القارئ: باب الشروط في البيع.
الشيخ: يجب أن نعلم أن لدينا شروط شيء وشروطًا في شيء فما هو الفرق؟ الفرق من وجهين الأول شروط الشيء تتوقف عليه صحته والشروط في الشيء يتوقف عليه لزومه فيمن شرط له ذلك الشيء فقولنا شروط الشيء تتوقف عليه صحته مثلًا نقول شروط البيع ثمانية إذا فُقد واحد منها لم يصح البيع أما الشروط في البيع لا تتوقف عليه صحته فلو اشترط المشتري في العبد أن يكون كاتبًا فهل نقول إذا تبين أنه غير كاتب فالعقد باطل؟ الجواب لا لكن يتوقف عليه لزومه فيمن شرط له فنقول لمن شرط له أن العبد كاتب الخيار له إن شاء أمضى البيع وإن شاء رده لعدم الوفاء بالشرط والفرق الثاني شروط الشيء موضوعة من قبل الشرع والشروط في الشيء موضوعة من قِبِلِ المتعاملين ببيع أو إجارة أو غير ذلك فهذا هو الفرق ويمكن أن نزيد فرقًا ثالثاُ فنقول شروط الشيء شروط ثابتة شرعًا سواء اشترطت أم لم تشترط
وأما الشروط في الشيء بعضها ثابت إذا كانت مما يحل شرطه وبعضها محرم لاغي إذا كانت مما لا يحل شرطه فهذه ثلاثة فروق بين شرط الشيء والشرط في الشيء فالشروط في البيع في هذا الباب الذي معنا هي التي وضعها المتعاقدان.
القارئ: وهي على أربعة أضرب أحدها ما هو من مقتضى البيع كالتسليم والرد بالعيب فهذا لا أثر له لأنه بيان وتأكيد لمقتضى العقد.
الشيخ: مثاله باع عليه بيتًا وقال بشرط أنك تسلمني البيت وأسلمك الثمن فحكم هذا الشرط لا أثر له سواء شرط أم لم يشرط لأن هذا هو مقتضى العقد، مثال آخر باعه البيت وقال المشتري بشرط أني أتصرف فيه كما شئت ببيع أو هبة أو صدقة أو وقف أو غير ذلك فهذا لا حاجة له لأنه ثابت بمقتضى العقد.
القارئ: الثاني ما هو من مصلحته كالخيار والأجل والرهن والضمين فهذا شرط صحيح لازم ورد الشرع به نذكره في مواضعه.
[ ٤ / ٢٣١ ]
الشيخ: هذا الشرط من مصلحة العقد كالخيار والخيار هنا يعني خيار الشرط مثل أن يبيعه دارًا ويقول لي الخيار لمدة شهر فهذا من مصلحة العقد وأما الأجل فبأن يقول اشتريت منك هذا البيت بشرط أن تؤجل الثمن لمدة كذا وكذا وأما الرهن فواضح بأن تقول بعته عليك بكذا بشرط أن ترهنني كذا وكذا أما الضمين فهو أن تأتي له بضامن.
القارئ: الثالث شرط ينافي مقتضى العقد وهو نوعان أحدهما ما لم يبن على التغليب والسراية كشرط ألا يملك ولا يتصرف ولا يسلم أولا يعتق أو إن أعتق فالولاء له أو متى نفق المبيع وإلا رده أو إن خسر فيه فعلى البائع فهذا شرط باطل لقول النبي ﷺ لعائشة لما أرادت شراء بريرة فاشترط أهلها ولاءها (اشتريها فأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق ثم قال من أشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط) متفق عليه وهل يفسد البيع به فيه روايتان إحداهما لا يفسد لحديث بريرة والثانية يفسد لأنه إذا فسد الشرط وجب رد ما في مقابلته من الثمن وذلك مجهول فيصير الثمن مجهولا.
الشيخ: والصواب ما دل عليه الحديث أن الشرط فاسد والعقد صحيح فإذا أشترط البائع الذي باع العبد أن ولائه له أي للبائع فالعقد صحيح والشرط باطل والدليل على ذلك حديث بريرة أن أم المؤمنين عائشة ﵂ اشترتها وأشترط أهلها أن يكون الولاء لهم فأبطل النبي ﷺ هذا الشرط ولم يبطل البيع ومثله إذا شرط ألا يملك فقال بعتك هذا على ألا تملكه وألا تتصرف فيه وما أشبه ذلك وقوله (لا يسلم) يعني لا يبيعه سلمًا قوله (أو لا يعتق) يعني لا يعتق العبد.
[ ٤ / ٢٣٢ ]
القارئ: النوع الثاني أن يشتريه بشرط أن يعتقه ففيه روايتان إحداهما الشرط الفاسد لأنه ينافي مقتضى البيع فأشبه ما قبله والثانية يصح لأن عائشة اشترت بريرة لتعتقها فأجازه النبي ﷺ فعلى هذا إن امتنع المشتري من العتق أجبر عليه في أحد الوجهين لأنه عتق مُستَحَقٌ عليه فأجبر عليه كما لو نذر عتقه والثاني لا يجبر عليه لأن الشرط لا يوجب فعل المشروط كما لو شرط رهنًا أو ضمينًا لم يجبر ولكن يثبت للبائع خيار الفسخ كمشترط الرهن فإن مات العبد رجع البائع على المشتري بما نقصه شرط العتق وإن كان المبيع أمة فأحبلها أعتقها وأجزأه لأن الرق باق فيها.
الشيخ: إذا اشترط أن يعتقه ففيه روايتان إحداهما الشرط فاسد والثاني الشرط صحيح والصواب أن الشرط صحيح لأن البائع قد يكون له في ذلك غرض فإذا قال قائل إذا كان البائع قد اشترط على المشتري أن يعتقه فما فائدة المشتري؟ قلنا فائدته أن يكون الولاء له فإذا قال قائل ما فائدة البائع إذا باعه وأشترط على المشتري أن يعتقه؟ قلنا فائدته أنه يأخذ الثمن فربما يكون الرجل هذا ما يستطيع أن يعتق العبد وهو يرغب أن العبد يُعتق وهو ليس عنده مال فباعه وشرط أن يُعتق ومن المعلوم أنه إذا باعه وشرط أن يعتق فسوف ينقص الثمن كثيرًا لكن هو يقول يكفيني ما يحصل من الثمن فصار كلٌّ من البائع والمشتري في هذه المسألة له له غرض صحيح.
