مؤثر ويحتمل أن ينفعه لكن الاحتمال الأول أقرب أنه لا ينفعه.
[ ٣ / ٣٥٦ ]
الثالث في هذه القطعة هل الاشتراط في العبادات في كل شيء بحيث أنه مثلًا لو أراد أن يدخل في الصلاة وقد توقع أن يزوره إنسانٌ كبير فنوى بقلبه أنه إن استأذن هذا الإنسان الكبير يقطع الصلاة؟ الظاهر لا لأنه لا قياس في مثل هذا إذ أن الحج مدته تطول ومشقته أعظم والصلاة ونحوها مدتها يسيرة ويمكن أن يخفف ويحصل المقصود.
الرابع ماذا يستفيد إذا اشترط سواءٌ قلنا إنه يشترط مطلقًا أو لسبب يستفيد فائدتين:
الفائدة الأولى أنه يتحلل من إحرامه ويقال البس ثيابك وامش إلى أهلك.
الثانية أنه ليس عليه دم إحصار لأنه استثنى على ربه وقد قال النبي ﵊ (إن لك على ربك ما استثنيت).
الخامس وهو من أهم ما في هذه القطعة أن العبرة في الألفاظ بمعانيها وما دلت عليه وهذه القاعدة يجب أن تطرد في كل شيء في العبادات والمعاملات في الأنكحة والبيوع والأوقاف وغيرها وبناءً على ذلك نقول لو زوَّج ابنته بقوله ملَّكتك بنتي فقال قبلت فإن القول الراجح أن النكاح ينعقد لأن هذا هو المعنى ولو قال خليت امرأتي فهو طلاقٌ صريحٌ لأن هذا هو العرف وقد يكون قول القائل خليت امرأتي أبلغ من قوله طلقت عند العامة فالحاصل أن الألفاظ قوالب للمعاني والعبرة بالمعاني في كل شيء.
السائل: هل يجوز للمشترط أن يتحلل إذا خشي المرض ورأى علاماته؟
الشيخ: لا يجوز أن يتحلل من إحرامه إلا إذا تحقق المرض الذي لا يتمكن معه من إتمام النسك.
فصلٌ
[ ٣ / ٣٥٧ ]
القارئ: ويجوز الإحرام بنسكٍ مطلق وله صرفه إلى أيها شاء وإن أحرم بمثل ما أحرم به فلان صح لما روى أبو موسى قال (قدمت على رسول الله ﷺ وهو منيخ بالبطحاء فقال لي: بم أهللت قال: قلت لبيك بإهلالٍ كإهلال رسول الله ﷺ قال: أحسنت فأمرني فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ثم أمرني أن أحل) متفقٌ عليه ثم إن تبين له ما أحرم به فلان فإحرامه مثله وإن تبين أن فلانًا لم يحرم فله صرفه إلى ما شاء كالمطلق لأنه عقد الإحرام وعلَّق عين النسك على إحرام فلان فلما لم يحرم فلانٌ بطل التعيين وبقي المطلق وإن علم أن فلانًا أحرم ولم يعلم بما أحرم أو شك هل أحرم أم لا؟ فهو كالناسي لإحرامه وللناسي لما أحرم به صرفه إلى أي نسكٍ شاء لأنه إن صادف ما أحرم به فقد أصاب وإن صرفه إلى عمرة وكان إحرامه بغيرها فإن فسخه إليها جائزٌ مع العلم فمع الجهل أولى، وإن صرفه إلى قرانٍ وكان إحرامه بعمرة فقد أدخل عليها الحج وهو جائز وإن كان مفردًا فقد أدخل العمرة على الحج وهو لغوٌ لا يفيد ولا يقدح في حجه كما لو فعله مع العلم وإن صرفه إلى الإفراد وكان معتمرًا فقد أدخل الحج على العمرة فصار قارنًا ولا تبطل العمرة بترك نيتها فإن كان قارنًا فهو على حاله لذلك والمنصوص عن أحمد ﵁ أنه يجعل المنسي عمرة قال القاضي: هذا على سبيل الاستحباب لأن ذلك مستحبٌ مع العلم فمع عدمه أولى فعلى هذا إن صرفه إلى عمرة فهو متمتعٌ حكمه حكم من فسخ الحج إلى العمرة وإن صرفه إلى القران لم يجزئه عن العمرة إذ من المحتمل أن يكون مفردًا فلم يصح إدخاله العمرة على حجه ولا يلزمه دم القران لأنه شاكٌ فيما يوجبه ويصح له الحج هاهنا وفيما صرفه إلى الإفراد فإن كان شكه بعد الطواف لم يكن له صرفه إلا إلى العمرة لأن إدخال الحج على العمرة بعد الطواف غير جائز فإن صرفه إلى إفرادٍ أو قران تحلل بأفعال الحج ولم يجزئه عن واحدٍ من النسكين لأنه شاكٌ في
[ ٣ / ٣٥٨ ]
صحته ولا دم عليه للشك فيما يوجبه إلا أن يكون معه هديٌ فيجزئه عن الحج لأن إدخال الحج على العمرة في حقه جائزٌ بعد الطواف.
الشيخ: هذا الفصل فيه مسألة مهمة وهي هل يجوز للإنسان أن يحرم بمثل ما أحرم به فلان وهو لا يدري؟ الجواب نعم لأن أبا موسى الأشعري ﵁ أحرم بما أحرم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وكذلك علي بن أبي طالب أحرم بما أحرم به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعلى هذا فإذا كان شخصٌ واثقًا برجلٍ في علمه ودينه وأحرم بمثل ما أحرم به فلا حرج لأن هذا عملٌ أجازه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكن أبا موسى أمره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يحل متمتعًا وأما علي فقال له إن معي الهدي فلا تحل فأشركه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هديه ولم يحل لأن من ساق الهدي لا يمكن أن يحل قبل أن يبلغ الهدي محله.
فإن جهل ما أحرم به فلان بمعنى أنه لم يتفق بفلان حتى وصل إلى مكة ولم يدر فماذا يجعله؟ نقول الأفضل أن تجعله عمرة لأنه على تقدير أنه أحرم بالحج فإن فسخ الحج إلى العمرة جائز هذا هو الأحسن لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر أصحابه أن يجعلوها عمرة.
فصلٌ
القارئ: وإن أحرم بحجتين أو عمرتين انعقد إحرامه بإحداهما ولا يلزمه للأخرى قضاءٌ ولا غيره لأنهما عبادتان لا يلزم المضي فيهما فلم يصح الإحرام بهما كالصلاتين ولو فسد نسكه ثم أحرم بغيره من جنسه لم يلزمه للثاني شيء ولم يصح لذلك.
فصلٌ
[ ٣ / ٣٥٩ ]
القارئ: وهو مخيرٌ إن شاء أحرم متمتعًا أو مفردًا أو قارنا لحديث عائشة والتمتع هو الإحرام بعمرةٍ من الميقات فإن فرغ منها أحرم بالحج من مكة في عامه والإفراد الإحرام بالحج مفردًا والقران الإحرام بهما معًا أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الإحرام بالحج قبل الطواف لما روت عائشة ﵂ قالت (أهللنا بعمرةٍ فقال رسول الله ﷺ: من كان معه هديٌ فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا) متفق عليه فإن أحرم بحجٍ ثم أدخل عليه عمرةً لم يصح ولم يصر قارنًا لأنه لم يرد بذلك أثر ولا هو في معنى ما جاء به الأثر لأن إحرامه بها لا يزيده عملًا على ما لزمه بإحرام الحج ولا يغير ترتيبه بخلاف إدخال الحج على العمرة ومن طاف للعمرة ثم أحرم بالحج معها لم يصح لأنه قد أتى بمقصودها وشرع في التحلل منها إلا أن يكون معه هديٌ فله ذلك لأن من ساق هديًا لا يجوز له التحلل حتى ينحر هديه لقول الله تعالى (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) فلا يتحلل بطوافه ويتعين عليه إدخال الحج على العمرة ويصير قارنا بخلاف غيره.
الشيخ: هذا الفصل يتضمن أمورًا الأمر الأول أن الإنسان إذا أراد الإحرام فإنه مخيَّر بين ثلاثة أنساك التمتع والإفراد والقران لحديث عائشة قالت (خرجنا مع النبي ﷺ عام حجة الوداع فمنا من أهلَّ بعمرة ومنا من أهلَّ بحج ومنا من أهلَّ بعمرة وحج وأهلَّ رسول الله ﷺ بالحج) وهذا التخيير تخيير إباحة والأفضل كما سيأتي في الفصل الذي بعده الأفضل التمتع وقيل إن الإنسان لا يخيّر بين هذه الأنساك وأنه يجب عليه التمتع إلا أن يكون قد ساق الهدي لكن هذا القول ضعيف لأن الخلفاء الراشدين أجمعوا كلهم على أن التمتع ليس بواجب حتى من ليس معه هدي.
