القارئ: ويسمى سلفًا وأجمع المسلمون على جوازه واستحبابه للمقرض.
الشيخ: القرض هو أن يعطي مالًا ويأخذ عوضه على سبيل الإحسان والإرفاق لا على سبيل المعاوضة وإنما هو إحسان وإرفاق وجوازه من محاسن الشريعة لأنه يحتاج إليه المستقرض وينتفع به المقرض فهو مصلحة محضة وليس كما زعم بعض الناس أنه على خلاف القياس بل هو على القياس وأعلم أنه لا يوجد شيء ثبت في الشريعة ويكون على خلاف القياس أبدًا بل كل ما في الشريعة فهو على وفق القياس ولا يخرج عن نظائره إلا لسبب وأما قول المؤلف أجمع المسلمون على جوازه هذا باعتبار المستقرض يعني أجمعوا على أنه يجوز للإنسان أن يقول للشخص يا فلان أقرضني كذا لأن النبي ﷺ وهو أشرف البشر استقرض ولو كان في هذا دناءة أو سؤال للغير ما فعله الرسول ﵊ وأما بالنسبة للمقرض مستحب بالإجماع لدخوله في قوله تعالى (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) وهذا إحسان.
القارئ: وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ قال (ما من مسلم يقرض مسلمًا قرضًا مرتين إلا كان كصدقة مرة) رواه ابن ماجه.
الشيخ: لكن هذا الحديث ضعيف والضعيف لا يحتج به ويكفينا عنه ما ذكرناه من الآيات الكريمة (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).
القارئ: ويصح بلفظ القرض وبكل لفظ يؤدي معناه نحو أن يقول ملكتك هذا على أن ترد بدله فإن لم يذكر البدل فهو هبة وإذا اختلفا فالقول قول المملك لأن الظاهر معه لأن التمليك بغير عوض هبة.
الشيخ: قوله (نحو أن يقول ملكتك هذا على أن ترده بدله) نقول عندنا شيئان التمليك واشتراط الرد البدل فإن لم يذكر البدل فهو هبة فإذا اختلفا فالقول قول المُمَلَّك.
[ ٤ / ٤١٨ ]
القارئ: ويثبت الملك في القرض بالقبض لأنه عقد يقف التصرف فيه على القبض فوقف الملك عليه كالهبة ولا خيار فيه لأن المقرض دخل على بصيرة أن الحظ لغيره فهو كالواهب ويصح شرط الرهن فيه لأن النبي ﷺ (رهن درعه على شعير أخذه لأهله) متفق عليه.
الشيخ: يعني أنه لو قال المقرض لا أقرضك إلا برهن ففعل فلا بأس وأما استدلال المؤلف فهو استدلال يحتاج إلى نظر وهو أن الذي وقع من الرسول ﷺ كان بعقد البيع لكن يقال القياس ظاهر فيه لأن النبي ﷺ لما أخذه بعقد البيع ثبت في ذمته الثمن والمقترض أيضًا يثبت في ذمته الثمن فيقال إذا صح الرهن في الدين الثابت في الذمة بالبيع فليكن كذلك في الدين الثابت بالذمة في
القرض فإن قال قائل لو أشترط المقرض الرهن وقال لا أقرضك حتى ترهنني بيتك ففعل فهل يصح القرض؟ نعم يصح ولا تتوهم أن هذا قرضًا جر نفعًا لأن المقرض لم ينتفع بشيء غاية ما هنالك أنه وثق ماله بالرهن وإذا أوفى المقترض فإنه سيوفيه ما أقرضه بدون زيادة وبهذا التقرير يندفع ما ظنه بعض الناس فيما يسمونه بالجمعية والجمعية أن يقوم مجموعة من الموظفين مثلًا ويتفقون على أنهم يقتطعون من رواتبهم جزءًا الأول منهم في الشهر الأول وللثاني في الشهر الثاني والثالث في الشهر الثالث وهلم جرا لكن بعض الناس يظن أن هذا قرض جرّ نفعًا فيقال أين النفع الذي جراه فهذا الرجل أقرض ألفًا ورد عليه ألف والقرض الممنوع هو الذي ينتفع به المقرض فقط أما إذا كان الانتفاع من الطرفين فلا بأس به ولهذا صرح بعض العلماء أنه لو قال أنا لا أقرضك حتى تكون مزارعًا في أرضي لأن المالك يريد أن تعمر الأرض فإذا قال ذلك واتفقا عليه فلا بأس مع أن المالك الآن أنتفع والمقترض أنتفع أيضًا وحينئذ خرج عن الربا لأن الربا إنما يكون فيه الزيادة لآخذ الربا فقط أما هنا فالانتفاع للجميع.
