القارئ: التعزية سنة لما روى ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال من عزى مصاب فله مثل أجره وهو حديث غريب وتجوز التعزية قبل الدفن وبعده لعموم الخبر ويكره الجلوس لها لأنه محدث ويقول في تعزية المسلم بالمسلم أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك ورحم ميتك وفي تعزيته بكافر أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك وتوقف أحمد عن تعزية أهل الذمة وهي تخرج على عيادتهم وفيها روايتان إحداهما يعودهم لأنه روي أن غلامًا من اليهود كان يخدم النبي ﷺ فأتاه يعوده فقعد عند رأسه فقال له أسلم فنظر إلى أبيه وهو عند رأسه فقال له أطع أبا القاسم فأسلم فقام النبي ﷺ وهو يقول (الحمد لله الذي أنقذه من النار).
الشيخ: أنقذه بي.
[ ٢ / ٣٩٥ ]
القارئ: فقام النبي ﷺ وهو يقول (الحمد لله الذي أنقذه بي من النار) رواه البخاري والثانية لا يجوز لأن النبي ﷺ قال (لا تبدؤوهم بالسلام) فإن قلنا نعزيهم فإن تعزيتهم عن مسلم أحسن الله عزاءك وغفر لميتك وعن كافر أخلف الله عليك ولا نقص عددك.
الشيخ: هذه كلمات استحسان من العلماء ﵏ وليس فيها آثار عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
السائل: إمام صلى على ميت فلم يكبر إلا ثلاثة فهل تجب الصلاة عليه بعد الدفن وإذا وجبت فهل لها مدة محددة؟
الشيخ: نعم يجب عليه أن يعيدها إلا إذا ذكرها في الحال فيأتي بتكبيرة رابعة ويسلم.
السائل: إذا كان الميت قد دفن؟
الشيخ: إذن يصلى عليه على القبر.
السائل: كيف نقول في تعزية أهل الذمة (ما نقص عددك) ونحن ندعو عليهم؟
الشيخ: ولا نقص عددك لأنه إذا زاد عددهم زادت الجزية لنا.
السائل: هل يعزى الكفار من الموظفين؟
الشيخ: قد يقال إنهم لا يعزون لأن في هذا إكرامًا لهم اللهم إلا ما جرت به العادة بين الدول مما لابد منه فهذا لا بأس به إن شاء الله.
فصل
القارئ: والبكاء غير مكروه إذا لم يكن معه ندب ولا نياحة لما روي أن النبي ﷺ دخل على سعد بن عبادة فوجده في غاشية فبكى وبكى أصحابه وقال (ألا تسمعون إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه أو يرحم) متفق عليه ولا يجوز لطم الخدود وشق الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية لما روى ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال (ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية) وعن أبي موسى أن النبي ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشاقة متفق عليهما ويكره الندب والنوح.
[ ٢ / ٣٩٦ ]
الشيخ: بين المؤلف في هذه القطعة أن البكاء غير مكروه وهذا إذا جاء بمقتضى الطبيعة أما مع التقصد فلا لكن إذا جاء بمقتضى الطبيعة فإنه لا بأس به ولا سيما إذا كان الحامل عليه الرحمة دون فقد الأحباب لأنه قد يؤجر على هذا لأن الراحمين يرحمهم الرحمن ﷿ ثم استدل لذلك بحديث أن النبي ﷺ لما دخل على سعد بن عبادة فوجده في غاشية بكى وبكى أصحابه وقال ألا تسمعون إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه أو يرحم متفق عليه لكن استثنى المؤلف أن لا يكون معه ندب ولا نياحة والندب هو تعداد محاسن الميت والنياحة أن يبكي بكاءً يشبه نوح الحمام لأن البكاء الذي يشبه نوح الحمام هذا مقصود فيه أن الإنسان يبكي على وجه يعرف به عدم الصبر على هذه المصيبة أما الأحاديث التي ذكرها أيضًا حين قال لا يجوز لطم الخدود ولا شق الجيوب ولا الدعوى بدعوى الجاهلية فإن ذلك يحدث عند المصائب في الجاهلية بل وفي الإسلام أيضًا ولكن هذا تبرأ منه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولعلكم تتعجبون أن يلطم الإنسان خده عند المصيبة لكنه لشدة المصيبة ينفعل حتى يلطم الخد كذلك شق الجيب لشدة المصيبة يشق جيبه وهذا ينبئ عن عدم الرضا وعدم الصبر والدعاء بدعوى الجاهلية أن يقول يا ويلاه يا ثبوراه وما أشبه ذلك أما حديث أنه (برئ من الصالقة والحالقة والشاقة) الصالقة التي ترفع صوتها بالندب أو بالنياحة والحالقة التي تحلق شعرها وكانوا في الجاهلية إذا أصيبت المرأة تحلق شعرها لأن اتخاذ الشعر عندهم أمر مطلوب محبوب ولهذا لم يكلف الله المرأة أن تحلق رأسها في النسك ولا أن تقصره تقصيرًا بالغًا بل بقدر أنملة فقط وأما الشاقة فهي التي تشق الجيب.