[ ٣ / ٣٦٠ ]
والعلماء مختلفون في أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للصحابة الذي غضب من أجل عدم فعلهم لما أمرهم به فقيل إنه للوجوب وقيل إنه للاستحباب وعلى القول بالوجوب هل هو لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة أو لهم فقط. جمهور العلماء على أنه للاستحباب وأعني بجمهور العلماء من يجوزون فسخ الحج إلى العمرة للتمتع لأن بعض العلماء يقول لا يجوز فسخ الحج إلى العمرة ليصير متمتعًا لكن هذا القول ضعيف إذًا هل يجب على الإنسان أن يخلع نية الحج القارن والمفرد إلى تمتع أو لا يجب؟ نقول الصحيح أنه لا يجب.
ومن العلماء من قال هو واجب ومنهم من قال هو واجب على الصحابة فقط وهذا القول اختاره شيخ الإسلام بن تيمية ﵀ وهو أصوب من غيره وإنما قلت فيما سبق الصحيح أنه لا يجب أعني لا يجب على الأمة وإنما يجب على الصحابة فقط لأن النبي ﷺ واجههم به ولأنهم لو تمنعوا من ذلك في ذلك الوقت لبطلت مشروعيته لأنهم هم مقدَّم الأمة ولأن أبا ذر سئل عن هذه المسألة هل هي لهم خاصة أو للناس عامة؟ قال بل هي لنا خاصة فيُحمل قوله ﵁ على أن المراد بذلك الوجوب وهذا أعدل الأقوال وأحسن الأقوال وعلى هذا فيكون التمتع ليس بواجب.
كذلك أيضًا في هذا الفصل تبين معنى التمتع والإفراد والقران فالتمتع أن يحرم بالعمرة من الميقات في أشهر الحج ويحج من عامه هذه قيود:
الأول أن يكون إحرامه بالعمرة من الميقات.
والثاني أن يكون في أشهر الحج فالأول الميقات المكاني والثاني الميقات الزمني وعلى هذا لو أحرم بالعمرة في آخر يوم من رمضان وأداها ليلة العيد لم يكن متمتعًا لأنه أحرم بالعمرة قبل دخول أشهر الحج ولو أنه أحرم بالعمرة ولم يحج من عامه وحج في العام الآخر فليس بمتمتع لأنه لم يحرم بالحج في عامه.
فإن نوى التمتع وأحرم بالعمرة وحل منها ثم بدا له أن لا يحج فهل له ذلك؟ نعم له ذلك لأنه لم يحرم بالحج والنية بدون عمل لا تلزم.
[ ٣ / ٣٦١ ]
أما الإفراد أن يحرم بالحج مفردًا.
والقران ذكر المؤلف له صورتين:
الصورة الأولى أن يحرم بالعمرة والحج جميعًا.
والصورة الثانية أن يحرم بالعمرة أولًا ثم يدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها، أما دليل الصورة الأولى فهو أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (أتاه آتٍ وقال صلِّ في هذا الوادي المبارك وقل عمرة وحجة وفي لفظٍ عمرةٌ في حجة) هذا قران أحرم بهما معًا وأما دليل الصورة الثانية فهو حديث عائشة (أنها أحرمت بالعمرة ثم حاضت في أثناء الطريق قبل أن تطوف فأمرها النبي ﷺ أن تحج) وظاهر الحال أن هذه الصورة لا تصح إلا عند الضرورة إذا تعذر على الحاج أن يطوف لكن العلماء أجمعوا أنه جائز سواءٌ كان ذلك لعذر أو لغير عذر.
بقي صورةٌ ثالثة ذكر المؤلف أنها لا تصح وهو أن يُدخل العمرة على الحج يعني أن يحرم أولًا بالحج ثم يدخل العمرة على الحج فهل يكون قارنا؟ ً في هذا للعلماء قولان القول الأول ما مشى عليه المؤلف وهو أنه لا يكون بذلك قارنًا بل هو باقٍ على إفراده ولم يذكر دليلًا وإنما ذكر تعليلًا.
[ ٣ / ٣٦٢ ]
والثاني أنه يصح إدخال العمرة على الحج ويكون بذلك قارنًا واستدلوا بأن النبي ﷺ أحرم أولًا بالحج ثم جاءه آتٍ فقال قل عمرة وحجة فأدخل العمرة على الحج وهذا يحتاج إلى تقديم مسلَّمات ربما يذكرها لكنه قولٌ ليس ببعيد إذ أن تعليل المؤلف لا يكفي في المنع فتعليله أنه يقول إدخال العمرة على الحج لا يستفيد به الحاج عملًا زائدًا ووجه ذلك أن عمل المفرد وعمل القارن واحد فإذا أدخل العمرة على الحج فإنه لا يستفيد بهذا الإدخال شيئًا يعني لا يستفيد زيادة عمل لكن لو أحرم بالعمرة ثم أدخل الحج عليها وهي الصورة الثانية للقران فإنه يستفيد زيادة الأعمال لأنه لو اقتصر على العمرة لكان يكفيه أن يطوف ويسعى ويقصّر أما لما أدخل الحج عليها صار لا بد أن يقف بعرفة وبمزدلفة ويرمي الجمرات ويبيت بمنى فاستفاد بإدخال الحج على العمرة زيادة العمل لكن هذا قد يقال إنه فرق غير مؤثر وأن الرسول ﵊ قال: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى) وهو إذا طاف بعد إدخال العمرة على الحج سينوي الطواف عنهما وإذا سعى سينوي السعي عنهما وبناءً على ذلك يتبين لي أنه لا بأس من إدخال العمرة على الحج ويصير بذلك قارنًا فيكون للقران ثلاث صور:
الأولى أن يحرم بهما معًا.
الثانية أن يحرم بالعمرة أولًا ثم يُدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها.
الثالثة أن يحرم بالحج أولًا ثم يدخل العمرة عليها.
[ ٣ / ٣٦٣ ]
اشترط المؤلف ﵀ في الصورة الثانية أن يدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها وقال بعض أهل العلم بل ولو بعد الشروع في طوافها واختاره كثيرٌ من العلماء أنه يصح إدخال الحج على العمرة ولو بعد الشروع بعد طوافها بل ولو بعد السعي ما دام لم يتحلل وهذه مسألة خطيرة أضرب لكم مثلًا يتبين بها خطورتها أنه لو طاف للعمرة أولًا طوافًا صحيحًا ثم سعى للعمرة وقصَّر وتحلل وتبين أن السعي غير صحيح إما لنقص الشوط أو لغير ذلك من الأشياء المبطلة ثم أحرم بالحج واستمر وانتهى منه فعلى ما ذهب إليه المؤلف يكون حجه غير صحيح لأنه أدخل الحج على العمرة بعد الطواف وإدخال الحج على العمرة بعد الطواف لا يصح إلا من كان معه هدي كما سنذكر إن شاء الله وعلى القول الثاني يكون حجه صحيحًا ويكون قارنًا وعلى هذا فلا يلزمه إلا طواف الإفاضة والسعي لأن السعي الأول غير صحيح فيلزمه السعي ولا شك أن هذا فرقٌ عظيم بين القولين والقول الثاني قد يتعين القول به أحيانًا فيما لو أتى إنسان جاهل وأدخل الحج على العمرة وهو لا يعلم أن العمرة فاسدة ثم يمضي مثلًا إلى بلده ويتكلف ويشق عليه إذا قلنا حجك غير صحيح معناه أن فريضة الإسلام لم تسقط عنه إذا كان فريضة.
ولا يصح إدخال الحج على العمرة بعد الطواف إلا في حالٍ واحدة وهي إذا ساق الهدي فإذا ساق الهدي فإنه يطوف للعمرة ويسعى ثم يحرم بالحج قبل أن يحلق أو يقصّر لأن الحلق أو التقصير مع سوق الهدي قبل بلوغ الهدي محله لا يجوز وفي هذه الصورة يحرم بالحج قبل الفراغ من العمرة وبعد الطواف والسعي ويكون بذلك كما قال المؤلف قارنًا وهذا تسليمٌ من المؤلف ﵀ بجواز الإحرام بالحج بعد طواف العمرة لتعذر التحلل.