[ ٤ / ٤١٩ ]
القارئ: وإن شرط فيه الأجل لم يتأجل ووقع حالا لأن التأجيل في الحال عدة وتبرع فلا يلزم كتأجيل العارية.
الشيخ: الصواب في هذا أنه يتأجل فإذا استقرض منه وقال إلى مدة شهر أو سنة فإنه يتأجل ولا يجوز للمقرض أن يطالب به قبل الأجل ودليل ذلك قول الله ﵎ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ودليله من السنة أن النبي ﷺ (كل شرط ليس في كتاب فهو باطل) وهذا في كتاب الله لأنه لم يستحل حرامًا ولم يحرم حلالًا ودليل آخر أن النبي ﷺ قال (آية المنافق ثلاثة - ومنها - إذا وعد أخلف) فالصواب أنه إذا أؤجل يتأجل إلى الأجل الذي عيناه ولأننا لو قلنا بعدم صحة الشرط لكان يلزم عليه ضرر كبير على المستقرض فإن الإنسان قد يستقرض مثلًا عشرة آلاف ليشتري بيتًا ويقول للمقرض أجله إلى سنة ثم إذا اشترى البيت قال التأجيل غير صحيح وأريدك أن تعطيني مالي الآن فيلزم من هذا ضرر كبير والضرر منفي شرعًا وعلى هذا فالصواب أنه يلزم بالتأجيل وأما قياسه على العارية فنحن نمنع الأصل وإذا منعنا الأصل منعنا الفرع فنقول العارية تتأجل بالتأجيل أيضًا فلو جاء شخص لإنسان وقال أعرني هذا الإناء ثلاثة أيام لأنه سيأتيني ضيوف فيقول نعم خذه ثلاثة أيام ثم بعد ساعة أو ساعتين قال له هات العارية فهذا لا يجوز فالصواب أن العارية تتأجل والقرض يتأجل إذا أشترطه الطرفان لعموم الأدلة ولا دليل على المنع.
القارئ: وإن أقرضه تفاريق ثم طالبه به جملة لزم المقترض ذلك لما قلناه فإن أراد المقرض الرجوع في عين ماله وبذل المقترض مثله فالقول قول المقترض لأن الملك قد زال عن العين بعوض فأشبه البيع اللازم وإن أراد المقترض رد عين المال لزم المقرض قبوله لأنه بصفة حقه فلزمه قبوله كما لو دفع إليه المثل.
فصل
[ ٤ / ٤٢٠ ]
القارئ: ويصح قرض كل ما يصح السلم فيه لأنه يملك بالبيع ويضبط بالصفة فصح قرضه كالمكيل إلا بني آدم فإن أحمد ﵁ كره قرضهم فيحتمل التحريم أختاره القاضي لأنه لم ينقل ولا هو من المرافق ولأنه يفضي إلى أن يقترض جارية يطأها ثم يردها ويحتمل الجواز لأن السلم فيهم صحيح فصح قرضهم كالبهائم.
