القارئ: من علم بسلعته عيبًا لم يحل له بيعها حتى يبينه لقول النبي ﷺ (المسلم أخو المسلم لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعًا فيه عيب إلا بينه له) رواه ابن ماجة.
[ ٤ / ٣٣٨ ]
الشيخ: لا شك أنه لا يجوز للإنسان إذا علم عيبًا في السلعة إلا أن يبينها وما يفعله بعض الناس الآن في بيع السيارات تحت الميكرفون كما يقولون تجده يبيعها وهو يعلم أن بها عيبًا ويقول للمشتري أبيع عليك طارات العجلات من أجل إذا وجد بها عيبًا يقول أنت صابر به وهذا لا يبرئه عند الله ﷿ ولهذا كان القول الراجح في مسألة البيع بشرط البراءة أنه إذا كان البائع عالمًا بالعيب فإنه لا يبرأ وإن كان غير عالم فإنه يبرأ كرجل اشترى سيارة ولم تبقى عنده إلا يومًا أو يومين ثم باعها وهو لا يدري هل فيها عيب فقال للمشتري أنا أبيع عليك إطار العجلات أو الكبوت كما يقولون أو الهيكل وصبر فإنه لا يرجع إذا وجد عيب لأنه أبرأ البائع أما إذا كان البائع يعلم فإنه لا يبرأ بذلك هذا هو الراجح في هذه المسألة وعدم البيان
حرام لأدلة كثيرة منها هذا الحديث الذي ذكره المؤلف ﵀ ومنها قول الرسول ﵊ محذرًا (إن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما) ومنها قوله ﵊ (المؤمن أخو المؤمن) والأدلة في هذا كثيرة.
القارئ: فإن باع ولم يبين فالبيع صحيح لأن النبي ﷺ صحح بيع المصراة مع نهيه عنه وحكي عن أبي بكر أن البيع باطل لظاهر النهي.
الشيخ: والصواب أن البيع صحيح لكن للمشتري الخيار.
القارئ: ومن أشترى معيبًا أو مصراة أو مدلسًا يعلم حاله فلا خيار له لأنه بذل الثمن فيه راضيًا به عوضا فأشبه مالا عيب فيه وإن لم يعلم فله الخيار بين رده وأخذ الثمن لأنه بذل الثمن ليسلم له مبيع سليم ولم يسلم له فثبت له الرجوع بالثمن كما في المصرا وبين إمساكه وأخذ أرشه لأن الجزء بالعيب يقابله جزء من الثمن فإذا لم يسلم له كان له ما يقابله كما لو تلف في يده ومعنى الأرش أن ينظر بين قيمته سليمًا ومعيبا فيؤخذ قدره من الثمن فإذا نقصه العيب عشر قيمته فأرشه عشر ثمنه لأن ذلك هو المقابل للجزء الفائت.
[ ٤ / ٣٣٩ ]
الشيخ: إذا اشترى معيبًا عالمًا بعيبه فلا خيار له وإذا اشترى معيبًا غير عالم بعيبه فإن له الخيار بين أن يرده ويأخذ الثمن إن كان قد سلم الثمن وبين أن يبقيه وله الأرش الأرش قسط ما بين قيمته صحيحًا ومعيبًا فإذا كان قيمته صحيحًا مائة وقيمته معيبًا ثمانون فالأرش الخمس فنقدره بالجزء المشاع والمثال إذا اشتراه بمائتين ثم قوم وقيل قيمته سليمًا مائة وقيمته معيبًا ثمانون فالفرق بين القيمتين الخمس فنضع من المائتين الخمس أي أربعين فهذا هو تقدير الأرش أما الرد فظاهر فإن المشتري يملك الرد لأنه اشتراه سليمًا فبان معيبًا وهو لم يرض به وأما الأرش فعلل المؤلف هذا بأن الثمن في مقابلة المبيع سليمًا فكل قرش منه يقابل جزءًا من هذا المبيع فإذا فُقد جزءٌ بالعيب لزم أن ينزل من الثمن بقدر ولكن الراجح قول شيخ الإسلام ﵀ وهو أن يخير المشتري بين الرد أو الإمساك مجانًا وأما الأرش فيقول إن الأرش هذا عقد جديد لا يمكن أن يجبر البائع لكن لو فرضنا أن البائع مدلس فهنا يتوجه القول بإلزامه بالأرش إذا اختاره المشتري تنكيلًا له أما إذا علمنا أن الرجل سليم صادق النية وتبين العيب فكيف نلزمه بالأرش هو يقول أنا إنما بعت السلعة هذه إن جاءت بالثمن هذا ولا ردها عليَّ فكيف نلزمه فالقول الراجح إذًا أن المشتري يخير بين الرد وأخذ الثمن كاملًا والإمساك بلا أرش لأن الأرش معاوضة في الواقع إلا إذا علمنا أن البائع مدلس فحينئذ نعامله بالأغلظ والأشد ونقول الخيار للمشتري إن شاء أمسكها بالأرش وإن شاء ردها.
فصل
[ ٤ / ٣٤٠ ]
القارئ: فإن نما المبيع المعيب نماء متصلًا كالسمن والكبر والتعلم والحمل والثمرة قبل الظهور وأراد الرد رده بزيادته لأنها لا تنفرد عن الأصل في الملك فلم يجزئه رده دونها فإن كانت منفصلة كالكسب واللبن وما يوهب له والولد المنفصل والثمرة الظاهرة رد الأصل وأمسك النماء وعنه ليس له رده دون نمائه والأول المذهب لما روت عائشة أن رجلًا أبتاع غلاما فاستغله ما شاء الله ثم وجد به عيبًا فرده فقال يا رسول الله إنه استغل غلامي فقال رسول الله ﷺ (الخراج بالضمان) رواه أبو داود.