فصلٌ
[ ٣ / ٣٦٤ ]
القارئ: وأفضل الأنساك التمتع لما روى جابر أنه حج مع رسول الله ﷺ وقد أهلوا بالحج مفردًا فقال لهم (حلوا من إحرامكم بطوافٍ بالبيت وبين الصفا والمروة وقصروا وأقيموا حلالًا حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا التي قدمتم بها متعة فقالوا: كيف نجعلها متعةً وقد سمينا الحج قال: افعلوا ما أمرتكم فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل ما أمرتكم به ولكن لا يحل مني حرامٌ حتى يبلغ الهدي محله قال: ففعلوا) متفقٌ عليه. وعنه إن ساق الهدي فالقران أفضل لأن النبي ﷺ لم يحل إذ كان معه الهدي، وقد روى أنسٌ (أن النبي ﷺ قرن بين الحج والعمرة) متفقٌ عليه والأول أصح لقول النبي ﷺ (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولحللت) فيدل هذا على فضيلة المتعة وقد روى عمرٌ وعليٌ وسعدٌ وابن عمر وحفصة وعائشة وعمران بن حصين رضوان الله عليهم (أن النبي ﷺ كان متمتعًا وإنما منعه الحلّ سوق الهدي) ومعنى حديث أنس أن النبي ﷺ أدخل الحج على العمرة حين امتنع عليه الحلّ منها ثم بعد التمتع الإفراد لأنه يأتي بنسكين كاملين والقارن يقتصر على عمل الحج ثم القران بعدهما.
[ ٣ / ٣٦٥ ]
الشيخ: ذكر المؤلف ﵀ أن الأفضل التمتع مطلقًا حتى وإن ساق الهدي فالتمتع أفضل لكن ماذا يصنع إذا كان قد ساق الهدي ثم أتى بالطواف والسعي وهو متمتع؟ نقول له أحرم بالحج وتكون متمتعًا وهذا القول يناقض قوله في الفصل الذي قبله إنه يكون قارنا ودائمًا الأقوال الضعيفة تتناقض فنقول كيف يصح أن يسميه متمتعًا وهو لم يتمتع بما أحل الله طرفة عين. لأننا قلنا له من حين أن تطوف وتسعى فتلبَّس بإحرام الحج قبل أن تحل فأين التمتع. ولذلك الرواية الثانية عن الإمام أحمد هي المتعيّنة وهي التي يدل عليها الدليل أنه إن ساق الهدي فالقران أفضل لتعذر التمتع في حقه إذ لا يمكن أن يحل بعد الطواف والسعي فالصواب أنه إذا ساق الهدي فالقران أفضل بل لو قيل إنه متعين في هذا الحال لكان له وجه لتعذر التمتع لأن التمتع غير ممكن مع سوق الهدي.
[ ٣ / ٣٦٦ ]
لكن يبقى النظر هل الأفضل أن يسوق الهدي ولا يتمتع أو أن يترك الهدي ويتمتع؟ الرسول ﵊ ساق الهدي ولم يتمتع ولم يترك الهدي حتى يتمتع ثم إن في سوق الهدي من إظهار الشعائر ولا سيما فيما سبق لما كانوا يسيرون على الجمال وعلى الأرجل من إظهار الشعائر ما لم يكن فيما لو ساقه ثم فيه أيضًا من نفع الفقراء ما لا يوجد إذا لم يسقه فالواقع أن المسألة فيها احتمال أن نقول له سق الهدي واقرن أو نقول لا تسق الهدي وتمتع والغريب أن المؤلف ﵀ استدل بفعل النبي ﷺ على أن التمتع أفضل ولو ساق الهدي فاستدل بأن النبي ﷺ لم يحل وزعم أن الرسول ﵊ كان متمتعًا لكن منعه من الحلّ سوق الهدي ولكن القول المتعين بالنسبة لحج النبي ﵊ ما قاله الإمام أحمد قال: لا أشك أن النبي ﷺ كان قارنًا والمتعة أحب إليَّ هذا كلام الإمام أحمد فإن قال قائل ما تقولون فيما ذكره المؤلف عن عمر وعلي وسعد وابن عمر وحفصة وعائشة وعمران بن الحصين أن النبي ﷺ كانت متمتعًا؟ قلنا معنى تمتعه أنه تمتع بترك إحدى السفرتين لأنه حصل له عمرة وحج في سفرٍ واحد ولو فرقهما لكان يأتي لكل واحد بسفر فهو في الواقع متمتع كما أن المتمتع الذي يأتي بالعمرة ويبقى إلى الحج متمتع أيضًا، فالصواب المتعين ما ذهب إليه الإمام أحمد أن النبي ﷺ كان قارنًا ويجاب عن تسميته متمتعًا في بعض ألفاظ الصحابة بأحد أمرين إما أن يقال إنه تمتع بسقوط إحدى السفرتين وإما أن التمتع في لسان الصحابة ليس هو التمتع المعروف في لسان الفقهاء وأن التمتع في لسان الصحابة هو الجمع بين نسكين في سفرٍ واحد مطلقًا.
[ ٣ / ٣٦٧ ]
يقول المؤلف يليه الإفراد وعلل ذلك بأنه يأتي بالنسكين كاملين ويعني هذا أن المفرد إذا حج اعتمر بعد الحج وهذا فيه نظر لأن العمرة بعد الحج لم تكن معروفةً عند السلف ولم تقع إلا في قضيةٍ واحدة معينة ومن المعلوم أن الصحابة منهم المفرد ومنهم القارن ومنهم المتمتع فهل الذين أفردوا خرجوا إلى الحلّ وأتوا بالعمرة بعد الحج؟ لا ولهذا يكون تعليل المؤلف ﵀ بأنه يأتي بنسكين كاملين يكون تعليلًا عليلًا ونقابله بأن القارن يمتاز عن المفرد بحصول نسكين اقتدى فيهما بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبأن القارن يحصل منه هدي لأن القارن عليه هدي كالمتمتع وهذا زيادة على المفرد فالصواب أن الأفضل التمتع ثم القران وإن لم يسق الهدي ثم الإفراد هذا هو الصواب في هذه المسألة.
فصلٌ
القارئ: ويستحب للقارن والمفرد إذا لم يكن معهما هديٌ أن يفسخا نيتهما بالحج وينويا عمرةً مفردة ويحلا من إحرامهما بطوافٍ وسعيٍ وتقصير ليصيرا متمتعين لحديث جابر ويروى عن إبراهيم الحربي أنه قال: قال سلمة بن شبيب لأحمد بن حنبل يا أبا عبد الله كل شيءٍ منك حسنٌ جميل إلا خُلةً واحدة تقول بفسخ الحج فقال أحمد قد كنت أرى أن لك عقلًا عندي ثمانية عشرة حديثًا صحاحًا جيادًا كلها في فسخ الحج أتركها لقولك فأما من ساق الهدي فليس له ذلك للحديث ولقول الله تعالى (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ).
[ ٣ / ٣٦٨ ]
الشيخ: في هذا الفصل بيّن المؤلف ﵀ أنه يستحب للقارن والمفرد إذا لم يكن معهما هدي أن يحوّل الإحرام إلى عمرة ليصيرا متمتعين فأما إن كان معهما هدي فقد علمتم أنه لا يمكن ذلك لأن من معه الهدي لا يمكن أن يتحلل حتى يبلغ الهدي محله وفي قوله ﵀ ليصيرا متمتعين دليلٌ على أنه لو فسخ الحج مفرد أو قارنٌ ليتخلص من ذلك ويذهب إلى أهله فإنه لا يحل له هذا يعني مثلًا إنسان ذهب إلى مكة وأحرم بالحج مفردًا لكن لما رأى الزحام والمشقة قال أحوّل هذا الحج إلى عمرة ثم أطوف وأسعى وأقصّر وأرجع إلى أهلي فلا يحل ذلك وإنما يحل لمن أراد أن يحج ليصير متمتعًا ووجه الحلّ في هذه المسألة أولًا أمر الرسول ﵊ بذلك.
وثانيًا أنه ينتقل من مفضولٍ إلى أفضل أي من إقران أو إفراد إلى تمتع وأما من فسخ نية الحج أو القران ليهرب فهذا لم يتحوّل من مفضولٍ إلى أفضل بل تهرب مما يلزمه من إتمام الحج أو العمرة حيث قال الله تعالى (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ).
فإن كان معهما هدي فلا يحل أن يفسخا الإفراد والقران إلى عمرة لتعذر التحلل في حقهما لسوق الهدي.