الشيخ: القول يمنع قرض الآدمي أصح لما ذكره المؤلف مما يترتب عليه من المفاسد ومادام أن المؤلف قال في الفصل الذي قبله إذا رد عين ما أقترضه لزم المقرض قبوله فهنا ربما يقترض جارية ويستمتع بها قل في غير الوطئ فيستمتع بها بالتقبيل والمباشرة وغير ذلك وإذا صار في الصباح ردها عليه وقال هذا مالك وهذا شيء غريب فلو فتح الباب فما أكثر الذين يلجونه ويفسدون به فالصواب منع قرض بني آدم ويقال إذا كنت تريد أن تستقرضه فهناك طريق آخر وهو الشراء اشتري بثمن مؤجل ويكون ملكك
السائل: أذا طلب الشخص من تاجر أن يشتري له سيارة ويسجلها عليه دين بأكثر فما حكم هذا البيع؟
[ ٤ / ٤٢١ ]
الشيخ: صورة المسألة أن شخص يقول أنا أريد السيارة الفلانية من المعرض الفلاني فيقول التاجر نعم ثم يذهب التاجر ويشتريها من المعرض ثم يبيعها على هذا الشخص بدراهم مؤجلة زائدة عن الثمن فإن هذا تمامًا هو القرض بعينه لأن حقيقته أنه أقرضه الثمن بزيادة فلو اشتراها نقدًا بخمسين ألف مثلًا وباع على هذا الإنسان بستين ألف إلى سنة وهو لا يريد تملكها ولا طرأ على باله ذلك ولولا هذا الذي طلبها ما اشتراها فيكون هذا الشراء وسيلة إلى زيادة القرض الذي أعطاه ولهذا نحن نرى أن هذا أشد مما لو قال أعطني خمسين ألف بستين ألف إلى أجل فهذا أشد لأن هذا فيه حيلة وأعلم أن الحلية على المحرم تجعله أشد تحريمًا لأنه يتضمن الوقع في مآثمه ومضاره وزيادة الخديعة والخيانة ولهذا كان كفر المنافقين أعظم من الكفر الصريح قال أيوب السختياني ﵀ إنهم يخادعون الله كما يخادعون الصبيان لو أنهم أتوا الأمر على وجهه لكان أهون وصدق ﵀ لأن الذي يأتي الربا صريحًا على وجهه يعرف أنه عصى الله فيقع في قلبه الخجل من الله ﷿ ويحدث توبة لكن إذا كان يرى أن هذا العمل حلال وخديعة ماذا يكون؟ لا يتوب ويستمر في عمله ويرى أنه خرج من الحرام والعبرة في الأمور بمقاصدها لا بصورها ولهذا أخبر النبي ﵊ (أنه يأتي أناس يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها) وهي الخمر والآن الخمر تسمى بغير اسمها فيسميها المستحلون لها المشروبات الروحية وما أقدرها حتى تكون روحية نعم اللهم عافنا.
السائل: ما الحكم فيما لو اقترض الإنسان دينًا وهو يعلم أن دخله المادي لا يساعده على تسديد هذا الدين؟
[ ٤ / ٤٢٢ ]
الشيخ: هذا لا يجب نقول أنه حرام من جهة القرض لكن نقول كل إنسان يجعل على نفسه وهو غير قادر عليه فإنه إلى الإثم أقرب منه إلى السلامة ولهذا لم يأذن الرسول ﷺ للرجل الذي أراد أن يتزوج المرأة وليس عنده شيء والقصة معروفة فلم يقل له استقرض فدل هذا على أن الرسول لا يريد من الإنسان أن يشغل ذمته بالديون.
القارئ: فأما مالا يصح السلم فيه كالجواهر ففيه وجهان أحدهما لا يجوز ذكره أبو الخطاب لأن القرض يقتضي رد المثل وهذا لا مثل له والثاني يجوز قاله القاضي لأن مالا مثل له تجب قيمته والجواهر كغيرها في القيمة.
الشيخ: قول القاضي هو الصحيح أنه يجوز ثم إن أمكن أن يرد القرض على صفة ما أقترض فهذا الواجب وإن لم يمكن فالقيمة ولكن متى نقدر القيمة أنقدرها بوقت القرض أم وقت الوفاء؟ الظاهر بوقت القرض لأنه من حين أن دخلت ملك المقترض صارت ثابتة في ذمته قيمتها.
القارئ: ولا يجوز القرض إلا في معلوم القدر فإن أقرضه غضة لا يعلم وزنها أو مكيلًا لا يعلم كيله لم يجز لأن القرض يقتضي رد المثل وإذا لم يعلم لم يتمكن من القضاء.
الشيخ: هذا معلوم أنه لابد من معرفة القدر لأنه إذا لم يعرف القدر حصل النزاع والشقاق بين المقرض والمقترض.
فصل
[ ٤ / ٤٢٣ ]
القارئ: ويجب رد المثل في المثليات لأنه يجب مثله في الإتلاف ففي القرض أولى فإن أعوز المثل فعليه قيمته حين أعوز لأنها حينئذ ثبتت في الذمة وفي غير المثلي وجهان أحدهما يرد القيمة لأن ما أوجب المثل في المثلي أوجب القيمة في غيره كالإتلاف والثاني يرد المثل لما روى أبو رافع أن النبي ﷺ أستسلف من رجل بكرا فقدمت عليه إبل للصدقة فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بَكْرَهُ فرجع إليه أبو رافع فقال يا رسول الله لم أجد فيها إلا خيارًا رباعيًا فقال (اعطه إياه فإن من خير الناس أحسنهم قضاء) رواه مسلم ولأن ما يثبت في الذمة في السلم يثبت في القرض كالمثلي بخلاف الإتلاف فإنه عدوان فأوجب القيمة لأنه أحصر والقرض ثبت للفرق فهو أسهل فعلى هذا يعتبر مثله في الصفات تقريبا فإن قلنا يرد القيمة اعتبرت حين القرض لأنها حينئذ تجب.