[ ٤ / ٣٤١ ]
الشيخ: الآن هذا المعيب نمى وأراد المشتري رده فهل له حق في هذا النماء نقول في هذا تفصيل إذا كان النماء متصلًا فليس له الحق يرده بنمائه ولا يأخذ عن النماء عوضًا وإذا كان منفصلًا فالنماء له ويرده بدون بدون النماء مثال الأول السمن اشترى شاة هزيلة ثم نمت عنده وسمنت ثم تبين بها عيب وأراد ردها اشتراها هزيلة بمائة والآن تساوي مائتين وأراد الرد نقول ردها والنماء الذي حصل هل يعوض عنها أو لا يعوض يقول المؤلف أنه لا يعوض لأنه متصل والصحيح أنه يعوض عنه لأن هذا النماء حصل بفعل المشتري على وجه صحيح لأن هذا ملكه والنماء أيضًا ملكه فيكون له وحينئذ نقول إذا رددت قُوّم هذا المبيع هزيلًا وقوم سمينًا والفرق بين القيمتين يسلمه البائع للمشتري لأن النماء المتصل حصل بفعل المشتري فهو يأتي بالعلف ويأتي بالماء يحوطها عن البرد وعن الحر فهو قد تعب عليها وهذا النماء من فعله فالصواب أن النماء المتصل كالنماء المنفصل وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو الحق ولا فرق في الواقع وكذلك أيضًا التعلم اشترى عبدًا فعلمه وبعد تعليمه وجد فيه عيبًا نقول إن شئت فأمسك وعلى شيخ الإسلام ليس لك أرش وإن شئت رده ولك النماء وهو فرق ما بين قيمته متعلمًا وقيمته أميًا أما الحمل والثمرة قبل الظهور واضح الحمل يعني أنه اشترى جارية وزوجها عبدًا وحملت فالحمل الذي في بطنها مملوك الآن عبد فهو قبل الظهر تابعٌ لها كالسمن فلا يرجع به المشتري إلا على القول الراجح أنه يرجع به فإن خاف المشتري ألا يعوض عن هذه الزيادة يعني مثلًا خاف أنه لو رفع الأمر إلى قاضي يرى أن الزيادة المتصلة تتبع أصلها وليس لها قيمة فالحيلة سهلة بدل أن يردها يأخذ بالأرش على القول بجواز الأرش نقول أبقه عندك وخذ الأرش وهو فرق ما بين قيمة هذا المعيب سليمًا وقيمته معيبًا أما إذا كانت منفصلة يقول المؤلف (كالكسب واللبن وما يوهب له) يعني للعبد إذا وهب له شيء ثم يقول
[ ٤ / ٣٤٢ ]
(والولد المنفصل والثمرة الظاهرة رد الأصل وأمسك النماء) مثاله اشترى شاة حائلًا ثم حملت وبعد وضعها علم أن فيها عيبًا ولا تستكثر تقول كل هذه المدة ما علم بالعيب نعم يمكن قد يكون عيبًا خفيًا لا يعلم به إلا بعد مدة فردها المشتري فالولد يكون للمشتري لأن هذا نماء منفصل فهو له وكذلك لو كسب العبد مثلًا اشترى عبدًا ماهرًا جيدًا في التجارة فكسب أكثر من ثمنه ثم وجد به عيبًا فرده فالكسب الذي حصل
للمشتري أو وهبه له أي للبعد لأن ما يوهب للعبد فهو لسيده فيكون الموهوب للعبد ملكًا للمشتري قال المؤلف (وعنه ليس له رده دون نمائه) يعني المتصل والمنفصل وهذا خلاف القول الصحيح تمامًا لأن القول الصحيح النماء كله المتصل والمنفصل كله للمشتري والمذهب التفصيل بين النماء المتصل والمنفصل والمتصل للبائع والمنفصل للمشتري هذا يقول ليس له رده لنمائه لا المتصل ولا المنفصل لكن هذه رواية ضعيفة ولهذا ردها وقال الأول المذهب وذكر الحديث والحديث رجل ابتاع غلامًا فاستغله فاستغله ما شاء الله ثم وجد به عيبًا فرده فقال يا رسول الله إنه استغل غلامًا فقال النبي ﷺ (الخراج بالضمان) الخراج يعني الكسب والعطاء والرزق كما قال تعالى (أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ) والباء هنا للبدلية يعني أنه كما أنه مضمون عليه أي على المشتري فخراجه له يعني كسبه بالضمان الباء للبدلية يعني كما أن ضمان هذا المبيع لو هلك على المشتري لأنه ملكه فيكون خارجه له وهذه قاعدة أصلها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الخراج بالضمان يعني من عليه ضمان شيء فله كسبه وله نمائه هذا معنى الحديث وهذا الحديث أيضًا يدلنا على القول الراجح أن النماء المتصل كالمنفصل يكونان للمشتري لعموم الخراج بالضمان.
السائل: شخص باع سلعة معيبة ثم ندم على ذلك؟
[ ٤ / ٣٤٣ ]
الشيخ: باع سلعة معيبة ثم ندم يعني ولم يخبر المشتري فهذا أمره يسير إن كان يعلم المشتري استحله وإن كان لا يعلمه فإنه يقدر الأرش وهو فرق ما بين قيمتها معيبة أو سليمة ثم يتصدق به عن هذا الرجل المجهول ويبرأ بذلك.
السائل: رجل كان غشاش مدة كبيرة وبعد ذلك تاب إلى الله ﷿ ولا يدري كم دخل عليه من الأموال فماذا يفعل؟
الشيخ: أما الذين يعرفهم فالأمر واضح يستحلهم وينتهي الموضوع والذين لا يعرفهم يتصدق عنهم بالفرق بين هذا المغشوش بين قيمته سليمًا ومعيبًا وإذا كان لا يدري فليتحرَّ بقدر المستطاع ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
السائل: لم يتضح لي كلام شيخ الإسلام في رد الأرش؟
الشيخ: مثلًا اشتريت كتابًا من شخص بعشرة ريالات على أنه سليم ثم تبين أن بعض الصفحات فيها بياض فهذا عيب شيخ الإسلام يقول إما أن ترد الكتاب وتأخذ الثمن أو تبقيه عندك ولا تأخذ الأرش هذا المعنى والمذهب يقول خذ الأرش ونحن نقول القول ما قاله شيخ الإسلام في هذه المسألة إلا إذا علمنا أن البائع قد خدعه.
القارئ: إلا أن الولد إن كان لآدمية لم يملك ردها دونه لأن فيه تفريق بينهما وذكر الشريف أن له ردها لأنه موضع حاجة أشبه من ولدت حرًا فباعها دونه والأول أولى لأن الجمع ممكن بأخذ الأرش أو ردهما معها.