السائل: إذا امتنع المشتري من العتق فما الحكم؟
الشيخ: الصواب أنه إذا أمتنع عن العتق أجبر عليه فإن لم يفعل أعتقه القاضي.
القارئ: الرابع مالا ينافي مقتضى العقد ولا هو من مصلحته وهو نوعان أحدهما أن يشترط عقدًا آخر مثل أن يبيعه بشرط أن يبيعه عين أخرى أو يؤجره أو يسلفه أو يشتري منه أو يستسلف فهذا شرط فاسد يفسد العقد به لأن النبي ﷺ قال (لا يحل بيع وسلف ولا شرطان في بيع) قال الترمذي هذا حديث صحيح ونهى عن بيعتين في بيعة وهذا منه.
[ ٤ / ٢٣٣ ]
الشيخ: هذا الرابع مهم جدًا لابد أن نعرفه معرفة تامة وهو مالا ينافي مقتضى العقد ومعناه أن العقد يبقى على ما هو عليه والبائع ينتفع بالثمن والمشتري ينتفع بالسلعة ولا هو من مصلحته يعني من مصلحة العقد كالرهن والأجل وما سبق فهذا نوعان أحدهما أن يشترط عليه عقد آخر مثل أن يبيعه بشرط أن يبيعه عين أخرى قال أبيعك سيارتي بشرط أن تبيع عليَّ سيارتك يقول المؤلف إن هذا الشرط فاسد مفسد للعقد ولو قلنا أنه فاسد غير مفسد للعقد لصح البيع الأول ولم يلزم البيع الثاني يعني صح أن يبيع السيارة لكن لا
[ ٤ / ٢٣٤ ]
يلزمه المشتري أن يبيعه سيارته لكن المؤلف يقول لا يصح العقد لا الأول ولا الثاني والصحيح أن هذا الشرط جائز لأن فيه مصلحة وليس فيه مضرة والأصل في المعاملات فإذا قال أبيعك سيارتي بشرط أن تبيع لي سيارتك ليس هناك مانع فيكون المشتري لا يريد سيارته التي عنده والبائع كذلك لا يريد أن يتخلى عن السيارة لأنه لابد له من سيارة وكذلك أيضًا لو قال بعني بيتك بمائة ألف ريال فقال البائع أبيعك بيتي بمائة ألف ريال بشرط أن تؤجرني بيتك لمدة شهرين حتى أجد بيتًا أشتريه فهل يصح أو لا يصح؟ على كلام المؤلف لا يصح لأنه شرط عليه عقدًا آخر والصواب أنه صحيح لأنه ليس هناك مانع لا ظلم ولا غرر ولا ربا فكل شيء واضح وصريح وفيه مصلحة للمتقاعدين قوله (أو يسلفه) يعني يعطيه سلفًا أي سلمًا وهذا غير الاستسلاف لأن الاستسلاف هو القرض فمعنى يسلفه يعني يقول أنا ما عندي مانع أن أبيع عليك سيارتي لكن بشرط أن تعطيني سلمًا ألف ريال ثمن حب قمح أعطيك إياه بعد سنة لأجل أن يستفيد بائع السيارة من ثمن السيارة ومن الدراهم التي أُسلمت إليه والمثال بصورة أخرى جاءني رجل يقول بيع عليَّ سيارة فقلت ما في مانع أبيعها عليك لكن بشرط أن تسلفني يعني تسلم إليَّ عشرة آلاف ريال ثمن رز أعطيكه بعد سنة فعندنا الآن بيع وعندنا سلم فهل هذا يجوز أو لا؟ المؤلف يقول لا يجوز والصحيح أنه جائز لكن ما فائدة اشتراط بائع السيارة أن يسلم إليه المشتري ثمنًا لرز يسلمه له بعد سنة؟ الجواب فائدته أنه يستفيد من الثمن الذي قُدِّم إليه مع ثمن السيارة قوله (أو يشتري منه) مثاله جاء إليَّ شخص وقال أريد أن تبيعني الفيلا الشرقية قلت ما في مانع لكن بشرط أن تشتري مني الفيلا الغربية الغربية لأني أريد أن يكون الفيلتان سواء فقال ما في مانع فعقدنا البيع للشرقية بمائة ألف وللغربية بمائة ألف أوبأقل أو أكثر المؤلف يقول إن هذا لا يجوز والصحيح أنه جائز ولا بأس به وسواء عين لكل واحدة
[ ٤ / ٢٣٥ ]
منهما ثمنًا خاصًا أو اشترهما جميعًا بثمن واحد لا بأس قوله (أو يستلسف) يعني يستقرض وهذا هو الذي لا يجوز لماذا؟ لئلا يؤدي إلى سلف يجر نفعا والسلف الذي يجر نفعًا محرم ولهذا قال النبي ﵊ (لا يحل سلف وبيع) مثال ذلك طلب رجل من آخر أن يبيع عليه بيته فقال لا بأس بشرط أن تسلفني مائة ألف فسلفه فهنا المشتري سلفه سلفًا جر نفعًا لأن البائع سوف يراعي إقراضه وسوف يبيع عليه ما يساوي مائة بتسعين لكي يأخذ القرض فيكون المقرض الآن استفاد لأنه سيقرض البائع المائة ألف ولكنه نزل له من ثمن البيت ما يكون منفعة له فلهذا إذا اجتمع بيع وسلف بالشرط فهذا لا يجوز أما بدون شرط فلا بأس قوله (فهذا شرط فاسد يفسد العقد به لأن النبي ﷺ قال لا يحل سلف وبيع) معلوم أنه إذا قال الرسول لا يحل سلف وبيع فلا يمكن لأحد أن يقول إن ذلك حلال أبدًا لكن وقوله ﷺ (ولا شرطان في بيع) بعض العلماء يقول كل بيع تضمن شرطين فهو فاسد سواء كان الشرطان من مقتضى العقد أو مصلحة العقد أو لا يتعلق بمقتضاه ولا مصلحته لا شرطان في بيع وشرطان نكرة في سياق النفي فتعم وبعضهم يقول إن كلام الرسول ﵊ المطلق يجب أن يحمل على المقيد فيحمل قوله (ولا شرطان) على شرطين إذا اجتمعا صار باجتماعهما محظور شرعي وإذا
[ ٤ / ٢٣٦ ]
انفردا لم يكن في ذلك محظور شرعي وأما مجرد الشرطين فهذا بعيد أن يكون الرسول ﵊ أراده مثال ذلك رجل باع على شخص بيتًا وشرط المشتري على البائع أن يزين هذه الحجرة يعني يجعل فيها ديكورًا وأن يفتح بابًا للحجرة الثانية فهذان شرطان فهل نقول هذا حرام؟ لا أحد يقول إن هذا حرام وكذلك كما ذكرنا أن الراجح أنه إذا شرط عليه أن يبيع عليه بيتًا آخر أو حاجة أخرى فإن ذلك لا يضر وعلى هذا فنقول إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أراد بقوله (شرطان في بيع) كل شرطين إذا اجتمعا حصل باجتماعهما محظور وإذا انفردا لم يحصل بواحد منهما محظور قوله (ونهى عن بيعتين في بيعة وهذا منه) الرسول ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة لكن من قال إن هذا منه؟ لأن العلماء مختلفون فمنهم من قال إن (بيعتان في بيعة) أن يقول خذ هذا الكتاب بعشرة نقدًا أو بعشرين نسيئة ومنهم من قال إن (بيعتان في بيعة) أن يقول بعتك هذا الكتاب بشرط أن تبيعني كتابك ومادام أن العلماء لم يتفقوا على تفسير الحديث فإنه يجب أن يطبق الحديث على ما تدل عليه السنة والسنة دلت على أن البيعتين في بيعة هي مسألة العينة تمامًا حيث قال النبي ﷺ (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا) وصورتها أن يبيع شيئًا بثمن مؤجل مثل أن يبيع سيارته على شخص قال هذه السيارة بعتها عليك بعشرة آلاف لمدة سنة فالثمن الآن مؤجل فأخذها المشتري ثم عاد البيع إليه وقال بعنيها بثمانين نقدًا فباعها فهاتان بيعتان في بيعة البيعة الأولى والبيعة الثانية ولهذا قال الرسول (فله أوكسوهما أو الربا) إن أخذ البائع بالبيعة الأولى فقد رابا لأن حقيقة الأمر أنه أخذ مائة بثمانين وإن أخذ بالبيعة الثانية أخذ بأوكسهما أي بأنقصهما ومعلوم أننا إذا وجدنا من كلام النبي ﵊ ما يفسر كلامه المجمل فإن الواجب الأخذ به وهذا الذي قلته هو الذي فسره به شيخ الإسلام
[ ٤ / ٢٣٧ ]
ابن تيمية ﵀ وهو واضح لا غبار عليه وإنما كانت البيعتان في بيعة على الوجه الذي ذكرت محرمتين لأنها حيلة على ربا النسيئة والفضل بإدخال سلعة بينهما غير مقصودة فهو إما حيلة وإما ذريعة ولهذا سمى ابن عباس ﵄ هذه البيعة سماها (دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة) يعني قطعة من القماش.
القارئ: الثاني أن يشترط المشتري منفعة البائع في المبيع فيصح إذا كانت معلومة مثل أن يشتري ثوبًا ويشترط على بائعه خياطته قميصا أو فِلعة ويشترط حذوها نعلا.
الشيخ: فلعة معطوفة على قوله (ثوبًا) لا على قوله (قميصًا).
القارئ: أو حطبًا ويشترط حمله لأن محمد بن مسلمة اشترى من نبطي جرزة حطب واشترط عليه حملها وأشتهر ذلك فلم ينكر ولأنه بيع وإجارة فصح كما لو باعه عبده وأجره داره في عقد واحد وقال الخرقي إن شرط مشتري الرطبة جزها على بائعها بطل العقد فيحتمل أن يخص قوله بهذه الصورة وشبهها لإفضائه إلى التنازع فإن البائع يريد قطعها من أعلاها لتبقى له
منها بقية والمشتري يريد الاستقصاء عليها ويحتمل أن يعدى حكمها إلى كل عقد شرط فيه منفعة البائع لأنه شرط عقدًا في عقد فأشبه ما قبله.