الشيخ: الخلاصة أنه يرد المثل في المثليات فإن أعوز المثل بمعنى تعذر الوصول إليه فله القيمة وقت الإعواز يعني وقت التعذر ووجه ذلك أن المثل ثبت في ذمة المقترض إلى أن تعذر فتجب القيمة حين التعذر أما لو
أقترض غير مثلي فإن الواجب القيمة وتكون حين القرض لأنه من حين القرض انتقل ملك هذا المتقوم إلى المقترض فلزمته القيمة وقت القرض فالفرق أن المثلي إذا أعوز وجبت قيمته حين الإعواز والمتقوم تجب قيمته حين القرض والفرق بينهما أنه في المثلي ثبت المثل في ذمة المقترض إلى وقت الإعواز أما المتقوم فإنه من حين أقترض ثبتت القيمة.
السائل: ما معنى قوله (لأنه أحصر)؟
الشيخ: أحصر يعني أقرب إلى طلب المثل لأن المثل ربما تطول المدة فيقول هذا مثله أو يقول هذا غير المثل.
فصل
[ ٤ / ٤٢٤ ]
القارئ: ويجوز قرض الخبز ورد مثله عددًا بغير وزن في الشيء اليسير وعنه لا يجوز إلا بالوزن قياسًا على الموزونات ووجه الأول ما روت عائشة قالت قلت يا رسول الله إن الجيران يقترضون الخبز والخمير فيردون بزيادة ونقصان فقال (لا بأس إنما ذلك من مرافق الناس) وعن معاذ أنه سئل عن اقتراض الخبز والخمير فقال سبحان الله إنما هذا من مكارم الأخلاق فخذ الكبير واعط الصغير وخذ الصغير واعط الكبير خيركم أحسنكم قضاء سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك رواهما أبو بكر في الشافي.
الشيخ: يجوز اقتراض المطعوم فيقترض الخبز ويرد مثله ويقترض التمر ويرد مثله لكن هل يرد الخبز وزنًا أو يردها عددًا؟ نقول الأمر في هذا واسع لأنه من المرافق فإذا ردها عددًا فلا بأس وإن ردها وزنًا فلا بأس حسب ما يتفق المقرض والمقترض مثلًا الشابورة يجوز اقتراضها لكن هل تكون عدد أو وزنا؟ نقول إذا كانت متساوية فبالعدد وإلا فبالوزن.
فصل
القارئ: فإن أقرضه فلوسًا أو مكسرة فحرمها السلطان وتركت المعاملة بها فعليه قيمتها يوم أخذها نص عليه لأنه منع إنفاقها فأشبه تلف أجزائها فإن لم تترك المعاملة بها لكن رخصت فليس له إلا مثلها لأنها لم تتلف إنما تغير سعرها فأشبهت الحنطة إذا رخصت.
الشيخ: هذه المسألة فيما إذا أقرضه فلوسًا والفلوس مثل القروش المعدنية فهذه فلوس وقوله (أو مكسرة) يعني مجزئه لأن الدراهم والدنانير كانت تجزأ في الوقت السابق فإذا حرمها السلطان أي منع المعاملة بها فحينئذ سوف لا تساوي شيئًا فماذا يجب على المقترض؟ يقول المؤلف ﵀ (فعليه قيمتها يوم أخذها)
[ ٤ / ٤٢٥ ]
هكذا قال ﵀ وفي هذا نظر ظاهر بل يجب أن نقول عليه قيمتها حين حرمها السلطان كما قلنا فيما سبق في المثلي عليه قيمته وقت إعوازه فالصواب أن له القيمة حين حرمها السلطان لكن لو حرمها إلى بدل يعني جعل بدل الريال ريال فله البدل لأن هذا البدل هو قيمة ما حرم وقت التحريم فيلزمه البدل وعلى هذا فإذا أستقرض إنسان مائة ريال فضة ثم حرمها السلطان وحولها إلى أوراق وأراد أن يوفي فهل نقول كم قيمة الفضة أو يدفع بالورق؟ الجواب يدفع بالورق لأن الورق هو قيمتها وقت التحريم فهو الواجب لكن ماذا لو لم يمنع السلطان المعاملة بها ولكنها رخصت فماذا يصنع؟ يقول المؤلف أنه يعيدها بنفسها ولو رخصت وسبب ذلك يقول المؤلف (لأنها لم تتلف إنما تغير سعرها فأشبهت الحنطة إذا رخصت) لكن نقول هذا قياس مع الفارق لأنه إذا حرمت المعاملة بها لم تكن نقدًا الآن بل صارت كأنها سعلة من السلع كأنها ثوب أو كأنها إناء فالصواب أنه إذا حرمت المعاملة بها فله القيمة وقت المعاملة سواء رخصت أو زادت أو بقيت على سعرها.