الشيخ: استثنى المؤلف الولد إذا كان من آدمية يعني فلا يمكن أن يردها ويبقي ولدها لأن هذا يستلزم التفريق بين الوالدة وولدها وهو حرام فماذا يصنع يقول المؤلف إما أن يأخذ الأرش يعني يدفع الأرش للبائع وتبقى عنده الأم والولد ويقال حينئذ أنه مثل تعذر الرد لأنه إذا تعذر الرد تعين الأرش فيقال هذا تعذر الرد أي رد الأم وحدها فيأخذ الأرش ويبقيها وإما أن يردها مع ولدها إذا كان يمكن أن ترد مع الولد بحيث يكون الولد مملوكًا ويأخذ ثمن الولد من البائع.
[ ٤ / ٣٤٤ ]
القارئ: فإن كان المبيع حاملا فولدت عند المشتري ثم ردها رد الولد معها لأنه من جملة المبيع والولادة نماء متصل.
الشيخ: هذا واضح يعني لو كانت الحامل حين الشراء وهي حامل ثم ولدت فالحمل يرد معها لأن العقد وقع عليها وهي حامل فشمل الأم وما في بطنها فإذا ردها فلابد أن يرد الولد معها.
فصل
القارئ: وإن تعيب المعيب عند المشتري ففيه روايتان إحداهما له أرش العيب وليس له رده لأن في رده ضررا فلا يزال الضرر بالضرر والثانية يرده وأرش العيب الحادث عنده ويأخذ الثمن لأن النبي ﷺ أمر برد المصراة بعد أخذ لبنها ورد عوضه ولأن جواز الرد كان ثابتا فلا يزول إلا بدليل ولا نص في منع الرد ولا قياس فيبقى بحاله.
الشيخ: هذه القاعدة تذكرنا فيما سبق أن ما كان ثابتًا بدليل فلا يزول إلا بدليل والمسألة هي إذا اشترى معيبًا ثم تعيب عنده فهل له أن يرده على البائع أو نقول لما تعيب تعذر الرد؟ الصواب أن له أن يرده لكن يرد النقص الذي حصل بالعيب عنده ويسميه المؤلف أرش وهو نقص.
القارئ: فإن دلس البائع العيب فتعيب عند المشتري أو تلف بفعله أو غيره فالمنصوص أنه يرجع بالثمن ولا شيء عليه لأنه مغرور والقياس يقتضي التسوية بين المدلس وغيره لأن النبي ﷺ أوجب على مشتري المصراة عوض لبنها مع التدليس وجعل الخراج بالضمان ولم يفرق بين مدلس وغيره.
الشيخ: المذهب الأول والمذهب في الحقيقة من حيث التربية والمنع من الظلم أولى بلا شك لأننا إذا قلنا هذا المدلس الظالم نعاقبه بأنه كلما حصل عند المشتري فإنه عليه ولا ضمان على المشتري فهذا جيد حتى يردع الناس عن التهاون في كتم العيوب وغير ذلك.
[ ٤ / ٣٤٥ ]
القارئ: وعن أحمد أن المبيع إذا كان صانعا أو كاتبا فنسي عند المشتري يرده بالعيب ولا شيء معه وهذا يحتمل أن يكون فيمن دلس العيب دون غيره لأن الصناعة والكتابة متقومة تضمن في الغصب وعلله القاضي أنه ليس بنقص في العيب ويمكن تذكره فيعود.
الشيخ: وعلى كل الحال المذهب أوجه من وجه والقول الثاني أوجه من وجه آخر لأن الخراج بالضمان ومعلوم أن المبيع قبل رده بالعيب من ضمان المشتري لكن المذهب أرجح حتى يسد الباب باب التدليس ويقال إن المشتري لو علم بالعيب ما أبقاه على ملكه فلا ينافي الحديث (الخراج بالضمان).
فصل
القارئ: وما تعيب قبل قبضه وهو مما يدخل في ضمان المشتري فهو كالعيب الحادث في يده وإن كان مما ضمانه على البائع فهو كالعيب القديم لأن من ضمن جملة المبيع ضمن أجزائه
الشيخ: بعض المبيعات يكون ضمانها على البائع حتى يقبضها المشتري فإذا تعيبت فيما بين العقد وبين القبض فهو كالعيب القديم وإذا كان الشيء مما يدخل في ضمان المشتري من حين العقد فما تعيب من حين العقد فهو على مشترى هذا معنى العبارة مثال ذلك إذا اشترى طعمًا مائة صاع ثم تعيب قبل أن يقبضه فضمانه على البائع فيكون كالعيب القديم يعني للمشتري الخيار ولو أشترى شيئًا معين لا يحتاج كيل فتعيب فهو على المشتري.
فصل
القارئ: وإن وطيء المشتري الأمة ففيه روايتان أحدهما ليس له ردها وله الأرش لأن الوطء يجري مجرى الجناية لا يخلو من عقر أو عقوبة والثانية له ردها إن كانت ثيبا ولا شيء معها لأنه معنى لا ينقص عينها ولا قيمتها ولا يتضمن الرضاء بالعيب فأشبه الاستخدام وإن كانت بكرا فهو كتعيبها عنده فإن ردها رد أرش نقصها كما لو عابت عنده.
الشيخ: والصحيح أنه له الخيار مادام لم يعلم فله الخيار ويبقى النظر هل يضمن نقصها بزوال بكارتها نقول إن كان البائع مدلسًا فإنه لا يضمن وإن كان غير مدلس فإنه يضمن أي المشتري.
فصل
[ ٤ / ٣٤٦ ]
القارئ: فإن لم يعلم بالعيب حتى هلك المبيع بقتل أو غيره أو أعتقه أو وقفه أو أبق أو باعه أو وهبه فله الأرش لأنه تعذر عليه الرد وإن فعل ذلك مع علمه بالعيب فلا أرش له لرضاه به معيبا ذكره القاضي وقال أبو الخطاب في المبيع والهبة رواية أخرى له الأرش ولم يعتبر علمه وهو قياس المذهب لأننا جوزنا له إمساكه بالأرش وتصرفه فيه كإمساكه وإن باعه قبل العلم ثم رجع إليه ببيع أو غيره فله رده أو أرشه لأن ذلك أمتنع عليه لخروجه من ملكه وبرجوعه إليه عاد الإمكان.