[ ٢ / ٣٩٧ ]
القارئ: ونقل حرب عن أحمد كلامًا يحتمل إباحتهما واختاره الخلال وصاحبه لأن واثلة وأبا وائل كانا يستمعان النوح ويبكيان وظاهر الأخبار التحريم قال أحمد في قوله تعالى (وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ) هو النوح فسماه معصية وقالت أم عطية أخذ علينا النبي ﷺ في البيعة أن لا ننوح متفق عليه.
الشيخ: هذا الذي نقل عن أحمد ما دام يحتمل أنه أباحه ويحتمل أنه لم يبحه فالواجب أن يحمل على أنه لم يبحه لأن الإمام أحمد ﵀ معروف باتباع الآثار والتمسك بالسنة ولا يمكن أن يسمع قول الرسول ﷺ (ليس منا) أو أنه (لعن النائحة والمستمعة) ثم يقول بإباحته هذا من أبعد ما يكون.
القارئ: وينبغي للمصاب أن يستعين بالله تعالى وبالصبر والصلاة ويسترجع ولا يقول إلا خيرا لقول الله تعالى (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) الآيات وقالت أم سلمة ﵂ سمعت رسول الله ﷺ يقول (ما من عبد مسلم تصيبه مصيبة فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واَخْلِف لي خيرًا منها إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيرًا
منها قالت فلما توفي أبو سلمة قلتها فأخلف الله لي خيرًا منه رسول الله ﷺ رواه مسلم وقال لما مات أبو سلمة (لا تدعو على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون) رواه مسلم.
الشيخ: هكذا ينبغي وقول المؤلف ينبغي الظاهر أن مراده الوجوب يعني يجب على الإنسان أن يستعين بالله تعالى بالصبر والتحمل والصلاة وأن يفكر هل أحد من الناس بقي حتى يبقى هذا الذي فقده هذا المصاب قال أهل العلم ﵏ والمصاب له أربع حالات:
الحال الأولى التسخط وعدم الصبر وربما يدعو على نفسه بالويل والثبور وربما يقدح في حكمة الله ﷿ وفي تقديره وهذا حرام بلا شك وربما يصل إلى درجة الكفر.
[ ٢ / ٣٩٨ ]
الحال الثانية الصبر وهو أن يمتنع عما يحرم كشق الجيوب ولطم الخدود وما أشبهها وهذا واجب.
الحال الثالثة الرضا وهو أن تتساوى عنده المصيبة وعدمها باعتبار تقدير الله لها لا باعتبار وقوعها لأن تساويها مع عدمها باعتبار وقوعها أمر لا يطاق ولا يمكن لأحد أن يستقيم عليه لكن باعتبار قضاء الله تعالى لها يعني كأنه يقول لا يهمني حصلت أم لم تحصل ما دامت من فعل الله ﷿ فيكون راضيًا بقضاء الله تعالى وقدره وهذا قد يقول قائل ما الفرق بينه وبين الصبر؟ يقال الفرق بينه وبين الصبر أن الصابر لم تتساوى عنده المصيبة وعدمها باعتبار تقدير الله ﷿ لكنه لم يتكلم بكلام حرام ولم يفعل فعلًا حرامًا أما هذا فيقول أنا مع قضاء الله وقدره سواء هذا أو هذا.