[ ٤ / ٢٣٨ ]
الشيخ: هذه المسألة هي أن يشترط المشتري على البائع نفعًا في المبيع مثل أشترى منه قطعة قماش وقال اشتريتها منك بعشرة بشرط أن تخيطها ثوبا أو قطعة جلد وقال بشرط أن تخرزها نعلًا فالآن أشترط المشتري على البائع نفعًا وهو في الأول خياطة الثوب وفي الثاني خرز الجلد والمنفعة الآن في المبيع يقول المؤلف إن هذا جائز لكن الشرط منفعة البائع في المبيع أما إن شرط منفعة البائع في غير المبيع مثل لو قال اشتريت منك هذا الثوب بشرط أن تخرز لي هذا النعل هل يجوز أو لا الجواب لا يجوز لأن هذه هي المسألة الأولى وهي بيع وإجارة أما المسألة التي ذكرنا فهي شرط في منفعة في المبيع فقوله (أن يشترط منفعة البائع في المبيع) يعني أن يشترط على البائع منفعة في المبيع والمشترط هو المشتري مثال ذلك أشترى منه قطعة قماش وقال اشتريتها منك بعشرة بشرط أن تخيطها لي قميصًا فوافق فالآن الشرط شرط منفعة أي منفعة البائع يعني أن المشتري اشترط أن ينتفع من البائع فهنا منفعة البائع من باب إضافة المنفعة إلى الفاعل لكن على أنه مطالب بها فصورة المسألة مرة أخرى اشترط المشتري على البائع نفعًا يكون في نفس المبيع والمثال اشترى قطعة قماش بخمسين ريال قال بشرط أن تخطيها لي قميصًا ويذكر المنفعة فهل يجوز أو لايجوز؟ الجواب يجوز لأن هذه منفعة في المبيع كما لو أشترط على البائع أن يكون حسن الخط إذا باعه عبدًا مثلًا أو ما أشبه ذلك لأن هذه منفعة في المبيع وأما لو أن المشتري أشترط على البائع نفعًا في غير المبيع فهذا ينبني على الخلاف في المسألة الأولى في النوع الرابع وهي أن يشترط عقد آخر فإذا لم يكن هناك محظور شرعي فهذا جائز لكن على المذهب ليس بجائز مثال ذلك اشتريت ثوبًا من بائع وقلت له اشتريته منك بمائة بشرط أن تُرقِّع لي ثوبي الثاني فعلى كلام المؤلف الآن لا يجوز لأن المنفعة في غير المبيع فكأنه جمع بين بيع وإجارة يعني جمع بين عقدين في عقد فلا يصح وأهم
[ ٤ / ٢٣٩ ]
شيء أن نعرف القاعدة الآن إذا أشترط المشتري على البائع نفعًا في المبيع فما الحكم؟ جائز وإن أشترط المشتري على البائع نفعًا في غير البيع فهو على المذهب ليس بجائز لأنه بيع وإجارة وعلى القول الذي صححناه في النوع الرابع يصح مادامت الإجارة معلومة ومفهومة فإنه لا بأس أما الخرقي ﵀ فيقول (إن شرط مشتري الرطبة جزئها على بائعها بطل العقد) والرطبة هي البرسيم وعلى لغتنا وهي لغة عربية القت فإذا اشترى قتًا واشترط على البائع أن يحصده أي يجزه البائع يقول الخرقي (هذا لا يصح) فيحتمل أنه أراد هذه الصورة ويحتمل أنه أراد العموم وهذه الصورة وجه عدم صحتها قال (فأن البائع يريد أن يقطعها من أعلاها) لأنه يستفيد بجزها من أعلاها فائدتين بقاء الأصول وسهولة الجز لأن قطف أعلاها أسهل وأما المشتري فيريد أن تجز من أسلفها لأنه أكثر لها فيحتمل أن الخرقي ﵀ قال إن هذه الصورة لا تصح لأنها تؤدي إلى التنازع فالبائع يقول نجز من فوق والمشتري يقول من تحت فيحصل نزاع ويحتمل أنه أراد أنه لا يصح مطلقًا فيكون الخرقي ﵀ بذلك مخالفًا للمذهب في هذه المسألة.
القارئ: وقال القاضي لم أجد بما قال الخرقي رواية في المذهب والمذهب جوازه فإن شرط شرطين مثل إن شرط خياطة الثوب وقصارته وفي الحطب حمله وتكسيره أو اشترط منفعة البائع واشترط البائع منفعة المبيع مدة معلومة فسد العقد لقول النبي ﷺ (لا شرطان في بيع) وإن شرط منفعة مجهولة لم يصح لإفضائه إلى التنازع.
[ ٤ / ٢٤٠ ]
الشيخ: يقول ﵀ (إن شرط شرطين مثل إن شرط خياطة الثوب وقاصرته) يعني تنظيفه حتى يكون أبيض فإنه لا يجوز لأنه جمع بين شرطين وأستدل له المؤلف بالحديث أن النبي ﷺ قال (لا شرطان في بيع) عطفًا على قوله (لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع) والصواب أنه يصح أن يشترط شرطين في منفعة المبيع كأن يشترط عليه حمل الحطب وتكسيره وكذلك خياطة الثوب وتقصيره وقوله (أو اشترط منفعة البائع) يعني في غير مبيع لأن في المبيع سبق أنه جائز إذا شرط منفعة البائع في المبيع قوله (واشترط البائع منفعة المبيع) معناه أن المشتري اشترط نفع البائع في غير المبيع والبائع اشترط منفعة المبيع فإنه لا يصح أو نقول اشترط منفعة البائع مطلقا واشترط البائع منفعة المبيع فيكون شرطان لكن من كل واحد (اشترط منفعة البائع) يعني أن المشتري قال أشترط عليك كذا وكذا منفعة أو أن البائع اشترط منفعة المبيع ومثاله باع بيتًا على شخص فقال المشتري للبائع بشرط أن تُركِّب الأبواب وقال البائع للمشتري وبشرط أن أسكنه سنة فهنا عندنا شرطان شرط من البائع على المشتري وشرط من المشتري على البائع فعلى ما قال المؤلف نقول هذا لا يحل وإن كان هذان الشرطان بالنسبة لكل واحد شرطًا واحد لكنهما شرطان في عقد أحدهما للبائع والثاني للمشتري وسبق أن الصواب أن قوله (لا شرطان في بيع) المراد الشرطان اللذان يتضمنان محظورًا شرعيًا (١)
_________________
(١) ثم بعد الشرح قرئت على الشيخ حاشية على الفصل الذي شرحه من المخطوطة وهذا نصها ..
[ ٤ / ٢٤١ ]
قال الزركشي حمل القاضي مجرد الشرطين على الإطلاق أي سواء كانا صحيحين أو فاسدين كان شرط ألا يبيع ولا يهب في مصلحة العقد كالرهن والضمين أو في غير مصلحته كأن يشتري منه حزمة حطب ويشترط عليه حملها أو تكسيرها زاعمًا أن هذا ظاهر كلام أحمد ومستدل بإطلاق الحديث وكذلك قال ابن عقيل في التذكرة معللًا بأن اشتراط الشرطين مفضي إلى اشتراط الثلاثة ومالا نهاية له وعن أحمد أنه فسرها بشرطين صحيحين ليسا من مصلحة العقد ونحو هذا فسر القاضي في شرحه وأختاره أبو محمد وأبو البركات وصاحب التلخيص وزعم أبو محمد أن ما كان من مقتضاه كاشتراط تسليم المبيع أو حلول الثمن لا يؤثر فيه بلا خلاف وعن أحمد أنه فسرهما بشرطين فاسدين وأستشكل بأن الواحد يؤثر في العقد فلا حاجة إلى التعدد وليس بشيء لأن الواحد في تأثيره خلاف أما الشرطان فلا خلاف في تأثيرهما والله أعلم).