السائل: قوله في الوطء لا يخلو من عقر أو عقوبة ما معناه؟
الشيخ: كلمة عقر لا أدري وما معناها لكن عقوبة معروف أن الوطء يوجب العقوبة إذا كان بغير حلال أما من عقر فلا يظهر.
فصل
القارئ: وإن باع بضعه أو وهبه فله أرش الباقي فأما أرش ما باع فينبني على ما قلنا في بيع الجميع وفي جواز رد الباقي بحصته من الثمن روايتان إحداهما يجوز ذكره الخرقي لأن رده ممكن والأخرى لا يجوز لأن فيه تبعيض الصفقة على البائع فلم يجز كما لو كان المبيع عينين ينقصهما التفريق.
[ ٤ / ٣٤٧ ]
الشيخ: الصواب إذا رضي بهذا فلا بأس إذا رضي البائع بأن يرد عليه ما بقي من المبيع فلا حرج أما إلزامه فلا يلزم لأنه تفرقت الصفقة عليه بتلف بعض المبيع أو بيع أو نحو ذلك أقول فإن علم أن فيه عيبًا فباع بعضه مع علمه بالعيب فهذا ليس له الخيار لأن بيعه إياه رضا وأما إذا لم يعلم إلا بعد أن باع فنقول في جواز رد الباقي بحصته من الثمن روايتان إحداهما المنع والثانية الجواز والصواب أنه جائز إذا رضي البائع بذلك مثال هذا رجل اشترى طعامًا وباع نصفه ثم علم أن فيه عيبًا ومن المعلوم أن ما باعه لا يمكن رده لكن الثاني هل يرده أو لا المؤلف ذكر في ذلك روايتين رواية أنه يجوز أن يرده بقسطه من الثمن وراوية أخرى لا يجوز وتعليل الرواية الأخرى التي فيها عدم الجواز أن في ذلك تبعيضًا للصفقة على البائع وهذا ضرر عليه فأقول إذا رضي البائع بذلك فلا مانع فإذا قال الذي بيع يقدر بأرشه وهذا رده علي وأعطيك قسطه من الثمن.
القارئ: ولو اشترى شيئين فوجد بأحدهما عيبا فله ردهما معًا أو إمساكهما وأخذ الأرش فإن أراد رد المعيب وحده ففيه الروايتان إلا أن يكونا مما ينقصهما التفريق كمصراعي باب وزوجي خف أو ممن لا يحل التفريق بينهما كالأخوين فليس له إلا ردهما أو إمساكهما مع الأرش لأن في ردهما تفريقًا محرما أو ضررًا بالبائع لنقصان قيمة المردود بالتفريق.
[ ٤ / ٣٤٨ ]
الشيخ: إذا اشترى شيئين فوجد بأحدهما عيبًا مثلًا اشترى سيارتين فوجد في إحداهما عيبًا يقول المؤلف ﵀ له ردهما جميعًا لأن الصفقة واحدة فلو قال البائع أنا لا أقبل إلا السيارة التي فيها عيب فما جوابنا له نقول الصفقة واحدة والرجل أشترى السيارتين يريدهما جميعًا فله أن يردهما جميعًا قوله (أو إمساكهما وأخذ الأرش) وهذا مبني على القاعدة عند الفقهاء أن من أطلع على العيب فهو بالخيار بين الرد أو أخذ الأرش فإن أراد رد المعيب وحده ففيه الروايتان أي الروايتان اللتان سبقتا وقلنا إنه إذا رضي البائع بذلك فلا بأس قوله (إلا أن يكونا مما ينقصهما التفريق) فهذا لا يمكن أن يرد أحدهما (كمصراعي الباب وزوجي خف) يعني إنسان اشترى بابًا له مصراعان أتعرفوا المصارع.
السائل: عندما يقول فتح الباب على مصراعيه يعني ما بين
[ ٤ / ٣٤٩ ]
الشيخ: هو شق الباب يعني باب مكون من شقين فوجد بأحد الشقين عيبًا فأراد أن يرده فقال البائع لا يمكن ترده يقبل قول البائع لأن في ذلك ضررًا عليه ولهذا قال (إلا أن يكونا مما ينقصهما التفريق كمصراعي باب) قوله (زوجي خف) الرجلان يحتجان إلى خفين اشترى خفين ليلبسهما فوجد في أحد الخفين عيبًا فهل يرده وحده؟ لا لأن في ذلك ضررًا على البائع فنقول إما أن ترد الجميع أو تأخذ الأرش لو قال المشتري أنه ليس له إلا رجل واحدة ويريد أن يرد الثانية قلنا ولو كان كذلك لأن الضرر باقي على البائع كذلك أيضًا إذا كان ممن لا يحمل التفريق بينهما (كالأخوين) فليس لهما ردهما وكيف الأخوين مثل اشترى رقيقين أخوين والرقيقان الأخوان لا يمكن أن يفرق بينهما فوجد في أحدهما عيبًا فأراد أن يرده ويبقي الآخر نقول لا إما أن ترد الجميع وإما أن تبقي الجميع ولك الأرش لماذا؟ لأنه قد يكون البائع لا يتضرر بهذا لكن التفريق بينهما شرعًا لا يجوز وهنا يحتاج أن نعرف من الذي يحرم التفريق بينهما شرعًا من المملوكين يقول العلماء كل من حرم التناكح بينهما بنسب فالتفريق بينهما حرام، مثل أخوان يحرم التفريق بينهما ولو كانا ابنا عم لا يحرم التفريق لأنه لا يحرم التناكح بينهما ولو كانا أخوان من الرضاع فإنه لا يحرم التفريق فنحن قيدنا أن يكون ذلك بنسب ولوكانا بنت الزوج وزوجة الأب يجوز التفريق لأن التحريم بينهما بالمصاهرة لا بالنسب.
القارئ: وإن تلف أحد المبيعين ووجد بالآخر عيبا فعلى الروايتين وإن اختلفا في قيمة التالف فالقول قول المشتري لأنه كالغارم فهو كالمستعير والغاصب.