[ ٢ / ٣٩٩ ]
الحالة الرابعة الشكر بأن يشكر الله ﷿ على هذه المصيبة وهذا قد يقوم بقلب إنسان مسرف على نفسه قد فعل معاصي كثيرة فإذا عجل له بالعقوبة شكر الله ﷿ على هذا وقال إنها تكفير لذنوبي وأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وفي الحديث أن الله تعالى إذا أحب يعني إنسانًا عجل له بالعقوبة في الدنيا حتى يخرج من الدنيا وهو بريء بإذن الله ﷿ ولعلكم تذكرون أن الرسول ﷺ كان أشد الناس منازعة في الموت من أجل أن يموت ﷺ وهو أعلى ما يكون في درجة الصابرين لأن الصبر له منزلة عالية (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) ويذكر أن الإمام أحمد ﵀ لما حضرته الوفاة تمثل له الشيطان يعض أنامله ويقول فتني يا أحمد فقال له أحمد بَعْدُ بَعْدُ وقول الشيطان فتني يعني أنني لم أغوك لكنه قال بعد بعد وهو في سياق الموت لأنه ما دامت روحه لم تخرج فهو على خطر نسأل الله أن يحسن لنا ولكم الخاتمة فلذلك نقول إن الإنسان ربما يكون في مقام الشاكرين عند المصائب نظرًا لأن الله خفف عنه العقوبة حيث عجل له ذلك في الدنيا فهذه أربع مقامات بالنسبة للمصاب، وأما حديث أم سلمة ﵂ فإنه لما مات أبو سلمة وكان ابن عمها ومن أحب الناس إليها قالت هذه الكلمة لا شكًا في الموضوع ولكن إيمانًا منها بقول الرسول ﵊ وقالت من خير من أبي سلمة ليس القصد من ذلك الشك في وعد الرسول ﵊ لكن القصد أنها
[ ٢ / ٤٠٠ ]
تؤمل من هذا هل هو أبو بكر أوعمر أو عثمان فهي مترددة فيمن يكون خيرًا لا في أن الله تعالى يخلف لها خيرًا من أبي سلمة لأن هذا الاحتمال الثاني لا يمكن أن يقع من مثلها وهي أنها تريد أن تجرِّب هل يتحقق هذا أو لا؟ بل هي مؤمنة به ولذلك قالت هذا الكلام مع أن أبا سلمة من خيار الأزواج وما أن انقضت عدتها حتى خطبها النبي ﷺ فأخلف الله لها خيرًا من ذلك والحديث كما تعلمون أن الرسول ﷺ لما حضر إلى أبي سلمة وقد حضرته الوفاة وجاء وقد دخل عليه وقد شق بصره أغمضه ﷺ وقال (اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين وافسح له في قبره ونور له فيه واخلفه في عقبه) خمس كلمات أما الشيء الظاهري من هذه الكلمات فهو أن الله خلفه في عقبه لا شك لأن عقبه صار تحت رعاية النبي ﷺ وأما الباقي فإننا نرجو الله تعالى أن يكون قد حقق ذلك بدعاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فصل
القارئ: ويستحب لأقرباء الميت وجيرانه إصلاح طعام لأهله لأن رسول الله ﷺ لما جاء نعي جعفر قال (اصنعوا لآل جعفر طعاما فإنهم قد أتاهم أمر شغلهم) رواه أبو داود فأما صنع أهل الميت الطعام للناس فمكروه لأن فيه زيادة على مصيبتهم وشغلًا لهم إلى شغلهم.