الشيخ: الصحيح هذا أن المراد بالشرطين المحرمين هما اللذان يتضمنان محظورًا شرعيًا سواء كانا فاسدين باجتماعهما وإذا أنفرد أحدهما لم يفسدا أو كانا من الأصل فاسدين.
فصل
القارئ: فإن شرط في البيع أنه باعه فهو أحق به بالثمن ففيه روايتان إحداهما لا يصح لأنه شرطان في بيع لأنه شرط أن يبيعه إياه وأن يعطيه إياه بالثمن ولأنه شرط ينافي مقتضى العقد لأنه شرط ألا يبيعه لغيره والثانية يصح لأنه يروى عن ابن مسعود أنه اشترى أمة بهذا الشرط وإن قلنا بفساده فهل يفسد به البيع فيه روايتان.
[ ٤ / ٢٤٢ ]
الشيخ: هذه المسألة باع عليه شيئًا وقال أشترط عليك أنك إن بعته فأنا أحق به بالثمن فهذا له صورتان الصورة الأولى أن يقول إن بعته فأنا أحق به لثمن يعني الذي تم عليه العقد بيني وبينك وهذا لا يجوز لأنه يؤدي إلى النزاع إذ قد تزيد السلعة وقد تنقص أما إذا قال بالثمن الذي يتم عليه في ذلك الوقت فالصحيح أن هذا جائز ولا بأس به لأن البائع قد يكون له غرض مقصود ولنفرض أن المبيع عبد وخاف البائع أنه إذا باعه المشتري على غيره أساء معاملته فقال إن بعته فأنا أحق به بالثمن فهذا لا شك أنه غرض مقصود ولا ضرر فيه على المشتري لأنه سوف يدفع إليه الثمن الذي يستقر عليه في ذلك الوقت فالصواب أن هذا جائز أنه يجوز للبائع أن يقول إن بعته فأنا أحق به بالثمن وكذلك أيضًا من الغرض المقصود إذا باع عليه دارًا وكان محتاجًا إلى ثمنها في ذلك الوقت ثم قال للمشتري إن بعتها فأنا أحق بها بالثمن فلا بأس بها.
فصل
القارئ: وكل موضع فسد العقد لم يحصل به ملك وإن قبض.
الشيخ: قوله (كل موضع فسد العقد لم يحصل به الملك) المعنى كل موضع فسد فيه العقد يعني صار فاسدًا فإنه لم يحصل به ملك وإن قبض يعني جميع العقود الفاسدة لا يحصل بها الملك.
القارئ: وكل موضع فسد العقد لم يحصل به الملك وإن قبض لأنه مقبوض بعقد فاسد فأشبه ما لو كان الثمن ميتة ولا ينفذ تصرف المشتري فيه وعليه رده بنمائه المنفصل والمتصل وأجرة مثله مدة مقامه في يده ويضمنه إن تلف أو نقص بما يضمن به المغصوب لأنه ملك غيره حصل في يده بغير إذن الشرع أشبه المغصوب ولا حد عليه إن وطئ للشبهة وعليه مهر مثلها وأرش بكارتها إن كانت بكرا والولد حر لأنه من وطئ شبهة ويحلق نسبه به لذلك ولا تصير به
الجارية أم ولد لأنها ولدت في غير ملك وإن حكمنا بفساد الشرط وحده فقال القاضي يرجع المشترط بما نقص لأنه إنما سمح به لأجل الشرط فإذا لم يحصل رجع بما سمح به.
[ ٤ / ٢٤٣ ]
الشيخ: هذه المسألة مسألة مهمة عظيمة كل موضع فسد به العقد لم يحصل به ملك لا بالنسبة للسلعة ولا بالنسبة للثمن ويعامل معاملة الغاصب مثلًا باع عليه سيارة بعد نداء الجمعة الثاني وهو ممن تلزمه الجمعة حكم العقد فاسد وصاحب السيارة أخذ السيارة وذهب بها وأستعملها فنقول في هذه الحال يجب عليه ضمان السيارة إن نقصت ويجب عليه أجرة مثلها وأن يردها إلى صاحبها مثال آخر عقد عقدًا بعد نداء الجمعة الثاني على شاة وأخذها وبقيت عنده شهرًا كسب منها لبنًا وكسب منها صوفًا وغير ذلك فنقول عليه ضمان اللبن لأنها ليست ملكه وضمان الصوف الذي أخذه لأنها ليست ملكه وإذا ماتت فعليه ضمانها وكذلك يقال في الثمن بالنسبة للبائع إذا أنتفع به والصواب أن حكم المقبوض بعقد فاسد كحكم المقبوض بعقد صحيح إلا أنه متى تبين الفساد وجب فسخ العقد وكل يرجع بما أُخذ منه فالبائع يرجع بالسلعة فيأخذ السلعة والمشتري يأخذ الثمن ولا يمكن أن يقاس على الغصب لأن الغصب أُخذ المغصوب من مالكه بغير رضاه وهذا أخذ برضاه ثم إن كل واحد منهما يعتقد أنه يتصرف في ملكه هو نفسه لا في ملك غيره بخلاف الغاصب فالصواب أن ما قبض بعقد فاسد كالمقبوض بعقد صحيح ولكن يفرق بينه وبين العقد الصحيح بأنه متى علم فساد العقد وجب إلغاء العقد ورجوع كل واحد منهم بماله.
السائل: قوله (وأرش بكارتها إن كانت بكرًا) ما معناه؟
الشيخ: مثاله لو كان المبيع جارية بكرًا فجامعها المشتري فإن البكارة ستزول فعليه أرش البكارة وأرش البكارة هو الفرق بين قيمتها بكرًا وقيمتها ثيبًا مع أنه إنما جامعها على أنها ملكه ومع ذلك يضمن أرش البكارة لبائعها وكذلك أيضًا عليه مهر مثلها والولد يكون حرًا بينما لو أخذنا بما قال إنها على ملك البائع لكان الولد رقيقًا لمالكها لكن يكون الولد حر ويعتق على من جامعها فيضمن قيمته لسيدها والصواب خلاف ذلك فالصواب أنه حر ولا ضمان فيه.