فصلٌ
القارئ: ويجب على المتمتع دم لقول الله تعالى (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) والدم الواجب شاةٌ أو سبع بدنة للآية قال أبو حمزة سألت ابن عباسٍ عن المتعة فأمرني بها وسألته عن الدم فقال فيها جزورٌ أو بقرةٌ أو شاة أو شرْكٌ في دم) متفقٌ عليه.
الشيخ: جزور يعني ناقة كاملة بقرة كاملة شاة كاملة شركٌ في الدم يعني سُبع بدنة أو سُبع بقرة.
القارئ: ولا يجب الدم إلا بشروطٍ خمسة أحدها أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام لقول الله تعالى (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) وحاضر المسجد أهل الحرم ومن بينه وبينه دون مسافة القصر لأن الحاضر القريب والقريب دون مسافة القصر.
[ ٣ / ٣٦٩ ]
الثاني أن يعتمر في أشهر الحج لأن المعتمر في غير أشهره لم يجمع بين النسكين فلم يجب عليه دمٌ كالمفرد ولو أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج وحلَّ منها في أشهره لم يكن متمتعًا لأن الإحرام نسكٌ لا تتم العمرة إلا به ولأنه أتى به في غير أشهر الحج فلم يصر متمتعًا كالطواف.
الثالث أن يحج من عامه فإن أخَّر الحج إلى عامٍ آخر لم يكن متمتعًا لأن المتمتع بالعمرة إلى الحج يقتضي الموالاة بينهما ولم يوال فأشبه المعتمر في غير أشهر الحج.
الرابع أن لا يسافر بينهما سفرًا يقصر فيه لما روي عن عمر ﵁ أنه قال (إذا اعتمر في أشهر الحج ثم أقام فهو متمتع فإن خرج ثم رجع فليس بمتمتع) ولأنه إذا سافر لزمه الإحرام من الميقات أو من حيث انتهى إليه فلا يترفه بأحد السفرين فأشبه المفرد.
الشيخ: في هذا الفصل البحث في مسائل:
[ ٣ / ٣٧٠ ]
أولًا يجب على المتمتع دم والدليل قول الله تعالى (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ) لكن بشروط الأول ألا يكون من حاضري المسجد الحرام لقول الله تعالى (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَام) يقول المؤلف هم أهل الحرم ومن بينه وبين الحرم مسافة قصر يعني من حدود الحرم إلى ثمانين كيلو أو واحد وثمانين كيلو وقيل حاضروا المسجد الحرام هم أهل الحرم فقط لأن من كان خارجه ليس فيه والآية تقول (حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) وبناءً على ذلك نقول من كانوا في عرفة فليسوا من حاضري المسجد الحرام ومن كانوا في التنعيم فليسوا من حاضري المسجد الحرام وإن كانوا في مكة ويحتمل أن يقال حاضروا المسجد الحرام من كانوا داخل حدود الحرم أو حدود مكة لأنه من البعيد أن نقول إن الذين في التنعيم وقد اتصل بنيان مكة إليهم ليسوا من حاضري المسجد الحرام بل هم من أهل مكة لا شك فيقال حاضروا المسجد الحرام هم من كانوا داخل حدود الحرم أو في مكة حتى لو فرضنا أن مكة اتسعت وخرجت إلى ما وراء الحدود فيعتبر هذا من حاضر المسجد الحرام لأن مكة ولو اتسعت فإن أهلها يعتبرون أهلًا لها وحاضرون وإلا لقلنا إن من خرج إلى أطراف مكة التي خارج الحرم لقلنا إن هذا مسافر يحل له أن يقصر وليس كذلك فالأقرب أن حاضري المسجد الحرام هم من كان داخل حدود الحرم أو داخل حدود مكة.
[ ٣ / ٣٧١ ]
الشرط الثاني أن يعتمر في أشهر الحج يعني أن يجمع بين العمرة والحج في أشهر الحج فإن اعتمر قبل دخول أشهر الحج وأتى بحجٍ فقط فليس بمتمتع لقوله تعالى (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي) وهذا يدل على أنه لولا هذه العمرة لم يحصل له تمتع بل كان باقيًا على إحرامه ولا يمكن أن يبقى على إحرام الحج إلا إذا أحرم بالحج في أشهر الحج على القول الراجح وبهذا نعرف أنه لا بد أن تكون العمرة في أشهر الحج.
الشرط الثالث أن يحج من عامه لقوله (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) وهذا يدل على أن الحج لولا هذا التمتع لبقي محرمًا ولا يمكن أن يحرم هذا العام ولا يؤدي الحج إلا في العام الثاني لأن الحج أشهرٌ معلومات وهذا يدل على أنه لا بد أن يحج في عامه فإن أحرم بالعمرة في أشهر الحج ولكن لم يحج في عامه فليس بمتمتع.
الشرط الرابع ألا يسافر بينهما سفر قصر وللعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال القول الأول ما ذهب إليه المؤلف ألا يسافر بينهما مسافة قصر سواءٌ إلى بلده أو غير بلده وعلى هذا فإذا حج رجلٌ من أهل المدينة متمتعًا وخرج من مكة إلى الطائف ثم عاد من الطائف محرمًا بالحج فليس بمتمتع وذلك لأنه سافر بينهما مسافة قصر وإذا لم يكن متمتعًا فليس عليه دم.
القول الثاني أنه إن سافر إلى بلده ثم عاد محرمًا بالحج فليس بمتمتع وإن سافر إلى غير بلده فهو متمتع فمثلًا إذا حج الإنسان من أهل المدينة ثم خرج إلى الطائف بعد العمرة ورجع من الطائف محرمًا بالحج فهو على هذا القول متمتع لأنه لم يسافر إلى بلده وإن رجع إلى المدينة ثم أحرم بالحج في رجوعه من المدينة إلى مكة صار غير متمتع وإذا كان من أهل الرياض فأتى بالعمرة في أشهر الحج ثم ذهب بعد العمرة إلى المدينة ورجع منها محرمًا بالحج فهو متمتع على هذا القول الثاني وعلى القول الأول ليس بمتمتع.
[ ٣ / ٣٧٢ ]
أما القول الثالث فيقول إنه متمتع بكل حال حتى وإن رجع إلى بلده وأحرم بالحج من ميقاته والصواب القول الوسط أنه إذا رجع إلى بلده ثم عاد من بلده محرمًا بالحج فليس بمتمتع ووجه ذلك أنه أنشأ للحج سفرًا مستقلًا عن الأول فلا يصح بناء الحج على العمرة وهذا هو الثابت عن عمر ﵁ وابنه أنه إذا رجع إلى دويرة أهله فليس بمتمتع وإلا فهو متمتع.
السائل: هل يجوز أن ننسخ من الأشرطة التي كتب عليها أن حقوق الطبع محفوظة وهل يتغير الحكم إذا كان النسخ للتوزيع أي للدعوة وليس للتجارة؟
الشيخ: الظاهر لي أنه إذا كان النسخ يعني على وجهٍ خاص شخصي أنه لا بأس وأما إذا كان للاتجار مثل أن ينسخ محل تسجيل هذه الأشرطة فإنه لا يجوز لما في ذلك من الاعتداء على حق أخيه أما طالب يريد أن ينسخ من طالب فلا بأس.
السائل: إذا كان حفظكم الله للتوزيع على عامة الناس؟
الشيخ: الظاهر لا يجوز أيضًا لأن التوزيع هذا يؤثر على تجارة الموزع الأول لكن مثل هذا يستأذن فلعل الأول يأذن له إذا كان في الأمر خير.
القارئ: الخامس أن يحل من عمرته فإن أدخل عليها الحج لم يجب دم المتعة لما روت عائشة ﵂ قالت (أهللنا بعمرةٍ فقدمنا مكة وأنا حائض لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة قالت: ففعلت فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله ﷺ مع عبد الرحمن بن أبي بكرٍ إلى التنعيم فاعتمرت معه فقال: هذه مكان عمرتك فقضى الله حجها وعمرتها ولم يكن في شيءٍ من ذلك هديٌ ولا صومٌ ولا صدقة) متفقٌ عليه ولأنه يصير قارنًا أشبه ما لو أحرم بهما.