[ ٢ / ٤٠١ ]
الشيخ: المؤلف رحمه الله تعالى استدل بدليل أخص من الحكم فقال إنه يستحب لأقارب الميت وجيرانه إصلاح الطعام لأهله بدون قيد والحديث يدل على أن هناك قيدًا وهو أنهم إذا أتاهم ما يشغلهم من الانقباض والحزن والبكاء فإنه يصنع لهم الطعام وإلا فلا لأن (العلة المنصوصة توجب تخصيص الحكم بما تفيده هذه العلة) كقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا يتناجى اثنان دون الثالث من أجل أن ذلك يحزنه) فإذا لم يحزن الثالث تناجي الاثنين فإنه لا حرج عليهما في ذلك هكذا الحديث (اصنعوا لآل جعفر طعاما) وليس مطلقًا (فقد أتاهم ما يشغلهم) ثم على تقدير أنه أتاهم ما يشغلهم وليس من المتيسر أن يجلبوا الطعام من المطاعم كما هو الحاضر الآن فإن طعامًا واحدًا يكفي أما أن تساق إليهم الذبائح والموائد ويجتمع في البيت كثير من الأطعمة ثم يقولون نحن نحتاج إلى من يأكل هذه الأطعمة فيحضر الناس من يمين وشمال من أجل أكل هذه الأطعمة فهذه ليس من السنة كما هو الواقع الآن في كثير من البلاد الإسلامية وأما صنع أهل الميت الطعام فإن المؤلف يقول إنه مكروه وظاهر حديث جرير بن عبد الله البجلي قال (كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنع الطعام من النياحة) فظاهر هذا الحديث أنه حرام أن يصنعوا الأطعمة إلى الناس ليأتوا إليهم لأن هذا الصحابي الجليل جرير بن عبد الله عده من النياحة.
فصل
[ ٢ / ٤٠٢ ]
القارئ: ويستحب للرجال زيارة القبور لأن النبي ﷺ قال (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الموت) رواه مسلم وإذا مر بها أو زارها قال ما روى مسلم قال كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية وفي حديث آخر ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وفي حديث آخر اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم وإن زاد اللهم اغفر لنا ولهم كان حسنا.
[ ٢ / ٤٠٣ ]
الشيخ: في هذا الفصل بيان حكم زيارة القبور فبين أنها سنة لكن للرجال وزيارة القبور لا لدعاء أهل القبور ولكن للدعاء لهم ولا لتهييج الأحزان ولكن لتذكر الموت لأن الذين يزورنها أقسام منهم من يزور القبور ليدعوها وهذا شرك أكبر دعاء أهل القبور أن يجلبوا الخير ويدفعوا الشر سواء كان على سبيل العموم أوالخصوص هذا شرك أكبر ثانيًا أن يزور المقبرة ليدعو الله عندها أي عند المقابر وهذا بدعة لأنه اعتقد أن الدعاء في هذا المكان أفضل من الدعاء في غيره وهذا يحتاج إلى دليل فهو بدعة وربما يكون سببًا لدعاء هؤلاء الأموات فيكون بدعة منهي عنه وليست المقبرة بأفضل من المساجد ولا بأفضل من مكان تتعبد لله به في بيتك ثالثًا أن يزور المقبرة للاعتبار وتذكر الموت وتذكر الآخرة وأن هؤلاء القوم كانوا بالأمس معك على ظهر الأرض وأصبحوا الآن مرتهنين بأعمالهم لا يستطيعون زيادة في الأعمال ولا نقصًا من السيئات فيعتبر ويتعظ ويعظ نفسه ويقول لا تدرين لعلك لا تصبحين إلا عندهم أو لا تمسين إلا عندهم وما أشبك ذلك من الوعظ والتذكير لنفسه وهذا هو الذي أراده النبي ﵊ في قوله (تذكر الآخرة) رابعًا أن يزور المقابر لتهييج الأحزان كلما اشتاق إلى أمه أو أبيه خرج إلى المقبرة وجلس عند رأس القبر يبكي ويحن وهذا بدعة لا شك ومنكر وليس هذا الذي أراده النبي ﵊ والإنسان ينبغي له أن ينسى المصيبة لا أن يفعل ما يذكر المصيبة وهذه خمسة مقاصد كلها تكون لمن زار المقبرة والمقاصد الشرعية أن يخرج إلى المقبرة للاعتبار والاتعاظ والدعاء إلى أصحاب القبور هذه الزيارة الشرعية وما سوى ذلك فإما شركية وإما بدعية.