[ ٤ / ٢٤٤ ]
السائل: اشتراط البعض في الكتب نسخ الكتب ويضع عليها حقوق وكذلك الأشرطة فهل هذا الشرط ملزم للمشتري؟
الشيخ: إذا التزم به فنعم لأن في هذا يكون ضرر على المُصدِّر الأول إلا إذا علمنا أن المُصدِّر الأول محتكر بمعنى أنه قد كسب أكثر مما أنفق فحينئذ ليس له حق أن يحتفظ بحقوق الطبع ولكن إذا علمنا أن الرجل لو أنه فُتح الباب وطبعت هذه النسخ يتضرر فشرط ألا يطبعها فلا بأس.
السائل: المشتري لا يلتزم بشرط عدم النسخ للكتب أو الأشرطة؟
الشيخ: يجب عليه أن يلتزم.
فصل
القارئ: ولا يجوز البيع بعد النداء للجمعة قبل الصلاة لمن تجب عليه الجمعة لقول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْع) فإن باع لم يصح للنهي ويجوز ذلك لمن لا تجب عليه الجمعة لأن الخطاب بالسعي لم يتناوله فكذلك النهي والنداء الذي تعلق به السعي والنهي هو الثاني الذي يكون عند صعود الإمام المنبر لأنه الذي كان على عهد رسول الله ﷺ فتعلق الحكم به وإنما زاد الأول عثمان ﵁ وفي النكاح والإجارة وجهان.
[ ٤ / ٢٤٥ ]
الشيخ: البيع بعد نداء الجمعة الثاني لمن تلزمه الجمعة حرام لقوله تعالى (وَذَرُوا الْبَيْع) فإذا وقع صار باطلًا لأن تصحيحه مع النهي مضادة لله تبارك تعالى وعلى القاعدة المعرفة أن كل شيء منهي عنه يوصف بالصحة والفساد يقع فاسدًا وأما الذي لا يوصف بالصحة والفساد فتترتب عليه أحكامه مثل الظهار فالظهار منهي عنه لكنه لا يوصف بالصحة والفاسد أي لا يقال ظهار فاسد وظهار غير فاسد ولهذا تتعلق أحكامه عليه ولو كان حرامًا أما ما يكون صحيحًا وفاسدًا فما وقع على وجه النهي فإنه يكون فاسدا مثل الطلاق فالطلاق في الحيض يقع فاسد لأن من الطلاق ما هو صحيح ومنه ما هو فاسد بخلاف الظهار ومثله الإيلاء محرم ولكن ليس منه ما هو صحيح وفاسد ولهذا تترتب عليه أحكامه.
القارئ: ويجوز ذلك لمن لا تجب عليه الجمعة لأن الخطاب بالسعي لم يتناوله فكذلك النهي.
الشيخ: هذا صحيح من لا تجب عليه الجمعة كالمرأة والمريض ونحوهما يجوز لهما البيع والشراء بعد نداء الجمعة الثاني لكن مع طرف لا تجب عليه الجمعة فلو أن امرأة باعت على رجل تجب عليه الجمعة صار ذلك حرامًا وذلك لأن البيع لا يتم إلا بطرفين فإذا كان أحدهما حرامًا غلب جانب الحظر ولأننا لو أبحنا ذلك لكان من باب إباحة التعاون على الإثم والعدوان.
القارئ: والنداء الذي تعلق به السعي والنهي هو الثاني الذي يكون عند صعود الإمام المنبر لأنه الذي كان على عهد رسول الله ﷺ فتعلق الحكم به وإنما زاد الأول عثمان ﵁ وفي النكاح والإجارة وجهان أحدهما حكمهما حكم البيع لأنهما عقدا معاوضة والثاني يصحان لأنهما غير منصوص عليهما وليسا في معنى المنصوص عليه لأنهما لا يكثران فلا تؤدي إباحتهما إلى ترك الجمعة بخلاف البيع.
[ ٤ / ٢٤٦ ]
الشيخ: البيع عرفنا أنه لا يصح لأن الله نص عليه (فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْع) والإجارة هل تلحق بالبيع أو لا؟ فيها قولان للعلماء ذكر المؤلف أنهما وجهان والوجهان معناه قولان للأصحاب وليسا للإمام
أحمد فالإجارة شك أنها كالبيع تمامًا وذلك لأن الإجارة هي بيع المنافع فهي داخلة أما النكاح فقد يقول قائل أنه لا يدخل وذلك لندرته ولأنه ليس عقد معاوضة كما زعم المؤلف ﵀ فالنكاح ليس عقد معاوضة بدليل أنه يصح بدون ذكر العوض فلو تزوجت امرأة بدون ذكر المهر يجوز النكاح أما لو عقد عقد إجارة بدون ذكر الأجرة لا يصح ولو قال قائل كل ما شغل عن الحضور فهو محرم قياسًا على البيع لو قال قائل بهذا لكان هو القياس الصحيح أن نقول كل ما شغل عن الحضور فهو حرام حتى وإن كان جلوسًا بين الأصحاب بدون عقد وعلى هذا القول الذي اخترناه تحرم الإجارة ويحرم عقد النكاح ويحرم عقد المساقاة وعقد المزارعة وجميع العقود.
فصل
القارئ: ولا يحل التسعير لما روى أنس قال غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ فقالوا يا رسول الله قد غلا السعر فسعِّر لنا فقال (إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق إني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد يطلبني بمظلمة) قال الترمذي هذا حديث صحيح ولأنه ظلم للبائع بإجباره على بيع سلعته بغير حق أو منعه من بيعها بما يتفق عليه المتعاقدان وهو من أسباب الغلاء لأنه يقطع الجلب ويمنع الناس من البيع فيترفع السعر.