[ ٣ / ٣٧٣ ]
الشيخ: هذا الشرط الخامس أن يحل من عمرته فإن لم يحل من عمرته فإنه ليس بمتمتع ولهذا قال: لم يجب عليه دم المتعة ثم هل يجب عليه دم القران؟ نقول إن كان أدخل الحج على العمرة قبل الشروع في طوافها فصحيح وعليه دم القران وإن كان بعد الشروع في طوافها فإحرامه بالحج لا يصح على المذهب وإذا لم يصح صار معتمرًا فقط إلا إذا كان معه الهدي فإنه يصح أن يدخل الحج على العمرة ولو بعد الطواف ويصير قارنًا.
وفي حديث عائشة ﵂ تقول أهللنا بعمرة فقدمنا مكة وأنا حائض لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة كان حيضها في موضعٍ يقال له سرف بين مكة والمدينة فلم تطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، أما عدم طوافها بالبيت فلأنها حائض والحائض لا يمكن أن تمكث في المسجد والدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر النساء أن يخرجن يوم العيد وأمر الحُيَّض أن يعتزلن المصلى فدل ذلك على أن الحائض لا يمكن أن تمكث في المسجد وطوافها بالبيت نوعٌ من المكث وأما السعي فهي لم تسع لأنها لم تطف والسعي بعد الطواف في العمرة ولا يصح أن يقدَّم السعي على الطواف في العمرة وإنما رُخّص في الحج على خلافٍ في ذلك فالحج يجوز أن تقدم السعي على الطواف (لأن النبي ﷺ سأله رجل قال: يا رسول الله سعيت قبل أن أطوف قال: لا حرج) وأما العمرة فلا يصح تقديم السعي فيها على الطواف ومن قاسها على الحج فقد أبعد النجعة لظهور الفرق التام بين الحج والعمرة أولًا أنه لا قياس في العبادات يعني في هيئاتها وصفاتها لا يمكن أن يجري القياس لأنها تعبدية توقيفية.
ثانيًا أنه لو قدّم السعي على الطواف في العمرة لاختلت لأنه ليس فيها إلا ركنان فقط وهما الطواف والسعي والإحرام فإذا قدّم السعي على الطواف صار هذا انقلابًا مغيّرًا تغيراّ كاملًا بخلاف الحج.
[ ٣ / ٣٧٤ ]
ثالثًا أن الأنساك يوم العيد في الحج كثيرة فكان من يسر هذا الدين أن يرخّص للناس في التقديم والتأخير لأن النسك يوم العيد خمسة أنساك الرمي والنحر والحلق والطواف والسعي فلو ألزم الناس بالترتيب بينها لكان في ذلك نوعٌ من الحرج والمشقة لكن رخّص لهم في أن يقدموا بعضها على بعض فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما سُئل يوم العيد عن شيءٍ قُدّم أو أُخّر إلا قال (افعل ولا حرج) لذلك لا يصح قياس العمرة على الحج لهذه الوجوه وإن كان روي عن بعض السلف جواز تقديم السعي على الطواف في العمرة إذا كان ناسيًا ولكن الذي يظهر لي من الأدلة أنه لا يصح تقديم السعي على الطواف في العمرة ولو كان ناسيًا.
القارئ: وذكر القاضي أنه يشترط أن ينوي في ابتداء العمرة أو أثنائها أنه متمتع لأنه جمع بين عبادتين فافتقر إلى النية كالجمع بين الصلاتين وظاهر الآية يدل على عدم اشتراط هذا ولأنه يوجد التمتع بدونه والترفه بترك أحد السفرين فلزمه دمٌ كما لو نوى.
[ ٣ / ٣٧٥ ]
الشيخ: وما ذهب إليه القاضي هو الصواب أنه لا بد من نية التمتع وليس ظاهر الآية كما قال المؤلف ﵀ كما سنبين إن شاء الله، لكن ما الفرق بين قول القاضي وبين ما ذهب إليه المؤلف؟ الفرق هو أنه لو أن رجلًا أتى بعمرةٍ في أشهر الحج وليس من نيته أن يحج وبقي في مكة حتى جاء الحج فحج فعلى كلام المؤلف يكون متمتعًا يلزمه الهدي وعلى قول القاضي لا يكون متمتعًا فلا يلزمه الهدي لأنه نوى عمرةً مفردة لا ينوي التمتع بها إلى الحج فلا يكون متمتعًا وما قاله القاضي ﵀ هو ظاهر الآية الكريمة لأن الله قال (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي) وكلمة تمتع إلى الحج يدل على أن هناك قصدًا ونية أنه لما كان قدم مكة في أشهر الحج وكان المتوقع أن يحج لأن هذه أشهر الحج لكنه أتى بالعمرة ليحل منها فيتمتع بها إلى الحج فظاهر الآية مع القاضي ﵀ وهو الصواب.
فصلٌ
القارئ: وفي وقت وجوبه روايتان إحداهما إذا أحرم بالحج لقول الله تعالى (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي) وبإحرام الحج يفعل ذلك فيجب الدم والثانية إذا وقف بعرفة لأن الحج لا يحصل إلا به وهو معرضٌ للفوات قبله فلا يحصل التمتع.
الشيخ: الفائدة من هذا أننا إذا قلنا وقته كذا أُعتبر كونه قادرًا أو غير قادر في ذلك الوقت فإذا قلنا إن المعتبر الإحرام بالحج وأحرم بالحج يوم الثامن وكان غنيًا معه مال ثم سُرق منه المال قبل يوم عرفة فلما كان يوم عرفة لم يكن معه مال فعلى القول بأن المعتبر الإحرام بالحج يلزمه الهدي وعلى القول بأن وقت الوجوب عرفة لا يلزمه وفيه قولٌ ثالث أن المعتبر فجر يوم النحر لأنه هو اليوم الذي يكون به النحر فعلى كل حال على اختلاف الأقوال يعتبر قدرته على الهدي أو عدم قدرته بحسب هذا الاختلاف.
[ ٣ / ٣٧٦ ]
القارئ: فأما وقت ذبحه فقال أحمد: إن قدم مكة قبل العشر ومعه هديٌ نحره عن عمرته لئلا يضيع أو يموت أو يسرق فإن قدم في العشر لم ينحره حتى ينحره بمنى لأن أصحاب النبي ﷺ قدموا في العشر فلم ينحروا حتى نحروا بمنى فجوَّز النحر قبل إحرامه بالحج لأنه حق مالٍ يتعلق بسببين فجاز تقديمه على أحد سببيه كالزكاة.
الشيخ: والصحيح خلاف قول الإمام ﵀ في هذا لأن النبي ﷺ علل عدم تحلله بكونه ساق الهدي فلا يحل حتى ينحر والحكم المعلق بسبب لا يزاد عليه سببٌ آخر أما على رأي المؤلف فالسبب أنه ساق الهدي وأنه قدم بعد دخول العشر وعلى كلام الإمام أحمد إذا ساق الهدي يريد به الحج وقدم قبل العشر فله أن ينحره خوفًا من هذا التعليل الذي ذكره أن يسرق أو يضيع أو ما أشبه ذلك لكنه مما يستغرب عن الإمام أحمد ﵀ لأن ظاهر الحديث هو تعليق الحكم بسوق الهدي سواءٌ قدم بعد دخول العشر أو قبله وكون الصحابة قدموا بعد دخول العشر هذا أمرٌ اتفاقي ليس أمرًا قصديًا حتى يعلق به الحكم لكن لو قال أنا لا أريد التمتع أنا أريد العمرة فقط وسقت الهدي للعمرة فهل له أن يذبحه؟ نعم لأنه ما ساقه في الحج.
فصلٌ
القارئ: فإن لم يجد الهدي فعليه صوم ثلاثة أيامٍ في الحج وسبعةٍ إذا رجع لقول الله تعالى (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُم) وتعتبر القدرة في موضعه لأنه مؤقت له بدل فاعتبرت قدرته في وقته كالوضوء ووقت صيام الثلاثة قبل يوم النحر لقول الله تعالى (فِي الْحَجِّ) والأفضل أن يكون آخرها يوم عرفة ليحصل صومها أو بعضه بعد إحرام وإن قدًَّمها على ذلك بعد إحرام العمرة جاز لأنه وقتٌ جاز فيه نحر الهدي فجاز فيه الصيام كبعد إحرام الحج ومعنى قوله (فِي الْحَجِّ) أي في وقته.