[ ٢ / ٤٠٤ ]
السائل: بارك الله فيكم في بعض البلاد إذا مات ميتهم ذهبوا إلى المطابع وطبعوا أوراقًا بيضاء مكتوب فيها الميت وساعة الدفن ومكان ما يصلى عليه ثم يذهب بهذه الأوراق وتعلق على بعض الأمكنة ويتحرون أماكن أقرباء هذا الميت وتعليلهم أنه حتى يعلم أنه مات فيصلون عليه ويكثر العدد؟
الشيخ: الظاهر أن هذا لا بأس به يعني لا بأس بإعلام الأقارب أو غير الأقارب بأنه مات من أجل الصلاة عليه كما نعى النبي ﷺ النجاشي يوم مات وأمر أصحابه أن يصلوا عليه.
السائل: أحسن الله إليكم ما حكم الكتابة التي تكتب على أسوار المقابر صلوا على النبي ولا تنسوا دعاء الميت.
الشيخ: الظاهر أنه لا بأس به تذكير يذكر الإنسان لكن صلوا على النبي هذه ما وردت لكن بعض المقابر يكتب عليها الدعاء المأثور.
[ ٢ / ٤٠٥ ]
الشيخ: بقي عندنا في كلام المؤلف الأدعية يقول المؤلف إذا زارها أو مر بها يقول السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين السلام عليكم خطاب فهل هذا من قوة الاستحضار أو إن أهل المقبرة يسمعون ما يقول؟ فيه احتمال لأن أهل المقبرة يسمعون فيقول السلام عليكم فيسمعون أو من قوة الاستحضار كما نقول نحن السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته مع أن الرسول ينقل إليه سلامنا وقوله من المؤمنين والمسلمين وهل هناك فرق بين الإيمان والإسلام؟ نقول نعم إذا قرن بينهما فبينهما فرق لأن الإيمان إيمان القلب وإقراره واعترافه ويقينه والإسلام إسلام الجوارح واستسلامها وهو أضعف حالًا من الإيمان يعني المسلم أضعف حالًا من المؤمن ودليل ذلك قوله تعالى (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) وأكثر الناس اليوم إيمانهم إسلام أكثر الناس اليوم مسلمون لأنك إذا تأملت تصرفات الناس اليوم وجدتهم يعملون أشياء تنافي كمال الإيمان وما ينافي كمال الإيمان فإنه يتحول به الإنسان إلى أن يكون مسلمًا أو مؤمنًا ناقص الإيمان فلا يعطى مطلق الاسم قال (من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) كيف قال وإنا إن شاء الله مع أننا متيقنون أننا سوف نلحق بهؤلاء؟ فقيل إن المراد إن شاء الله لاحقون على الإسلام بكم لاحقون أي في الإسلام وهذا أمر غير متيقن إذ قد يحال بين الإنسان وبين حسن الخاتمة والعياذ بالله وقيل إن الاستثناء للمكان أي وإنا إن شاء الله بكم لاحقون في هذا المكان وهذا لاسيما في البقيع الذي هو أفضل بقاع الأرض في الدفن فيكون الاستثناء عائدًا إلى اللحوق في المكان وقيل إن الاستثناء في (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) أن هذا للتحقيق يعني أننا لاحقون بمشيئة الله ونظيره قول الله تعالى (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ)
[ ٢ / ٤٠٦ ]
مع أن هذا الدخول مؤكد محقق كما قال النبي ﵊ لعمر (إنك آتيه ومطوف به) وهذا والله أعلم أقرب
الأقوال أن الإنسان يقول إنا إن شاء الله أي متى شاء الله لحقنا بكم وإذا لحقنا فإنما نلحق بمشيئة الله وهذا لا يحتاج إلى تكلف ولا إلى صعوبة في الفهم أيضا وفيه أيضًا من الأدعية (نسأل الله لنا ولكم العافية) كيف يسأل العافية للأموات؟ العافية من العذاب وشدة العذاب وما أشبه ذلك لأن الميت يعذب في قبره فتسأل الله له العافية من هذا العذاب أما بالنسبة لنا فنحن مضطرون إلى العافية عافية الدين والدنيا فالقلوب مريضة والأجسام سقيمة وما لم يكن كذلك فهو عرضة له فلذلك نحتاج إلى الدعاء بالعافية لنا وفي حديث آخر يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين كذا منا أو منا ومنكم يحتاج إلى تحرير فإن لم يكن فيه منكم فالمعنى يرحم الله المستقدمين منا يعني منا معشر الأمة الإسلامية والمستأخرين وفي آخره اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم لا تحرمنا أجرهم ما هو أجرهم الذي لنا منهم؟ يعني يشمل كلما تقربنا به إلى الله فيهم فمثلًا منا من صلى عليهم ومن شيعهم ومن أصيب بهم والمتيقن أجر زيارتهم لا تحرمنا أجرهم أي أجر زيارتهم وهذا متيقن لكل من زار ولا تفتنا بعدهم فتنة حروب وقتال أو فتنة دين أو فتنة دنيا عن ماذا؟ عامة يشمل كل فتنة لا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم.