[ ٤ / ٢٤٧ ]
الشيخ: التسعير معناه أن يلزم ولي الأمر الباعة بأن يبيعوا بشيء محدد معين فهو حرام ودليل ذلك أن النبي ﷺ لما غلا السعر في عهده وطلبوا منه أن يسعر أبى وقال (إني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد يطلبني بمظلمة) يعني في دم ولا في مال وهذا إحياء بأن التسعير ظلم ولكن الصحيح أن التسعير له أسباب فإذا كان أسبابه منع الظلم فلا بأس به بل قد يجب وإذا كان أسبابه الظلم صار حرام فمثلًا إذا غلا السعر إما لكثرة المستهلكين وكثرة الناس وإما لقلة المحصول فهنا لا يحل أن نسعر فمثلًا إذا كان مائة كيلو من التمر تساوي مائة ريال في العادة لكن كثر الوافدون على البلد فإذا كثر الوافدون على البلد فلابد أن يزاد السعر لأنهم سوف يستهلكون أكثر فهنا لا يجوز أن نقول للناس لا تبيعوا بالسعر الأول لأن في ذلك ظلمًا عليهم وكذلك أيضًا لو أن الثمار نقصت وقل المحصول وغلا السعر لقلة الثمار فهنا لا يجوز أن سعر وهذا هو الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو أنه في ظلم أما إذا كان السبب هو الاحتكار وأن التجار احتكروا هذه السلعة وصاروا يلعبون بالناس إن شاءوا رفعوها وإن شاءوا خفضوها فهنا يجب على ولي الأمر أن يتدخل وأن يمنع من رفع السعر عن الربح المناسب وليس هذا من باب التسعير الذي هو الظلم بل هذا من باب تنظيم أحوال الخلق ولو فُتح الباب لهؤلاء المحتكرين للعبوا بالناس والدليل على هذا الآن أنك في المدن الكبيرة تأتي إلى صحاب الدكان فتقول بكم هذه الحاجة فيقول لك بمائة وتذهب إلى دكان آخر بجانبه فتسأله عن سعرها فيقول لك بخمسين فهذا يدل على التلاعب فإذا قال
[ ٤ / ٢٤٨ ]
قائل أنا آتي لأصحاب الدكاكين الفخمة الغالية الإيجار ويقول بمائة لكن آتي على الذين يعرضون سلعهم على الأسياب فيقول هذه بعشرين لأنه ما خسر شيئًا والأول خاسر نقول هنا يتدخل ولي الأمر ولا يُمكّن أحدًا من الناس أن يفسد على أهل الأسواق أسواقهم لأننا لو مكنَّا هذا من أن يعمل كما يشاء لأضررنا بالناس والإضرار العام لا يراعى فيه المصلحة الخاصة وقد ذكر ابن القيم ﵀ وقبله شيخ الإسلام ﵀ أن عمر ﵁ كان يطرد الذين ينزلون إلى السوق ويخفضون الأسعار وذلك لئلا يفسدوا على الناس تجارتهم لكن لو علمنا أن هؤلاء الناس محتكرون وأنهم يرفعون الأسعار كثيرًا أكثر من الربح المناسب فحينئذ نرغمهم على أن يبيعوا بالسعر المناسب ونعطيهم ربحًا مناسبًا وهذا القول الذي أختاره شيخ الإسلام ﵀ كما في السياسية الشرعية وغيرها وهو الذي لا تقوم مصالح الخلق إلا به ومن هذا الآن الأدوية فهي عندنا مسعرة لأنها لو تركت للصيادلة لقالوا الحبة التي تساوي خمسة بخمسين والمريض سوف يشتريها يريد العافية فيلعبون بالناس لكن من المصلحة أن تسعر وكذلك أيضًا الخبز مسعر لأن هذه الأشياء لابد أن تتدخل الحكومة فيها لمصلحة الخلق ولهذا عقد المؤلف الفصل الذي بعده أما قوله ﵀ (لأنه ظلم للبائع لإجباره على بيع سلعته بغير حق) نقول نحن ما أجبرناه على بيع سلعته بل نقول السعر المناسب كذا ولا نقول يلزمك أن تبيع بل إن شئت فبيع وإن شئت أبقها لكن من المعلوم إن التجار سوف يبيعون ويديرون تجارتهم ولا يعطلونها فنحن ما أجبرناه قوله (أو منعه من بيعها بما يتفق عليه المتعاقدان) نقول اتفاق المتعاقدين هل يدل على أن هذا هو السعر الحقيقي قد يجيء مسكين غرلا يدري فتقول له هذا مسجل طيب وماركته طيبة سوف نبيعه عليك بخمسمائة فلما ذهب إلى السوق قالوا هو بثلاثين ريال فنقول هذا قد يغتر به كثير من الناس فقوله (بما يتفق عليه المتعاقدان) هذا
[ ٤ / ٢٤٩ ]
ليس هو المقياس ومن ثم جاءت الشريعة بإثبات خيار الغبن لئلا يخدع أحد وقوله (وهو من أسباب الغلاء لأنه يقطع الجلب ويمنع الناس من البيع فيرتفع السعر) هذا فيه نظر لأن الجالب الذي عنده السلعة لابد أن يجلب على المدن ولا يمكن أن يبقى السلعة عنده إن كان زارعًا في مزرعته أو إن كان صاحب ماشية في ماشيته فلا يمكن هذا لأنه لابد أن يجلب ففي كلام المؤلف ﵀ نظر في هذه العلة الثالثة وقوله (يمنع الناس من البيع فيرتفع السعر) نقول له يرتفع السعر لأنه إذا جاء الدور الثاني الذي ذكره في الفصل الذي بعده ما امتنع الناس.
فصل
القارئ: والاحتكار محرم لما روى سعيد بن المسيب عن معمر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال (من احتكر فهو خاطيء) رواه مسلم وأبو داود والاحتكار المحرم ما جمع أربعة أوصاف أن يشتري قوتًا يضيق به على الناس في بلد فيه ضيق فأما الجالب فليس بمحتكر لقول رسول الله ﷺ (الجالب مرزوق والمحتكر ملعون) ولأنه لا ضرر على
الناس في جلبه ومن أستغل من أرضه شيئًا فهو كالجالب ولا يمنع من احتكار الزيت وما ليس بقوت لأن سعيد بن المسيب راوي الحديث كان يحتكر الزيت ومن اشترى في حال الرخص على وجه لا يضيق على أحد فليس بمحتكر لأنه لا ضرر فيه بل ربما كان نفعا.