[ ٤ / ٣٥٠ ]
الشيخ: قوله ﵀ (إن اختلفا في قيمة التالف) مثل إذا قال البائع قيمة التالف ألف وقال المشتري قيمته ثمانمائة فعندنا الآن مدعي ومدعى عليه البائع مدعي وهي دعواه زيادة القيمة والمشتري مقر بالقيمة التي أقر بها فيدخل هذا في قوله ﷺ (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) ولهذا أخذ العلماء ﵏ من هذا الحديث قاعدة أن كل غارم فالقول قوله فعلى هذا إذا اختلفا في قيمة التالف فالغارم المشتري فنقول القول المشتري لأن ما زاد على قوله دعوى من البائع والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول (البينة على المدعي واليمين على من أنكر).
القارئ: وإن كانا معيبين باقيين فأراد رد أحدهما وحده فهي كالتي قبلها وقال القاضي ليس له رد أحدهما لأنه أمكنه ردهما معا ولو كان المبيع عينًا واحدة فأراد رد بعضها لم يملك ذلك وجهًا واحدًا لأن فيه تشقيص المبيع على البائع وإلحاق لضرر الشركة به.
فصل
القارئ: وإن اشترى اثنان شيئا فوجداه معيبا فرضيه أحدهما ففيها روايتان إحداهما للآخر رد نصيبه لأنه جميع ما ملكه بالعقد فملك رده بذلك كما لو أنفرد والأخرى ليس له رده لأن المبيع خرج عن ملك البائع كاملا فلم يملك المشتري رده مشقصا كما لو اشترى العين كلها ثم رد بعضها.
الشيخ: الصحيح أنه له رده لأنه حق للمشتري لكن إذا علم البائع أنهما شركيان أما إذا ظنه لواحد فهنا قد يقال أنه لا يجوز له رده لأن البائع لم يعلم لكن إذا علم أن هاذين المشتريين شريكان فوجد في المبيع عيب فإن لأحدهما أن يرد نصيبه.
القارئ: ولو ورث اثنان خيار عيب في سلعة فرضي أحدهما سقط رد الآخر لأن العقد عليها واحد بخلاف شراء الاثنين فإنه عقدان وإن اشترى واحد من أثنين شيئا فوجده معيبا فله رد نصيب أحدهما عليه منفردا لأنه يرد عليه جميع ما باعه.
فصل
[ ٤ / ٣٥١ ]
القارئ: ومن اشترى معيبًا فزال عيبه قبل رده مثل أن يشتري أمة مزوجة فطلقها الزوج فلا خيار له نص عليه أحمد لأن الضرر زال ولو اشترى مصراة فصار لبنها عادة فلا خيار له وإن قال البائع أنا أزيل العيب مثل أن يشتري أرضًا فيها حجارة تضرها فقال البائع أن أقلعها في مدة لا أجرة لها أو أشترى أرضًا فيها بذر للبائع فقال أنا أحوله سقط الرد لأن الضرر يزول من غير ضرر.
الشيخ: وهذا صحيح لكن بشرط ألا يفوت غرض المشتري فالأرض التي فيها الحجارة إذا قال البائع أنا أزيلها فهنا قد يتأخر ذلك ويحلق المشتري ضرر فإذا لم يكن ضرر فإنه لا رد له لكن لو بقي بعد إزالة الأحجار آثار تضر بالأرض فله الفسخ.
السائل: لو اشترى أمة مزوجة فطلقها الزوج فإن المشتري ربما يتضرر لأنه لابد أن يستبرئها؟
الشيخ: إذا أراد إنسان أن يبيع أمة لابد أن يستبرئها قبل ولكن لو فرض أنه ما استبرئها وقال المشتري هو الذي يجب عليه الاستبراء فهذا لا شك أنه ضرر على المشتري فله الخيار.
فصل
القارئ: ذكر القاضي ما يدل على أن في خيار العيب روايتين إحداهما هو على التراخي لأنه خيار لدفع الضرر المتحقق فكان على التراخي كخيار القصاص فعلى هذا هو على خياره ما لم يوجد منه ما يدل على الرضى من التصرف على ما ذكرنا في باب الخيار والثانية هو على الفور لأنه خيار ثبت بالشرع لدفع الضرر عن المال فأشبه خيار الشفعة ولو حلب لبنها الحادث أو ركبها ليردها أو ليختبرها لم يكن رضى لأنه حق له إلى أن يرد فلم يمنع منه.
الشيخ: الصحيح أنه يرجع في هذا إلى العرف إذا أخر الرد أو المطالبة بالأرش مدة تدل عرفًا على أنه راضي فإنه يسقط الخيار وإلا فله الخيار فالأصل بقاء الخيار ولكن إذا أخرها مثلًا عشرة أيام بعد أن علم لا للتجربة فإنه يسقط خياره هذا هو العرف أما أن يبقى شهر أو شهرين وهو يقول العيب على التراخي متى شئت رددت فهذا لا يُمكَّن منه.
فصل
[ ٤ / ٣٥٢ ]
القارئ: وله الرد من غير رضى صاحبه ولا حضوره لأنه رفع عقد جعل إليه فلم يعتبر ذلك فيه كالطلاق ويجوز من غير حكم حاكم لأنه مجمع عليه فلم يحتج إلى حاكم كفسخ المعتقة للنكاح.