فصل
القارئ: وأما النساء ففي كراهية زيارة القبور لهن روايتان إحداهما لا يكره لعموم ما رويناه ولأن عائشة ﵂ زارت قبر أخيها عبد الرحمن، الثانية يكره لأن النبي ﷺ قال (لعن الله زوارات القبور) وهذا حديث صحيح، فلما زال التحريم بالنسخ بقيت الكراهة ولأن المرأة قليلة الصبر فلا يؤمن تهيج حزنها برؤية قبور الأحبة فيحملها على فعل ما لا يحل لها فعله بخلاف الرجل.
[ ٢ / ٤٠٧ ]
الشيخ: الصحيح بلا شك أن زيارة النساء للقبور حرام بل من كبائر الذنوب لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعن زائرات القبور وفي لفظ (زوارات القبور) فيحمل اللفظ الثاني على الأول ويقال إن صيغة المبالغة هنا ليست للكثرة بل هي للنسبة وفعّال تأتي للنسبة ولو مرة واحدة كما يقال فلان من النجارين وإن لم ينجر إلا مرة واحدة بل كما في قوله تعالى (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) ليس المنفي الكثرة بل نسبة الظلم إليه ﵎ وقد بين شيخ الإسلام ﵀ في الفتاوى بيانًا واضحًا بطلان قول من يقول إن النسخ في قول الرسول ﵊ (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها) عام للرجال والنساء وقال هذا لا يصح وإنما هو في الرجال فقط وما ذكره المؤلف ﵀ من التعليل لا شك أنه قوي إن المرأة إذا زارت فهي رقيقة ضعيفة يتهيج حزنها برؤية قبور الأحبة وربما تنوح وربما تبقى المدة الطويلة عند القبر وربما يعترضها الفساق وربما يحدث لها وحشة إذا انفردت بالمقبرة ويختل عقلها بهذا المهم أن هناك مفاسد كثيرة في زيارة المرأة للقبور فإن قال قائل إن عائشة ﵂ علمها النبي عليه
الصلاة والسلام إذا زارت القبور أن تقول السلام عليكم دار قوم المؤمنين قلنا إن مراد الرسول ﵊ ما إذا مرت المرأة بالمقبرة فلا بأس أن تقف وتدعو وأما أن تخرج من بيتها قاصدة المقبرة فهذا حرام بل من كبائر الذنوب.
فصل
[ ٢ / ٤٠٨ ]
القارئ: ويستحب لمن دخل المقابر خلع نعليه لما روى بشير بن الخصاصية قال بينما أنا أماشي رسول الله ﷺ إذ حانت منه نظرة فإذا رجل يمشي في القبور عليه نعلان فقال يا صاحب السِّبتيتين ويحك ألق سبتيتيك فنظر الرجل فلما عرف رسول الله ﷺ خلعهما فرمى بهما رواه أبو داود فإن خاف الشوك إن خلع نعليه فلا بأس بلبسهما للحاجة ولا يدخل في هذا الخفاف لأن نزعها يشق وفي التِمِشْكات ونحوها وجهان أحدهما هي كالنعل لسهولة خلعها والثاني لا يستحب لأن خلع النعلين تعبد فيقصر عليهما.