السائل: إذا أصبحت العملة لا قيمة لها فما هو الحكم؟
الشيخ: هذا يكون مثل المثلي إذا تعذر يعني لو فرض أن نقد الدولة أوراق ثم حرمت المعاملة بها ولم ترد الدولة بدلها للناس أصبحت لا قيمة لها فتعتبر كالمثلي إذا أعوز أو سقطت الدولة وصار النقد لا يساوي شيئًا أو كانت حروب أهليه تنقص العملة فهذه ينظر ما قيمتها وقت إلغائها.
فصل
القارئ: ولا يجوز أن يشترط في القرض شرطًا يجر به نفعا.
الشيخ: قوله (ولا يجوز أن يشترط) أي المقرض (شرطًا يجر به نفعًا) أي لنفسه أي أن المقرض يشترط شرطًا على المقترض يعود بالنفع لنفسه فلا يجوز ذلك لأنه إذا فعل ذلك صار معاوضة ولم يكن إرفاقًا.
[ ٤ / ٤٢٦ ]
القارئ: مثل أن يشترط رد أجود منه أو أكثر أو أن يبيعه أو أن يشتري منه أو يؤجره أو يستأجر منه أو يهدي له أو يعمل له عملًا ونحوه (لأن النبي ﷺ نهى عن بيع وسلف) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.
وعن أبي ابن كعب وابن مسعود وابن عباس ﵃ أنهم نهوا عن قرض جر منفعة ولأنه عقد إرفاق وشرط ذلك يخرجه عن موضوعه.
الشيخ: إذا شرط منفعة له فواضح أنه أراد المعاوضة والمتاجرة والقرض عقد إرفاق ولهذا يجوز أن يقرضه دينار اليوم ولا يوفيه إلا بعده عشرة أيام ولو أنه باعه دينار على أن يرد بدله بعد عشرة أيام لكان البيع حرامًا.
القارئ: وإن شرط أن يوفيه في بلد آخر أو يكتب له به سفتجة إلى بلد في حمله إليه نفع لم يجز لذلك فإن لم يكن لحمله مؤنة فعنه الجواز لأن هذا ليس بزيادة قدر ولا صفة فلم يفسد به القرض كشرط الأجل وعنه في السفتجة مطلقًا روايتان لأنها مصلحة لهما جميعا وإن شرط رد دون ما أخذ لم يجز لأنه ينافي مقتضاه وهو رد المثل فأشبه شرط الزيادة ويحتمل إلا يبطل لأن نفع المقترض لا يمنع منه لأن القرض إنما شرع رفقًا به فأشبه شرط الأجل بخلاف الزيادة.
الشيخ: هذا الاحتمال هو الصحيح لأن المقترض لابد أن ينتفع وإلا فما فائدته في القرض أما السفتجة فتسمى في عرف الناس الحوالة مثل أن يكون شخص له مال في مكة وهو في المدينة فاقترض من شخص مالًا وأحاله به على ماله في مكة فهذا لا بأس به ويسمى سفتجة والصحيح أنه لا بأس بأخذ عمولة عليها لأن فيها مصلحة للطرفين فالمحيل يستفيد السلامة سلامة ماله الآخر يستفيد الأجرة.
القارئ: وكل موضع بطل الشرط فيه ففي القرض وجهان أحدهما يبطل لأنه قد روي (كل قرض جر منفعة فهو ربا) والثاني لا يبطل لأن القصد إرفاق المقترض فإذا بطل الشرط بقي الإرفاق بحاله.