[ ٤ / ٢٥٠ ]
الشيخ: يقول الاحتكار محرم ما جمع أربعة أوصاف أولًا (أن يشتري قوتًا) فالبائع ليس بمحتكر والذي عنده غلة فلم يبيعها ليس بمحتكر فلابد أن يشتري مثاله رجل غني مر على السوق وأشترى جميع ما فيه من الرز والرز قوت، الوصف الثاني يقول (قوتًا) بخلاف غيره فلو أن رجلًا من الأغنياء مر على السوق وأشترى جميع ما فيه من أجهزة التسجيلات فلا يدخل في هذا أو مر التاجر الغني على السوق وأشترى جميع ما فيه من البرتقال لا يدخل في هذا لأن البرتقال ليس بثوت الوصف الثالث يقول (يضيق به على الناس) فإن كان لا يضيق يعني أن الناس إن لم يقتاتوا هذا اقتاتوا الشيء الثاني فليس بمحتكر الوصف الرابع يقول (في بلد فيه ضيق) أما المدن والواسعة الكبيرة التي لا يمكن أن يضيق الإنسان فيها على الناس ولو أشترى كميات كبيرة فهذا ليس بمحتكر هكذا حد المؤلف ﵀ الاحتكار وفيه نظر والصواب أن الاحتكار أن يمتنع من بيع ما يحتاج الناس إليه وليس في البلد غيره يعني غير هذا المحتكر فهذا الاحتكار سواء اشترى أو كان عنده من مزرعته أو غير ذلك فالمهم أن يمنع بيع ما يحتاج الناس إليه وليس عند غيره مثله يعني ينفرد بذلك فهذا هو المحتكر وقد قال النبي ﵊ (من احتكر فهو خاطيء) فقال خاطيء ولم يقل مخطيء لأن من ارتكب الخطيئة عن عمد فهو خاطيء ومن أرتكبها عن غير عمد فهو مخطيء فهذا هو الفرق بينهما مثل قاسط ومقسط القاسط الجائر والمقسط العادل، والمؤلف قد أتى بعدة مفاهيم فقال (فأما الجالب فليس بمحتكر) هذا ضد قوله (أن يشتري) و(احتكار الزيت) ضد قوله قوتًا وكذلك أيضًا قوله (من اشترى في حال الرخص على وجه لا يضيق على أحد) ضد قوله (يضيق به على الناس) فليس بمحتكر وكذلك أيضًا قوله (في بلد يضيق فيه) داخل في هذا.
فصل
[ ٤ / ٢٥١ ]
القارئ: وبيع التلجئة وهو أن يخاف الرجل ظالمًا يأخذ ماله فيواطئ رجل يظهر بيعه إياه ليحتمي بذلك ولا يريدان بيعًا حقيقيا فلا يصح لأنهما ما قصداه وهو كبيع المكره.
الشيخ: بيع التلجئة كما قال المؤلف يعني البيع الملجأ إليه مثاله إنسان عنده سيارة فخاف من ظالم أن يأخذ السيارة فذهب إلى شخص له جاه وشرف ومكانة عند هذا الظالم وقال يا فلان أنا أخاف من فلان يأخذ سيارتي وأنا أريد أن أبيعها عليك تلجئة حتى إذا رأى أن السيارة لك أمتنع من أخذها واتفقا على ذلك فهل يجوز أو لا يجوز؟ الجواب يجوز لكن البيع ما يصح لأنهما لما يريداه ولم يختاراه وإنما قصد بذلك الفرار من الظلم يبقى النظر هو للملجأ جائز لكن هل هو للملجأ جائز أو لا؟ الجواب هو جائز بل قد يكون
واجبًا لأنه إذا علم أنه إذا وقع العقد عقد التلجئة سلم الإنسان من الظلم وجب عليه لأن دفع الظلم عن الإنسان واجب لكن إن عقداه تلجئة ثم ادعى الملجيء أنه بيع حقيقي وأدعى الملتجيء أنه بيع صوري فمن القول قوله؟ القول قول الملجأ أي الأول لأن الأصل في العقود أنها حقيقية لا صورية فلابد من إثبات أنه بيع تلجئة.
السائل: لوقال قائل أن الأسواق يحكمها قانون العرض والطلب ووجود التنافس بين التجار والتاجر يحب أن يبيع السلعة فلا يرد أصلًا أن التسعير يكون بسبب الظلم وأنه يمكن أن يتلاعب التجار بالأسعار لأن هذا التاجر وغيره يحب أن يبيع ووجود التنافس مع وجود العرض والطلب هو الذي سيحكم السوق فلا مجال للتسعير فكيف نرد عليه؟
[ ٤ / ٢٥٢ ]
الشيخ: نقول نرد عليه بأن المسألة فيها طرف من هذا وطرف من هذا فإذا قلنا بالتسعير لظلم الناس مثل أن يتفق التجار على الاحتكار كما قال المؤلف فإذا اشترى هؤلاء التجار هذه السلعة التي يحتاج الناس إليها ولا يوجد في السوق غيرهم فاشتروها ثم احتكروها وصاروا يبيعونها يكسبون فيها العشرة مائة لابد من التسعير عليهم فإذا قلنا بجواز التسعير أو بوجوبه في بعض الأحيان فإنه يجب على ولي الأمر أن يراقب الأسواق ساعة بساعة حتى إذا كثر الطلب رفع السعر وإذا قل خفض السعر لأنه مادام التزم أنه يقوم بالعدل فلابد من مراعاة الناس ساعة وساعة.
السائل: لكن ما كان الرسول يفعل ذلك؟
الشيخ: لأنه ما كان هناك ظلم كان الصحابة ﵃ يؤثر بعضهم أخاه على نفسه.