فصل
القارئ: والعيوب هي النقائص المعدودة عيبا فما خفي منها رجع إلى أهل الخبرة به فمن العيوب في الخلقة المرض والجنون والجذام والبرص والعمى والعور والعرج والعفل القرع والصمم والخرس والأصبع الزائدة والناقصة والحول والخوص والسبل وهو زيادة في الأجفان والبخر والخصا والتخنيث وكونه خنثى والحمق البات والتزوج في الرقيق فأما عدم الختان فليس بعيب في الصغير لأنه لم يفت وقته ولا في الكبير المجلوب لأن ذلك عادتهم وهو عيب في الكبير المولود في الإسلام لأن عادتهم الختان والكبير يخاف عليه فأما العيوب المنسوبة إلى فعله كالسرقة والإباق والبول في الفراش فإن كانت من مميز جاوز العشر فهي عيب لأنه يذهب بمال سيده أو يفسد فراشه وليس عيبًا في الصغير لأنه لا يكون لضعف بنيته أو عقله والزنا عيب لأنه يوجب الحدود وكذلك شرب المسكر والحمل عيب في الأمة لأنه يخاف منه عليها وليس بعيب في غيرها لعدم ذلك والثيوبة وكون الأمة لا تحيض ليس بعيب لأن الإطلاق لا يقتضي وجود ذلك ولا عدمه وكذلك كونها محرمة على المشتري بنسب أو رضاع أو إحرام أو عدة لأن ما يختص بالمشتري لا ينقص ثمنها وسائر ذلك يزول عن قرب ومعرفة الغناء والحجامة ليس بعيب لأن النقص فعل ذلك لا العلم به والكفر وكونه ولد زنا ليس بعيب لأن الأصل في الرقيق الكفر ولا يقصد فيهم النسب وكون الجارية لا تحسن الطبخ والخبز ليس بعيب لأن هذه صناعة فالجهل به كالجهل بسائر الصنائع.
[ ٤ / ٣٥٣ ]
الشيخ: هذا فيه مسائل تحتاج إلى مناقشة أولًا يقول (معرفة الغناء ليس بعيب) فيقال بل هو عيب لأن التي تعرف الغناء لابد أن تعكف عليه وهذا يضر بالسيد من وجه وهو أيضًا حرام من وجه آخر فلا شك أنه عيب، قوله (الحجامة) إذا كان هذا الرقيق حجامًا فإن ذلك ليس بعيب لأن الأرقاء لا يأنفون من كونهم حجامين أما (الكفر) يقول المؤلف أنه ليس بعيب وهذا من الغرائب مثلًا اشترى أمة فإذا هي
كافرة يقول المؤلف ليس بعيب لأن الأصل في الرقيق الكفر وهذا مُسلَّم فيما لو كان الرقيق من سبي يعني إنسان في القتال في سبيل الله فسبوا نساءً وصار سهم هذا الرجل كافرًا فهنا قد نقول إن الأصل الكفر لأنهم لم يسبوا إلا الآن أما رقيق مازال في دار الإسلام نقول الأصل فيه الكفر فالصواب أن الكفر عيب لما في ذلك من الإضرار بالسيد والإضرار بأهله وأولاده وما أشبه ذلك وقوله (كون الجارية لا تحسن الطبخ والخبز ليس بعيب) هذا أيضًا فيه نظر لأن مثل الطبخ والخبز لا يجهله أحد فالأصل في الجارية أن تكون عارفة بالطبخ والخبز وشغل البيت هذا هو الأصل فإذا كانت لا تعرف يقول لها السيد اطبخي فلا تعرف أن تطبخ أو اخبزي ولا تعرف أن تخبز فهذا عيب بلا شك والصواب أن العيب كل ما ينقص قيمة المبيع عادة هذا هو الضابط ويرجع في ذلك إلى أهل الخبرة كما قاله المؤلف.
السائل: قول المؤلف في الصغير (لأنه لا يكون لضعف بينته أو عقله) ما معناه؟
الشيخ: يعني لأن هذا لا يكون لضعف بنيته لو كان كبيرًا ولا علقه لو كان كبيرًا فلو كان كبيرًا وصار يبول في الفراش قلنا هذا عيب لماذا؟ لأن البنية ما تقتضي أن يبول في الفراش وكذلك العقل لكن الصغير يبول في الفراش.
فصل
[ ٤ / ٣٥٤ ]
القارئ: وإن شرط في المبيع صفة مقصودة مثل أن شرط الأمة بكرا أو جعدة أو العبد كتابا أو ذا صناعة أو فحلا أو خصيًا أو مسلما أو الدابة هملاجة أو الفهد صيودًا أو الشاة لبونا فبان خلاف ذلك فله الرد لأنه لم يُسلَّم له ما بذل الثمن فيه فملك الرد كما لو وجده معيبًا وإن شرط الأمة سبطة أو جاهلة فبانت جعدة أو عالمة فلا خيار له لأنها زيادة وإن شرطها ثيبًا فبانت بكرا فكذلك ويحتمل أن له الخيار لأنه قد يشترط الثيوبة لعجزه عن البكر.
الشيخ: هذه شروط في الصفات التي لابد من تحققها عند الشرط قال المؤلف (إن شرط صفة مقصودة مثل أن شرط الأمة بكرًا) هذه صفة مقصودة فوجدها ثيبًا أو جعدة فوجدها سبطة الرأس أو العبد كاتبًا أو ذا صنعة فوجده بخلاف ذلك أو فحلًا فوجده خصيًا أو خصيًا فوجده فحلًا وذلك لأن كل إنسان له غرض قد يشترط أن يكون العبد فحلًا من أجل أن يزوجه أمة عنده وينتج من ذلك أولاد أرقاء وقد يشترط أن يكون خصيًا ليأمنه على أهله قوله (أو الدابة هملاجة) يعني سريعة السير سهلة السير فبانت بخلاف ذلك قوله (أو الفهد صيودًا) الفهد من الأشياء التي تُعلَّم الصيد كالصقر والكلب وما أشبه ذلك فاشترط في الفهد أن يكون صيودًا ولكنه لم يكن كذلك فله الخيار وقوله (أو الشاة لبونًا) يعني كثيرة اللبن وهل يصح مقدرًا بمعنى أن يقول إنها تحلب صاعًا أو مدًا أو ما أشبه ذلك؟ جرت عادة الناس عندنا
أنه يصح فيقول هذه البقرة حلوب تحلب في الوجبة صاعًا يعني في أربعة وعشرين ساعة أو أقل أو أكثر لكن الفقهاء ﵏ لا يرون التقدير لأنه قد لا يتمكن منه وإنما يكتفون بكونها لبونًا.
[ ٤ / ٣٥٥ ]
القارئ: وإن شرطها كفارة فبانت مسلمة ففيه وجهان أحدهما لا خيار له لأنها زيادة والثاني له الخيار لأنه يتعلق به غرض صحيح وهو صلاحها للمسلم والكافر وإن شرطها حاملًا صح وقال القاضي قياس المذهب أنه لا يصح لأن الحمل لا الحكم له والصحيح الأول لأن النبي ﷺ حكم في الدية بأربعين خلفة في بطون أولادها ولأن الحمل يثبت الرد في المعيبة ويوجب النفقة للمبتوتة ويمنع كون الدم فيه حيضا والطلاق فيه بدعة.