الشيخ: ظاهر كلام المؤلف ﵀ في قوله يستحب لمن دخل المقابر خلع النعل أنه من حين أن تدخل تخلع والحديث يدل على أن المنهي عنه إنما هو المشي بين القبور وبينهما فرق وعلى هذا فلو كانت القبور في أقصى المكان فإنك لا تخلع نعليك من حين أن تدخل لأنه ليس المقصود إكرام الأموات بخلع النعل إنما المقصود دفع الأذية فيما إذا كان الإنسان يمشي بين القبور وهذا هو المراد ولعله مراد المؤلف ﵀ فإن لم يكن مرادَه فهذا هو الحق إن شاء الله أن المنهي عنه إنما هو المشي بين القبور بالنعال وأما فيما سوى ذلك فلا وقد ثبت عن النبي ﵊ في قصة الميت يحضره الملكان حتى إنه ليسمع قرع نعالهم وهم لابسوها في المقبرة.
فصل
القارئ: وإن دعا إنسان لميت أو تصدق عنه أو قضى عنه دينًا واجبًا عليه نفعه ذلك بلا خلاف لأن الله تعالى قال (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ) ولقول سعد بن عبادة للنبي ﷺ أينفع أمي إذا تصدقت عنها قال نعم متفق عليه.
الشيخ: ما عندي متفق عليه.
[ ٢ / ٤٠٩ ]
القارئ: قال المخرج في نسختي لم أقف على هذه الرواية في الشيخين وقد أخرجها الترمذى في باب الزكاة من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال الترمذي في نهاية الحديث هذا حديث حسن وبه يقول أهل العلم.
القارئ: وإن فعل عبادة بدنية كالقراءة والصلاة والصوم وجعل ثوابها للميت نفعه ذلك وفي الحي أيضا لأنه إحدى العبادات فأشبهت الواجبات ولأن المسلمين يجتمعون في كل مصر ويقرؤون ويهدون لموتاهم ولم ينكره منكر فكان إجماعا.
[ ٢ / ٤١٠ ]
الشيخ: هذه المسألة مسألة إهداء القرب أو ثوابها للأموات فيه خلاف فمن العلماء من قال إنه لا ينفع الميت إلا ما جاءت به السنة فقط وما عداه فإنه لا ينتفع به الميت فيحصر ما جاءت به السنة ويقال ما عداه لا ينتفع به الميت ومنهم من قال إن القضايا التي جاءت بها السنة قضايا أعيان يعني وقع الأمر هكذا فسئل عنه النبي ﷺ فأجازه ولم يمنع ما سواه فيقاس عليه ما عداه وهذا أقرب إلى الصواب لأنه ما يدرينا لو وقع هذا الشيء أيمنعه الرسول ﵊ أم لا يمنعه فالصواب أنه جائز ولكن الصواب أنه ليس من هدي السلف أن الإنسان يكثر من هذا الشيء ثم ينسى نفسه كما هو الواقع عند كثير من الناس الآن بل يقال استرشد بما أرشدك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إليه حيث قال (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) فالنبي ﵊ أرشدك إلى الدعوة للميت وهذه أفضل من الصدقة له أو التسبيح له أو الصلاة أو الصوم أو العمرة وهذا أصح وهو أن يقال إهداء القرب للأموات نافع لكنه ليس بمشروع ولا مطلوب من الإنسان ولا مرغب فيه بل الدعاء أفضل حتى إن النبي ﵊ لما سئل هل بقي من بر والدي بعد موتهما لم يذكر العمل لهما إطلاقًا بل قال الاستغفار لهما والصلاة عليهما يعني الدعاء وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا صلة لك إلا بهما ولم يذكر الصدقة ولم يذكر الصوم ولا الحج ولا غيرها مما يدل على أن العبادات تختص بالفاعل وأما الدعاء فبابه واسع كل المسلمين يدعو بعضهم لبعض السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين هذا يشمل كل صالح ميتًا كان أم حيًا.
[ ٢ / ٤١١ ]