[ ٣ / ٣٧٧ ]
الشيخ: إذا لم يجد الهدي ولا ثمنه لأن قول الله تعالى (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِد) أي لم يجد هديًا ولا ثمنه (فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ) قوله (فِي الْحَجِّ) يفسره حديث ابن عمر وعائشة ﵃ (لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لا يجد الهدي) وعلى هذا فالاختيار أن يكون صومها في أيام التشريق لأن أيام التشريق أيام حج أما ما ذهب إليه المؤلف بأنه يصوم قبل الحج ويكون آخرها يوم عرفة فهذا خلاف الحديث الصحيح الذي ثبت عن النبي ﷺ أنه لم يصم بعرفة وروي عنه أنه نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة لكن الفقهاء ﵏ لما قالوا الأفضل أن يكون يوم عرفة اضطروا إلى أمرٍ آخر وهو أن يقدّم الإحرام بالحج بدلًا من أن يكون اليوم الثامن يجعله في اليوم السابع وهذا أيضًا فيه مخالفه للسنة لأن السنة أن يكون الإحرام بالحج في اليوم الثامن وعلى هذا فنرى أن أفضل أوقاتها هي الأيام الثلاثة أيام التشريق.
[ ٣ / ٣٧٨ ]
وقوله إن قدمها على الإحرام بالحج وبعد الإحرام بالعمرة فلا بأس هذا حق لأن قوله (فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ) مع قول الرسول ﷺ (دخلت العمرة في الحج) يدل على أنه لا بأس أن يصوم هذه الأيام الثلاثة من بعد إحرامه بالعمرة لكن الغريب من كلام المؤلف ﵀ أنه قال: فإن قدّمه بعد ذلك على إحرام العمرة جاز لأنه وقتٌ جاز فيه نحر الهدي فجاز فيه الصيام كبعد الإحرام بالحج هذا غريب لأن هذا التعليل لا ينطبق على المذهب إذ أن المذهب أن وقت ذبح هدي التمتع من بعد صلاة العيد أو قدرها يعني يوم النحر ولا يجوز أن يقدَّم على يوم النحر لكن فيه خلاف بين العلماء إنما كون المؤلف ﵀ على مذهب الحنابلة الذين يرون أنه لا يجوز أن يقدَّم ذبح هدي التمتع على يوم العيد ثم يجعله علة لجواز تقديم الصيام هذا من الغرائب اللهم إلا أن يكون للمؤلف رأيٌ يوافق مذهب الشافعي وغيره من أهل العلم بأنه يجوز أن يذبح هدي التمتع من حين الإحرام بالعمرة كالصيام والراجح أنه لا يجوز أن يقدم الهدي على يوم العيد لأنه لو كان تقديم الهدي على يوم العيد جائزًا لفعله النبي ﵊ ليطيب قلوب أصحابه يعني لنحَر وحَل.
القارئ: ولا يجوز تقديم النحر ولا الصوم قبل إحرام العمرة لأنه تقديمٌ له على سببه فأشبه تقديم الزكاة على النصاب.
الشيخ: تقديم الزكاة على النصاب يعني لو أن الإنسان يتوقع أنه سيملك نصابًا وليس بيده الآن إلا نصف نصاب فأخرج الزكاة فإنه لا يجزئه لأن هذا تقديمٌ للشيء على سببه ومثله أيضًا لو قدَّم كفارة اليمين على اليمين فإنه لا يجزئه أما لو قدَّم الزكاة قبل الحول فإنه يجزئه لأنه تقديمٌ للشيء على شرطه دون سببه وكذلك لو قدَّم كفارة اليمين على الحنث بعد اليمين أجزأ أيضًا لأنه تقديمٌ للشيء على شرطه بعد سببه وقد أشرنا إلى هذا في منظومة قواعد الفقه.
[ ٣ / ٣٧٩ ]
القارئ: ويصوم السبعة إذا رجع إلى أهله للآية ولما روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال (فمن لم يجد فليصم ثلاثة أيامٍ في الحج وسبعةً إذا رجع إلى أهله) متفقٌ عليه فإن صامها بعد حجه بمكة أو في طريقه جاز لأنه صومٌ واجبٌ جاز تأخيره في حق من يصح منه الصوم فجاز تقديمه كرمضان في حق المسافر.
الشيخ: يعني كما يجوز للمسافر أن يصوم في رمضان ولا يؤخره للقضاء فهذا يجوز لكن أيضًا القياس فيه نظر لأن صوم المسافر في رمضان صومٌ في وقته الأصلي وتقديم صوم المتعة تقديمٌ في غير وقته الأصلي لأن وقته الأصلي إذا رجع إلى أهله فلذلك لا يصح القياس وهذا القياس وأشباهه مما يرد علينا كثيرًا في كلام المؤلف يسمى قياس الشبه وهو ضعيف جدًا في الأقيسة لأنه ليس قياس علة ولا قياس دلالة فهو ضعيف لكن إذا قيل ما هي العلة في جواز التقديم. يقال العلة في جواز التقديم والله أعلم أن الله تعالى إنما أوجب السبعة عند الرجوع لأنه في السفر قد يحتاج إلى الفطر كما رخص له في الفطر في رمضان فإذا قدمه فلا حرج لأن تأخيره إلى الرجوع إلى أهله رخصة وإلا فالأصل أن يبادر لأن الكفارة واجبة في الذمة فالأصل المبادرة.
على أن بعض العلماء قال (إِذَا رَجَعْتُمْ) أي من الحج لقوله (صِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ) أي من الحج ولكن الصحابة أعلم منا بمراد الله حيث فسروه بأن المعنى إذا رجعتم إذا رجع إلى أهله.
[ ٣ / ٣٨٠ ]
القارئ: ولا يجب التتابع في شيءٍ من صوم المتعة لأن الأمر به مطلق فلم يجب التتابع فيه كقضاء رمضان فإن لم يصم الثلاثة قبل يوم النحر صام أيام منى في إحدى الروايتين لقول ابن عمر وعائشة ﵃ (لم يرخص في صوم أيام التشريق إلا للمتمتع إذا لم يجد الهدي) والثانية لا يصومها لنهي النبي ﷺ عن صوم أيام التشريق ويصوم بعد ذلك عشرة أيام وهل يلزمه لتأخيره دم؟ فيه روايتان إحداهما يلزمه لأنه أخر الواجب من المناسك عن وقته فلزمه دمٌ كتأخير الجمار والثانية لا يلزمه دم لأنه صومٌ واجبٌ يجب القضاء بفواته فلم يجب عليه بفواته كفارةٌ كصوم رمضان وقال القاضي: إن أخره لغير عذرٍ لتفريطه لزمه وإن أخره لعذرٍ لم يلزمه.
الشيخ: إذًا الأقوال ثلاثة أنه يلزمه دم مطلقًا، والثاني لا يلزمه مطلقًا، والثالث التفصيل إن كان أخره لعذر لم يلزمه شيء وإلا لزمه ولكن قد يقول قائل الرجل إنما صام لأنه لا يجد الهدي فكيف تلزمونه بدم؟ الجواب أنه يبقى في ذمته أو يقال على ما سيأتي أن من لم يجد الدم الواجب لترك واجب فعليه صيام عشرة أيام فعلى هذا التقدير يلزمه أن يصوم عشرين يومًا والصحيح أنه إذا أخرها لعذر فلا شيء عليه كما لو أخر رمضان عن وقته وإذا أخرها لغير عذرٍ فهو آثم.
القارئ: وإن أخر الهدي الواجب لعذرٍ من ضياع نفقةٍ ونحوها فليس عليه إلا قضاؤه كسائر الهدي الواجب وإن أخره لغير عذرٍ ففيه روايتان إحداهما لا يلزمه إلا قضاؤه لذلك، والثانية عليه هديٌ آخر لما روي عن ابن عباسٍ أنه قال (من تمتع فلم يهد إلى قابل يهدي هديين) ولأنه من نسكٍ مؤقتٍ فوجب بتأخيره دمٌ كالرمي.
فصلٌ
[ ٣ / ٣٨١ ]
القارئ: ومن دخل في الصوم ثم قدر على الهدي لم يلزمه الانتقال إليه لأنه صومٌ شرع فيه لعدم الهدي فلم يلزمه الانتقال عنه كصوم السبعة وله الانتقال عنه كصوم السبعة وله الانتقال إليه لأنه الأصل وهو أكمل وإن وجب عليه الصوم فلم يشرع فيه حتى قدر على الهدي ففيه روايتان إحداهما لا يلزمه الهدي لأن الصوم استقر عليه أشبه الشارع فيه والثانية يلزمه لأنه وجد المبدل قبل شروعه في البدل أشبه الواجد له حال الوجوب.