الشيخ: الصحيح ما ذكره الموفق ﵀.
القارئ: ويجوز الفطر في رمضان للخوف عليه ويمنع إقامة الحد والقصاص وإن شرط في الطير مصوِّت أو في الديك أنه يصيح في وقت من ليل صح لأن ذلك عادة له فجرى مجرى الصيد في الفهد وقال بعض أصحابنا لا يصح لأنه يجوز أن يوجد وأن لا يوجد.
الشيخ: هذه المسألة إذا اشترط في الديك أنه يصيح في وقت معين فهل يصح هذا الشرط أو لا يصح؟ فيه قولان القول الأول أنه يصح لأنه معتاد والثاني أنه لا يصح لأنه لا يمكن إستداركه والمسألة محتملة إن نظرنا إلى إن الأصل بقاء العادة على ما كانت قلنا الشرط صحيح والناس يحتاجون إلى هذا فيما سبق احتياجًا بينًا لأن الساعات قليلة وبعض الديكة يوقت توقيتًا تامًا عند الآذان يصيح ولهذا سئلت عائشة متى كان النبي ﷺ يقوم في الليل قالت (إذا صاح الديك) مما يدل أن بعض الديكة يكون لها وقت محدد لكن استدراكه مشكل لأن الديك ربما ينام أو يكون مريضًا أو ما أشبه ذلك فاستدراكه صعب ولو قيل إنه يصح اشتراط أن يكون مصوِّتًا وأن يكون صوته جميلًا لكان هذا الشرط صحيحًا لأن بعض الديكة يكون صوته جميلًا وبعضها لا.
السائل: ما معنى أن استدراكه مشكل؟
الشيخ: معناه أنه ما يمكن إذا لم الديك يؤذن تلك الليلة قلنا يخصم عليك من الراتب لأنه لو كان مؤذن بشر استدركناه.
[ ٤ / ٣٥٦ ]
القارئ: وإن شرط أن يجيء من مسافة ذكرها صح لأن ذلك عادة وفيه قصد صحيح ليبلغ الأخبار فهو كالصيد في الفهد وقال القاضي لا يصح لأنه تعذيب للحيوان وإن شرط الغناء في الأمة وفي الكبش منطاح وفي الديك أنه مقاتل لم يصح لأنه منهي عنه فهو كالزنا في الأمة.
الشيخ: وقد قال النبي ﷺ (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل).
السائل: إذا شرط أن يجيء من مسافة فهل هذا شرط صحيح؟
الشيخ: نعم هذا الشرط صحيح كما قال المؤلف.
فصل
القارئ: وإذا اشترى ما مأكوله في جوفه فوجده معيبا فله الرد وعنه لا شيء له لأنه لا تدليس من البائع ولا يمكنه معرفة باطنه والأول أصح لأن عقد البيع اقتضى السلامة فإذا بان معيبًا ملك رده كالعبد.
الشيخ: إذا قلنا بأنه يصح فهل يجوز للبائع أن يشترط على المشتري أنه إن وجده معيبًا فلا رد له؟ الجواب نعم يصح بشرط ألا يكون مدلسًا أي علم عيبه وكتمه ثم شرطه على المشتري فهذا لا يقبل وهذا يقع كثيرًا في الرمان ويقع كثيرًا في البطيخ لكن إذا اشترى بطيخة على أنها ناضجة وتبين أنها لم تنضج فهل له الرد؟ الجواب لا إلا إذا شرط أنها ناضجة ولذلك في مثاله الحبب بعضهم يشقه لكي يتبين أن هذا النوع على هذا الوصف.
القارئ: وإن كان مما لا قيمة له كبيض الدجاج والجوز الخرب والرمان الفاسد رجع بالثمن كله لأن هذا ليس بمال فبيعه فاسد كالحشرات وإن كان الفساد في بعضه رجع بقسطه وإن مما لمكسوره قيمة كجوز الهند وبيض النعام فقال الخرقي يرجع بالثمن وعليه أرش الكسر كما لو كان المبيع ثوبًا فقطعه.
الشيخ: بيض النعام إذا كان فاسدًا يبقى أواني لأنه كبير وقوي صلب فإذا قدرنا أن الرجل شق البيضة واستخرج ما فيها فإذا هو فاسد فهنا يكون للقشر قيمة فيرده ويرد أرش كسره فإن لم يكن لكسره أرش فإنه يرده بدون أرش.
[ ٤ / ٣٥٧ ]
القارئ: واختار القاضي أنه إن كان الكسر لا يزيد على ما حصل به استعلام المبيع رده ولا شيء عليه لأن ذلك حصل ضرورة استعلام المبيع والبائع سلطه عليه فلم يمنع الرد كحلب لبن المصراة وإن زاد على ذلك.
الشيخ: قول القاضي الصحيح يعني إذا كسر على قدر ما يعلم ما في جوفه هل هو فاسد أو غير فاسد فليس عليه أرش وذلك لأن البائع سلطه عليه ومعلوم أنه لا يمكنه الوصول إلى معرفة ما في بطنه إلا بهذا الكسر فلا شيء له.
القارئ: وإن زاد على ذلك خرج فيه روايتان كسائر المعيب الذي يعيب عنده.
فصل
القارئ: وإن اشترى ثوبًا لا ينتقصه نشره فنشره فله رده بالعيب وإن كان ذلك ينقصه فهو كجوز الهند.
الشيخ: معنى (نشره) يعني فلَّه هذا الثوب خفيف جدًا إذا فلَّه ربما يتمزق ثم إذا فله وقد أعتيد عند بيعه أن يكون غير مفلول فإنه سينقص ويقال هذا الثوب مستعمل مثلًا أما إذا كان لا ينقصه فلا يضر.
القارئ: وإن صبغ الثوب ثم وجده معيبًا فله الأرش لا غير وعنه يرده ويكون شريكًا للبائع بقيمة الصبغ وعنه يرده ويأخذ زيادته بالصبغ والأول المذهب لأن إجبار البائع على بذل ثمن الصبغ إجبار على المعاوضة فلم يجز لقوله تعالى (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ).