[ ٤ / ٤٢٧ ]
الشيخ: هذا يعتبر ضابط وهو كل موضع بطل الشرط فيه ففي القرض وجهان والصواب أنه إن أخرجه عن موضعه وهو الإرفاق بطل وإن لم يخرجه فإنه لا يبطل ومعلوم أن المنفعة الخاصة بالمقرض تخرجه عن موضوعه لأن المقرض في هذه الحال لم يقرضه تقربًا إلى الله ولا إحسان إليه وإنما أقرضه للمصلحة المالية فيكون كالمعاوضة تمامًا.
فصل
القارئ: وإن وفى خيرًا منه في القدر أو الصفة من غير شرط ولا مواطأة جاز لحديث أبي رافع وإن كتب له به سفتجة أو قضاه في بلد آخر أو أهدى إليه هدية بعد الوفاء فلا بأس لذلك وقال ابن أبي موسى إن زاده مرة لم يجز أن يأخذ في المرة الثانية وجهًا واحدًا.
الشيخ: إن وفى خير منه فلا بأس يعني بأن أقترض منه صاعًا من البر رديئًا فأعطاه جيدًا أو أقترض جيدًا فأعطاه أجود فلا بأس وكذلك في القدر لو أقترض منه درهمين فأعطاه ثلاثة بدون شرط فلا بأس بذلك وقال بعض أهل العلم أنه لا تجوز الزيادة في القدر إلا بعد أن يوفيه ثم يعود إليه مرة ثانية ويعطيه ما شاء وعللوا ذلك بأن الهدية لا تجوز إلا بعد الوفاء فإذا قارنت الزيادة الوفاء فإنه حرام ولا شك أن الأولى بالمقرض إذا زاده في القدر أن يرده لئلا يكون ذلك سببًا للربا ومأخذ ابن أبي موسى ﵀ مأخذ جيد
أنه إذا زاده مرة لم يجز أن يأخذ منه في المرة الثانية لأنه إذا زاده مرة صار متشوفًا إلى الزيادة فإذا جاء يستقرض منه فهو متشوف إلى أن يزيده فيكون تشوفه إلى هذه الزيادة كالاشتراط.
القارئ: ولا يكره قرض المعروف بحسن القضاء.
الشيخ: المعنى أنه إذا كان هناك إنسان معروف بأنه رجل كريم يوفي أكثر وأحسن مما وجب عليه فلا يكره أن يقرضه ولذلك لم يكره قرض النبي ﵊ مع أنه أحسن الناس وفاءً.
[ ٤ / ٤٢٨ ]
القارئ: وذكر القاضي وجهًا في كراهته لأنه يطمع في حسن عادته والأول أصح لأن النبي ﷺ كان معروفًا بحسن القضاء فلم يكن قرضه مكروها ولأن خير الناس أحسنهم قضاء ففي كراهة قرضه تضييق على خير الناس وذوي المروآت.
الشيخ: التعليل الذي ذكره المؤلف جيد فالصواب أن من عرف بحسن القضاء والكرم فيه فإنه لا يكره إقراضه وإن كان الإنسان قد يتشوف إلى حسن القضاء والزيادة فيه لكن إذا قلنا بكراهة ذلك صار الرجل المعروف بالبخل الذي إن لم ينقصك لم يزدك يستحب إقراضه والثاني الرجل الكريم المعروف بحسن القضاء يكره إقراضه وهذه مشكلة.
فصل
القارئ: وإن أهدى له قبل الوفاء من غير عادة أو أستأجر منه بأكثر من الأجرة أو أجره شيئًا بأقل أو استعمله عملًا فهو خبيث إلا أن يحسبه من دينه لما روى الأثرم أن رجلًا كان له على سماك عشرون درهما فجعل يهدي إليه السمك ويقومه حتى بلغ ثلاثة عشر درهما فسأل ابن عباس فقال أعطيه سبعة دراهم.
الشيخ: السماك هنا يهدي للرجل من أجل أن يؤجل ولا يطالبه بالدين وقد يكون أهدى إليه من أجل أنه أسدى إليه معروفًا فصار يهدي إليه لكن يجب على المقرض في هذه الحال أن يقيد كل ما أهداه إليه المستقرض ثم يقومه وينزله من دينه.
القارئ: وروى ابن ماجه عن أنس قال قال رسول الله ﷺ (إذا أقرض أحدكم قرضًا فأهدي إليه أو حمله على الدابة فلا يركبها ولا يقبله إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك) فإن كان بينهما عادة بذلك قبل القرض أو كافأه فلا بأس لهذا الحديث.