الشيخ: والظاهر أنه لا يلزمه الانتقال إلى الهدي بعد استقرار الصوم لكن في الغالب أنه أيسر له من الصيام لأنه تبرأ به ذمته حالًا وهو واجد غني فأما إذا شرع في الصوم مثل أن يكون صام الأيام الثلاثة قبل أن يخرج إلى عرفة ثم رزقه الله مالًا بعد ذلك فإنه لا يلزمه أن ينتقل لأنه شرع في البدل.
فصلٌ
القارئ: ويجب على القارن دم لأنه يروى عن ابن مسعودٍ وابن عمر ﵄ ولأن القران نوع تمتعٍ فيدخل في عموم الآية ولأنه ترفه بترك أحد السفرين فلزمه دمٌ كالمتمتع ويشترط ألا يكون من حاضري المسجد وحكمه حكم دم المتعة فيما ذكرنا.
الشيخ: هذا هو الذي عليه جمهور العلماء أن القارن عليه هدي مثل المتمتع وذهب بعض أهل العلم إلى أنه ليس عليه هدي لأنه يخالف المتمتع بأن المتمتع تمتع بحلٍّ بين العمرة والحج فلزمه الهدي شكرًا لله على ذلك وأما القارن فلم يحصل له هذا وهذا هو ظاهر الآية لأن الله قال (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج) ولم يقل فمن تمتع بالعمرة والحج وكلمة إلى تدل على الغاية والغاية لها طرفان ابتدائي ونهائي وهذا يدل على أن الهدي إنما يلزم المتمتع الذي حلَّ بين العمرة والحج وأما القارن فلا يلزمه لكن من قاسه على المتمتع فأرجو ألا يكون في قياسه خلل لأن هذا الرجل تمتع بسقوط أحد السفرين عنه.
فصلٌ
[ ٣ / ٣٨٢ ]
القارئ: وإذا حاضت المتمتعة قبل الطواف للعمرة فخشيت فوات الحج أو خشي ذلك غيرها أحرم بالحج مع العمرة وصار قارنًا لحديث عائشة ولأنه يجوز إدخال الحج على العمرة لغير عذرٍ فمع خشية الفوات أولى.
الشيخ: لكن نقول إنه في هذا الحال إذا كان هذا فرضه وجب عليه أن يدخل الحج على العمرة لئلا يفوته الحج وعلى هذا فالفائدة من هذا الفصل هو أنه إذا كان الذي أحرم بالعمرة يخشى فوات الحج وهذا هو فرضه فإنه يجب عليه أن يدخل الحج على العمرة ويصير قارنًا أما إذا لم يكن هذا فرضه فإنه شاء بقي على عمرته ولو فاته الحج لأنه تطوع.
فصلٌ
القارئ: وتجزئ عمرة القارن وعمرة المفرد من أدنى الحل عن عمرة الإسلام وعنه لا تجزئان لقول النبي ﵇ لعائشة لما أعمرها أخوها: (هذه مكان عمرتك) والصحيح الأول لقول الصُبي بن معبد لعمر إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي فأهللت بهما. يعني أهللت بالمكتوبتين فقال عمر: هديت لسنة نبيك. ولأنها عمرةٌ صحيحةٌ فكانت مجزئةً كعمرة المتمتع والمكي ولأن الحج مع تأكيده يجزئ الإحرام به من مكة فالعمرة من أدنى الحلّ أولى وأما حديث عائشة فهو حجةٌ على إجزاء إحدى العمرتين المختلف فيهما ولا حجة فيه على عدم الإجزاء في الأخرى لأنه إنما أعمرها من التنعيم تطيّيبًا لقلبها لما سألته ذلك ولم يبدأها به.
الشيخ: هذا صحيح ووجه ذلك أن الرسول ﵊ قال: (طوافك بالبيت وبالصفا والمروة يسعك لحجتك وعمرتك) فدل هذا على أن العمرة الأولى صحيحة وباقية لكن قال (هذه مكان عمرتك) تطييبًا لقلبها لأنها قالت: يا رسول الله ينصرف الناس بحجةٍ وعمرة وانصرف بحج ومرادها بذلك العمرة المستقلة وأما العمرة التي دخلت في الحج وصارت بها قارنة فهذا ليس مرادها.
السائل: ما هو الراجح في مسألة تأخير هدي التمتع؟
الشيخ: الصحيح أنه من أخَّره لعذر يذبحه متى ذكر كالصلاة المفروضة وليس عليه أن يذبح هديين.
[ ٣ / ٣٨٣ ]
الشيخ: سبق معنا في مسألة وقت ذبح هدي التمتع أنه لا يجوز تقديمه على يوم النحر وأما الصوم فيجوز تقديمه من حين الإحرام بالعمرة فيه قولٌ ثاني في الهدي وهو ظاهر تعليل الموفق ﵀ وهو مذهب الشافعي أنه يجوز تقديم الهدي على يوم النحر كالصوم وقد استحسنه بعض العلماء المعاصرين لئلا يضيع اللحم في أيام منى وأفتى بذلك استحسانًا وهذا حسن لا شك لكن يعكر عليه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (إن معي الهدي فلا أحل حتى أنحر) ولو كان النحر جائزًا لنحر ليحل وتطيب نفوس أصحابه وإلا فالقول هذا جيد لولا النص والإنسان مأمور باتباع النص والحسن ما دل عليه النص ولعل الحكمة من ذلك والله أعلم ليتحقق كون يوم النحر يوم نحر ويتحقق كون أيام التشريق أيام أكلٍ وشربٍ وذكرٍ لله ﷿.
فصلٌ
القارئ: ويسن للمحرم التلبية لأن النبي ﷺ لبى ورفع صوته وأمر برفع الصوت بها وصفتها لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. لما روى ابن عمر أن هذه تلبية رسول الله ﷺ متفقٌ عليه.
[ ٣ / ٣٨٤ ]
الشيخ: لبيك يعني إجابة وإقامة تتضمن المعنيين لأنها من ألب بالمكان إذا أقام فيه ومن لبى الشخص إذا أجاب دعاءه فهي من المعنيين وثنيت لمطلق التكرار وليس لقصد حقيقة التثنية والإنسان يلبي ربه في كل طاعةٍ يعملها لو سئلت لم توضأت؟ قلت إجابةً لله فلا حصر للتلبية بمرتين فهي مثناهٌ يقصد بها مطلق التكرار ونظيره قوله تعالى (فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ) ليس المراد مرتين فقط بل مطلق التكرار وقوله (لبيك اللهم لبيك) أي يا الله (لبيك) تأكيد (لبيك لا شريك لك) فهذا فيه تحقيق الإخلاص لأن نفي الشريك أو نفي الشركة لتحقيق الإخلاص وهذا من النفي المتضمن للإثبات فليس نفيًا محضًا أيضًا بل هو نفي يتضمن الإخلاص (إن الحمد والنعمة لك) يروى إن الحمد ويروى أن الحمد والكسر أحسن لأنه أعم وأشمل إذ لو قلت لبيك أن الحمد لقيدت التلبية بكون الحمد له يعني لأن له الحمد فإذا كسرت صارت الجملة استئنافية فتكون أعم والمعنى إن الحمد والنعمة لك في كل حال سواءٌ لبيتك أو لم ألبك (إن الحمد والنعمة لك والملك) الحمد وصفُ المحمود بالكمال والنعمة الفضل والله ﷿ يحمد على ما له من صفات الكمال وما له من الفضل والإنعام والملك بالضم أو بالنصب يجوز الوجهان لأن إن استكملت العمل في قوله لك وقد قال ابن مالك:
وجائزٌ رفعك معطوفًا على منصوب إن بعد أن تستكملا
فيجوز والملكُ بالضم ويجوز الملكَ بالنصب فعلى النصب تكون معطوفة على اسم إن وعلى الرفع تكون مبتدأ والخبر محذوف والتقدير والملك لك (ولا شريك لك) تأكيد للإخلاص وقول المؤلف إنها سنة هذا أحد الأقوال في المسألة وهناك قول آخر أنها واجب تجبر بدم وهناك قول ثالث أنها ركنٌ لا ينعقد الإحرام إلا بها كتكبيرة الإحرام والأقرب والله أعلم أنها سنةٌ مؤكدة ورفع الصوت بها كذلك لكن للرجال فقط أما النساء فلسن ممن يطلب منهن رفع الصوت.
[ ٣ / ٣٨٥ ]
القارئ: وتجوز الزيادة عليها لأن عمر زاد لبيك ذا النعماء والفضل الحسن لبيك مرهوبًا ومرغوبًا إليك لبيك وزاد ابنه لبيك وسعديك والخير بيديك لبيك والرغبة إليك والعمل وزاد أنس لبيك حقًا حقًا تعبدًا ورقًا وسمعهم النبي ﷺ فلم ينكر ولا تستحب الزيادة لاقتصار النبي ﷺ عنها.