السائل: ما معنى الآية؟
الشيخ: المعنى أن الله نهى أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم فهذا الرجل اشترى الثوب وصبغه إلى أحمر لأنه يريد أحمر أو أسود ثم وجد به عيبًا فهنا هل نقول ليس لك إلا الأرش لأنه تعذر الرد أو نقول لك الرد وتعطى قيمة الصبغ؟ هذا محل الخلاف فمنهم من يقول أنه لا يمكن أن يرده لأنه صبغه وتعذر الرد بدون الصبغ فله الأرش ومنهم من قال له أن يرده ويعطى قيمة الصبغ.
فصل
[ ٤ / ٣٥٨ ]
القارئ: وإذا اشترط البائع البراءة من كل عيب لم يبرأ لأن البراءة مرفق في البيع لا يثبت إلا بالشرط فلم يثبت مع الجهالة كالأجل وعنه يبرأ إلا أن يكون البائع علم بالبيع فكتمه لما روي أن ابن عمر باع عبدًا من زيد بن ثابت بشرط البراءة بثمانمائة درهم فأصاب به عيبا فأراد رده على ابن عمر فلم يقبل فترافعا إلى عثمان فقال عثمان لابن عمر أتحلف أنك لم تعلم بهذا العيب فقال لا فرده عليه وهذه القصة اشتهرت فلم تنكر فكانت إجماعا ويتخرج أن يبرأ مطلقا بناءً على قوله في صحة البراءة من المجهول ولأنه إسقاط حق من مجهول لا تسليم فيه فصح كالعتاق
[ ٤ / ٣٥٩ ]
الشيخ: هذه مسألة مهمة إذا اشترط البائع البراءة من كل عيب مثلًا قال بعتك هذا الكتاب وتبرئني من كل عيب فيه قال المشتري اشتريت فالمذهب لا يصح البراءة لأن العيب الآن مجهول فلم يعينه لم يقل فيه بياض أو فيه تشقق أو فيه تشطيب وعبث فهو مجهول فلا يبرأ مثل باع عليه السيارة بشرط أن يبرئه من كل عيب فأبرئه المشتري فلا يصح لأن ذلك مجهول والمشتري مخاطر أيضًا ومعلوم أن الثمن في هذه الحال سوف يكون بين ثمن السلعة سليمة وثمنها معيبة لأن كل واحد منهما مخاطر فإن تبين سلامتها صار الغانم المشتري وإن تبين عدم السلامة الغارم البائع وكل عقد يكون دائرًا بين غنم وغرم فإنه ميسر فلا يصح ولكن الرواية الثانية عن أحمد التي أختارها شيخ الإسلام ﵀ أنه إذا كان البائع غير عالم بالعيب صح الشرط وإن كان عالمًا لم يصح لأنه إذا كان غير عالم فهو معذور والحاجة تدعو إلى هذا كثيرًا قد تشتري السيارة أنت وبعد يوم أو ثلاثة تبيعها وأنت لم تدري ما فيها من العيوب فشرط البراءة من العيب في هذه الحال مصلحة لا شك مصلحة للجميع أما إذا كان البائع عالمًا ولكنه دلس على المشتري فإن هذا لا يبرأ حتى لو أبرئه المشتري من العيب فإن للمشتري حق الرجوع إذا علم بالعيب وهذا اختيار شيخ الإسلام ﵀ وهو المروي عن الصحابة فزيد بن ثابت اشترى من عبد الله بن عمر ﵄ اشترى منه عبدًا بثمانمائة درهم فوجد فيه زيد عيبًا فأراد رده إلى ابن عمر ولكنه لم يقبل اضطر إلى التحاكم إلى عثمان بن عفان ﵁ فعرض عثمان الحلف على ابن عمر ولكنه أبى أن يحلف تورعًا وإلا فنعلم من حال ابن عمر وورعه ﵁ أنه لو كان عالمًا بالعيب ما أبى أن يحلف لكن تورعًا منه أبى أن يحلف فرده عليه، قال المؤلف ﵀ (وهذه القصة اشتهرت فلم تنكر فكانت إجماعًا) وأما قوله (يتخرج أن يبرأ مطلقًا بناءً على قوله) أي الإمام أحمد (في صحة البراءة من المجهول)
[ ٤ / ٣٦٠ ]
هذا على القول الثاني عن الإمام أحمد في صحة البراءة من المجهول وهذا التخريج غير صحيح لأن البراءة من المجهول دين على شخص غير معلوم فإذا قال المدين للدائن أبرئني من الدين قال أنت بريء فقلنا للدائن هل تعلم قدر الدين؟ قال لا أعلم لكن حتى لو كان مائة ألف أو مائة ريال فأنا قد أبرئته فهذه المسألة ليس فيها معاوضة فالإبراء من الدين ليس فيه معاوضة وأما مسألة العيب في المبيع فهي معاوضة فالتخريج هنا غير صحيح فالإبراء من
المجهول جائز لأن الحاجة تدعو إليه وفيه خير في الواقع لأن المبرئ محسن والمبرأ محسن إليه ليس فيه معاوضة إطلاقًا فيقاس هذا على هذا ليس بصحيح.
القارئ: وإن قلنا بفساد الشرط فالبيع صحيح لأن ابن عمر باع بشرط البراءة فأجمعوا على صحته ويتخرج فساده بناءً على الشروط الفاسدة.
الشيخ: لكن الصحيح أن البيع صحيح لكنه لا يبرأ من العيب وعلى المذهب يقولون لو تم البيع ثم قال البائع يا فلان أنا أخشى أن تجد فيه عيبًا فأبرئني فقال أبرئتك من العيوب فإن هذا صحيح وذلك لأنه أبرئه بعد تمام العقد فكأنه إبراء من دين بمعنى أنه بعد أن تمت المعاوضة أبرئه فكأنه إبراء من دين ولكن القول الراجح ما أنه متى كان البائع عالمًا بالعيب فإنه لا يبرأ منه سواء أبرئه قبل العقد أو مع العقد أو بعد العقد.
باب بيع