الشيخ: قوله (كافأه) يقصد المقرض أي أن المستقرض أهدي إليه هدية وليس من عادته أن يهدي إليه فكافأه بأن أعطاه ما يقابلها مثل أن يهدي إليه ساعة تساوي عشرين فيكافأه بأن يهدي إليه قلمًا يساوي
[ ٤ / ٤٢٩ ]
عشرين وإلا فلا يأخذ ومن ذلك ما يوجد الآن بعض التلاميذ يهدي إلى الأستاذ هدية فالأفضل أن يردها الأستاذ مادام يدرسه وإن خاف أن ينكسر قلبه فليأخذها وليكافأه بدلًا عنها.
فصل
القارئ: فإن أفلس غريمه فأقرضه ليوفيه كل شهر شيئًا منه جاز لأنه إنما انتفع باستيفاء ما يستحق استيفاؤه.
الشيخ: هذه تقع مثلًا يكون الغريم أفلس فأقرض قرضًا يتجر به وكلَّما حصل من الربح جاء به إلى المقرض فلا بأس لأن هذا المقرض لم يستفيد زيادة بل هو أحسن إلى صاحبه وصاحبه أبرأ ذمته ومن هنا نعرف أن ما يسميه الناس الآن بالجمعية لا تدخل في القرض الذي جر نفعًا لأن جميع المقرضين ما انتفعوا بزيادة كل واحد منهم أقرض الآخر وسيوفيه بدون زيادة وصفتها أن يجتمع عشرة أو أكثر أو أقل ويخصموا من راتبهم شيئًا معينًا يعطونه واحدًا منهم ثم في الشهر الثاني يعطون آخر في الشهر الثالث يعطون ثالثًا فهذا لا بأس ولا حرج به إطلاقًا بل هو إحسان وقضاء حاجة لأن الإنسان ربما يحتاج في بعض الشهور أكثر من راتبه.
القارئ: ولو كان له طعام فأقرضه ما يشتريه به ويوفيه جاز لذلك.
الشيخ: هذا في الحقيقة نادر لأنه إذا كان سيقرضه ما يوفيه به فإنه يؤجله وينظره ولا حاجة أن يقرضه فإذا قال قائل ربما يحتاج الطعام الذي كان أقرضه من قبل؟ قلنا إذا احتاج الطعام الذي كان أقرضه من قبل يشتريه بنفسه.
القارئ: ولو أراد تنفيذ نفقة إلى عياله فأقرضها رجلًا ليوفيها لهم فلا بأس لأنه مصلحة لهما لا ضرر فيه ولا يرد الشرع بتحريم ذلك قال القاضي ويجوز قرض مال اليتيم للمصلحة مثل أن يقرضه في بلد ليوفيه في بلد آخر ليربح خطر الطريق وفي معنى هذا قرض الرجل فلاحه حبًا يزرعه في أرضه أو ثمنًا يشتري به بقرًا وغيرها لأنه مصلحة لهما وقال ابن أبي موسى هذا خبيث.
[ ٤ / ٤٣٠ ]
الشيخ: الصحيح أنه جائز لأنه مصلحة لهما فالزارع استفاد الزرع وصاحب الأرض استفاد زرع أرضه وهذا ما أشرنا إليه من قبل وقلنا إن القرض الذي يحرم هو الذي يجر نفعًا يختص به من المقرض أما إذا كان لهما جميعًا أو للمقترض وحده فلا بأس.
فصل
القارئ: وإذا قال المقرض إذا مِتُّ فأنت في حل فهي وصية صحيحة.
الشيخ: هي وصية صحيحة بشرط ألا تزيد على الثلث فإن زادت على الثلث وقفت على إجازة الورثة.
القارئ: وإن قال إن مِتَّ فأنت في حل لم يصح لأنه إبراء علق على شرط.
الشيخ: الصحيح أنه صحيح وأن الإبراء على شرط لا بأس به فلو كان لشخص دين في ذمة رجل وقال له إن فلعت كذا فقد أبرأتك فلا حرج وما المانع فهو شرط لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالًا ولا يوقع في ربا ولا في ظلم فالصواب أن الإبراء المعلق على شرط جائز وليس فيه بأس.
القارئ: وإن قال اقترض لي مائة ولك عشرة صح لأنها جعالة على ما بذله من جاهه.
الشيخ: هذا صحيح ولا مانع في ذلك.
القارئ: وإن قال تكفل عني بمائة ولك عشرة لم يجز لأنه يلزمه أداء ما كفل به فيصير له على المكفول فيصير بمنزلة من أقرضه مائة فيصير قرضًا جر نفعا.