الشيخ: لعله والله أعلم أراد المؤلف لعدم زيادة النبي ﷺ عنها لكن سها وهذا من المسائل التي كنت أقررها واستنكرها بعض الناس وهو جواز الشيء دون مشروعيته فهنا المؤلف يقول يجوز الزيادة والصحابة أيضًا استعملوها زادوا لكن مع ذلك لا تستحب هذه الزيادة مع أن الرسول أقرها وقررنا هذه القاعدة وذكرنا لها أمثلة منها قصة الرجل الذي بعثه النبي ﷺ في سرية فكان إذا قرأ يختم بقل هو الله أحد فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم ينكر عليه لكن هل شرع ذلك للأمة؟ لا، لا بقوله ولا بفعله.
ومنها قصة سعد بن عبادة في استئذانه أن يجعل مخرافه صدقة لأمه فأذن له لكن هل شرع للأمة أن يتصدق الإنسان عن أمه بعد موتها؟ لا وكذلك أيضًا الرجل الذي قال إن أمي افتلتت نفسها ولو تكلمت لتصدقت أفأتصدق عنها. قال نعم ولكن لم يشرع ذلك للأمة.
أيضًا هذه التلبية كان لا يزيد على التلبية التي يلبي بها ويسمع أصحابه يزيدون ولم ينكر عليهم ولكن هل يشرع أن نزيد كما زادوا أو أن نقتصر كما قال الرسول؟ الثاني بلا شك لأن الرسول هو الأصل في الأسوة.
القارئ: قال جابر (وأهلّ الناس بهذا الذي يهلون ولزم رسول الله ﷺ تلبيته) رواه مسلم ويستحب أن يصلي على النبي ﷺ بعدها لأنه موضعٌ شرع فيه ذكر الله تعالى فشرع فيه ذكر رسوله كالأذان.
[ ٣ / ٣٨٦ ]
الشيخ: هذا قياسٌ غير صحيح هل كل ما شرع فيه ذكر الله يشرع فيه ذكر الرسول؟ لا بل في بعض المواضع يكره ذكر الرسول عند الذبح تقول باسم الله ويكره أن تصلي على الرسول ﵊ عند الوضوء تقول بسم الله ولا تقول اللهم صل على محمد قياس الشبه ضعيف جدًا، ومعناه إذا شابه الشيء الآخر ولو في صورة واحدة جعله قياسًا مطردًا وهذا فيه نظر لكن ورد في حديث فيه نظر أنه يصلى بعد التلبية على النبي ﷺ.
القارئ: ثم يسأل الله الجنة ويستعيذ من النار.
الشيخ: هذا أيضًا ورد فيه حديث لكن في صحته نظر.
القارئ: ويستحب ذكر إحرامه في تلبيته لقول أنس سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لبيك عمرةً وحجة) متفقٌ عليه، وقول ابن عباس قدم رسول الله ﷺ وأصحابه وهم يلبون بالحج قال أحمد إذا لبى القارن بهما بدأ بالعمرة لحديث أنس وقال أبو الخطاب لا يستحب ذكر الإحرام فيها.
الشيخ: والصحيح أنه يستحب أن يذكر إحرامه وأن يقول لبيك اللهم حجًا إن كان مفردًا لبيك اللهم عمرة إن كان متمتعًا لبيك اللهم عمرةً وحجًا إن كان قارنًا إظهارًا لشعائر الله ﷿ وليس هذا من باب الرياء وإنما هو من باب التأسي برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
مسألة: هل لنا أن نزيد نحن أيضًا على التلبية؟ إن قلنا بالسعة وقلنا ما دام الرسول أقر جنس الزيادة فليزد الإنسان ما شاء بشرط أن لا يكون فيه معارضة لنص إما مثلًا شرك أو ما أشبه ذلك وإن قلنا بأن لا نزيد على ما أقر الرسول ﷺ والصحابة عليه فهو أحسن وهو أولى والأولى بلا شك الاقتصار على تلبية الرسول ﷺ لكن قد روى الإمام أحمد بسندٍ صحيح أنه كان يقول (لبيك إله الحق) أعني النبي ﷺ فإذا زاد هذه الكلمة أحيانًا فهو طيب.
فصلٌ
[ ٣ / ٣٨٧ ]
القارئ: ويستحب البداءة بالتلبية إذا ركب راحلته لقول ابن عباسٍ أوجب رسول الله ﷺ الإحرام حين فرغ من صلاته فلما ركب راحلته واستوت به قائمةً أهلّ أي لبى ويستحب رفع الصوت بها لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال) حديثٌ صحيح ولا يجهد نفسه في ذلك لئلا ينقطع صوته فتنقطع تلبيته.
الشيخ: هذا تعليل لا بأس به لكن هناك دليل أصح أن الرسول ﵊ لما رفع الصحابة أصواتهم بالذكر قال (أيها الناس اربعوا على أنفسكم) أي ارفقوا بها وليت المؤلف استدل بذلك وعلى هذا فقول جابر كنا نصرخ بها صراخًا يعني من غير مشقة وكلفة.
القارئ: ولا ترفع المرأة صوتها إلا بقدر ما تسمع رفيقتها لأنها يخاف الافتتان بها ويستحب الإكثار منها لأنها ذكر.
الشيخ: العلماء ﵏ هم المربون حقيقة يعني المرأة لا تجهر ولا بالذكر فالذي تتعبد به لله وتتقرب إليه خوفًا من الفتنة فما بالك بالنساء اليوم! ترفع المرأة صوتها حتى بغير الذكر مع أن الفتنة في الوقت الحاضر أشد من الفتنة في عهد الصحابة بلا شك ولهذا ينبغي لنا أن نبين للنساء أن المرأة وإن لم يكن صوتها عورة على القول الراجح لكن المشروع في حقها أن تخفض الصوت في كل مجالات الكلام إلا إذا لم يكن عندها إلا نساء مثل أن تقوم بخطبة أو موعظة في سطة النساء فهذا لا شك أنه جائز.
[ ٣ / ٣٨٨ ]
القارئ: ولأنه يروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ما من مسلمٍ يضحي لله يلبي حتى تغيب الشمس إلا غابت بذنوبه فعاد كما ولدته أمه) رواه ابن ماجة ويتأكد استحبابها في ثمانية مواضع إذا علا نَشَزًا أو هبط واديًا أو تلبَّس بمحظورٍ ناسيًا وفي دبر الصلوات المكتوبات وإذا التقت الرفاق وفي إقبال الليل والنهار وبالأسحار لأن النخعي قال: كانوا يستحبون التلبية دبر الصلوات المكتوبة وإذا هبط واديًا وإذا علا نشزًا وإذا لقي راكبًا وإذا استوت به راحلته ولأن في هذه المواضع ترتفع الأصوات ويكثر الضجيج وقد قال النبي ﷺ: (أفضل الحج العج والثج) وهو حديثٌ غريب والعج: رفع الصوت، والثج: إسالة الدماء، وحكم التلبية دبر الصلوات حكم التكبير في أيام عيد النحر وتجزئ التلبية مرة واحدةً لعدم الأثر في تكرارها ولا بأس بالزيادة لأنها زيادة ذكرٍ وتستحب التلبية في المسجد الحرام ومنى وسائر مساجد الحرم وبقاعه لأنها مواضع النسك ولا يستحب إظهارها في مساجد الحل وأمصاره لما روي عن ابن عباسٍ أنه سمع رجلًا يلبي بالمدينة فقال إن هذا لمجنون إنما التلبية إذا برزت.
الشيخ: وقال شيخ الإسلام ﵀ إن التلبية إنما تكون للسائر الماشي وأما الماكث فلا يلبي وذلك لأن التلبية إجابة دعوة والنازل القاعد لم يتحرك حتى يقال إنه مجيبٌ للدعوة وقال إنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه لبى وهو مقيم بعرفة أو مزدلفة أو منى إنما كان يلبي في حال سيره لكن قد ثبت عن النبي ﷺ أنه لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة فمن أخذ بهذا العموم قال إنه يلبي في حال سيره وفي حال إقامته وهذا هو ظاهر كلام المؤلف.
السائل: ما حكم المتمتع الذي ليس معه هدي ولم يتمكن من الصيام في الحج؟
الشيخ: يصومها إذا رجع ثلاثًا وسبعًا فتكون عشرة.
[ ٣ / ٣٨٩ ]