الشيخ: إذا قال تكفل عني بمائة ولك عشرة فالذي قال هذا كان الدين الذي عليه مائة فكفله هذا الرجل ثم إن هذا الرجل طالبه الدائن بالوفاء لأن الكفيل يلزم بالوفاء عن مكفوله فإذا أوفاه فسيوفيه مائة ويأخذ من المكفول مائة وعشرة فيكون حينئذ قرضًا جرا نفعًا فلا يجوز.
القارئ: ولو أقرضه تسعين عددًا بمائة عددًا وزنهما واحد وكانت لا تتفق برؤوسهما فلا بأس به لأنه لا تفاوت بينهما في قيمة ولا وزن وإن كانت تتفق في موضع برؤوسهما ما لم يجز لأنها زيادة.
الشيخ: هذا ليس موجود عندنا الآن لأن التعامل عندنا بالعدد لا بالوزن.
فصل
[ ٤ / ٤٣١ ]
القارئ: فإن أقرضه نصف دينار فأتاه بدينار صحيح وقال خذ نصفه وفاء ونصفه وديعة أو سلمًا جاز وإن أمتنع من أخذه لم يلزمه لأن عليه ضررًا في الشركة والسلم عقد يعتبر فيه الرضى ولو أقرضه نصفًا قراضة على أن يوفيه نصفًا صحيحًا لم يجز لأنه شرط زيادة والله أعلم.
الشيخ: مثل هذا لو جاء إنسان إلى شخص يطلبه خمسين ريالًا وجاء الغريم ليوفيه وليس معه إلا مائة وقال هذه مائة وخمسين تبقى عندك وديعة فلا بأس لكن لو صارفه مصارفة وقال أصرف لي المائة قال ما عندي
إلا خمسين فلا يجوز لأن المصارفة بيع نقد بنقد أما المسألة الأولى فهو وفاء ويبقى الباقي عند الموفى وديعة فلا يكون مصارفة.
السائل: إذا قال الرجل لأخيه أقرضني وكما علمت من حسن قضائي وأنا أبذل لمن أقرضني إهداء ونحو ذلك فهل يجوز؟
الشيخ: الظاهر أنه يجوز إذا لم يكن هناك شرط فإن فهم من هذا أنه شرط وقال أقرضني عشرة ملاين مثلًا وأنا تعرفني أني رجل وفي ورجل أعطي أكثر مما آخذ فإذا علم إن هذا مثل الشرط فهذا لا يجوز أما إذا قصد بذلك تشجيعه على أن يقرضه وليس من نيته أن يوفيه أكثر فلا بأس والأعمال بالنيات.
السائل: بالنسبة للجمعية التي تكون بين الموظفين مثلًا هل يلزم كتابة ورقة إثبات بين أطراف الجمعية؟
الشيخ: قال الله ﷿ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ) فأمر بالكتابة لأن الإنسان ما يدري ما يعرض له قد ينسى هو أو ينسى المدين أو يموت أحدهما.
السائل: قد يأتي إنسان إلى صاحب دكان يريد أن يصرف عنده فيقول ما عندي مثلًا إلا أربعين فيقول صاحب المال لصاحب الدكان يبقى عندك وديعة فهل هذا جائز؟
الشيخ: لا يصح هذا لأنه لو قيل بهذا لكان كل واحد يريد ربا النسيئة يتخلص بهذا.
السائل: فإن اشترى من صاحب الدكان سلعة وكان معه مائة ريال ولم يكن عند صاحب الدكان صرف فقال المشتري الباقي اجعله وديعة عندك؟
[ ٤ / ٤٣٢ ]
الشيخ: هذا لا بأس به والفرق بينهما أن السلع مع النقود ليس بينها ربا نسيئة وليست مصارفة فإذا قال المشتري هذه مائة ريال وهو اشترى بخمسين فإن الخمسين تبقى وديعة لأن هذه الخمسين ليس لها عوض بالنسبة لصاحب الدكان.
السائل: في حال أراد المصارفة ولم يجد غير هذا الدكان وصاحب الدكان ليس عنده ما يكفي للصرف مثلًا عنده مائة ويريد صرفها وهو محتاج لخمسين فما العمل؟
الشيخ: يقول لصاحب الدكان خذ هذه المائة واجعلها رهنًا عندك وأقرضني خمسين ريالًا.