القارئ: لا يجوز بيع المصراة فإن باعها فالبيع صحيح فإن كانت من بهيمة الأنعام ولم يعلم المشتري ثم علم فهو مخير بين ردها وإمساكها لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال (لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن شاء أمسك وإن شاء ردها وصاعًا من تمر) متفق عليه ولأن هذا تدليس بما يختلف الثمن به فأثبت الخيار
كتسويد شعر الجارية قال أبو الخطاب متى علم التصرية فله الخيار لأنه علم سبب الرد فملكه كما لو علم العيب وقال القاضي لا يثبت له الرد إلا عند انقضاء ثلاثة أيام لأن اللبن قد يختلف لاختلاف المكان وتغير العلف فإن مضت الثلاثة بانت التصرية ويثبت الخيار على الفور وقال ابن أبي موسى إذا علم التصرية فله الخيار إلى تمام ثلاثة أيام من حين البيع لما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال (من اشترى مصراة فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام إن شاء أمسكها وإن شاء ردها ورد معها صاعًا من تمر) رواه مسلم.
[ ٤ / ٣٣٣ ]
الشيخ: وهذا القول هو المتعين وهو قول ابن أبي موسى لأن الحديث دالٌّ عليه فإذا علم بالتصرية فإن شاء رد فورًا وإن شاء انتظر إلى اليوم الثاني والثالث لأنه كما قال قد يختلف اللبن باختلاف العلف أو باختلاف وحشة البهيمة وأنسها أو ما أشبه ذلك والمهم مادام أن النص قد ورد بثلاثة أيام فإنه يأخذ به.
فصل
القارئ: ويلزم مع ردها صاعًا من تمر بدلًا عن اللبن الموجود حال العقد للخبر ويكون جيدًا غير معيب لأنه واجب بإطلاق الشرع فأشبه الواجب في الفطرة وإن ردها قبل حلبها لم يلزمه شيء لأنه بدل اللبن ولم يأخذه وإن ردها بعد حلبها ولبنها موجود غير متغير ففي وجهان أحدهما يرده ولا شيء عليه لأنه بحاله لا عيب فيه والثاني عليه صاع تمر ولا يلزم البائع قبول اللبن لأنه يسرع إليه التغير وكونه في الضرع أحفظ له فإن تغير اللبن فعليه الثمن ولا يلزم البائع قبول اللبن لتغيره وقال القاضي يلزمه قبوله لأن القبض حصل فيه باستعلام المبيع فإن لم يقدر على التمر فقيمته في الموضع الذي وقع عليه العقد لأنه بمنزلة عين أتلفها ولو رضي بالتصرية وأصاب عيبًا سواها فله ردها لأن رضاه بعيب لا يمنع الرد بما سواه وعليه مع الرد صاع تمر لأنه عوض للبن التصرية فيكون عوضًا له مطلقا ويحتمل أن لا يلزمه هاهنا إلا مثل اللبن لأن الأصل وجوب ضمان اللبن بمثله خولف فيما إذا رد مصراة من أجل التصرية للخبر ففيما إذا ردها لعيب آخر يبقى على الأصل كما لو كانت غير مصراة وفيها لبن وإن اشترى شاة غير مصراة فحدث لها لبن فاحتلبه ثم ردها بعيب فلا شيء عليه لأن اللبن حدث في ملكه وإن كان فيها لبن يسير لا يخلو الضرع من مثله فلا شيء فيه لأن مثل هذا لا عبرة به وإن كان كثيرًا فعليه مثله لأن الأصل ضمان اللبن بمثله فلا يبطل بمخالفته في لبن التصرية وإن كان باقيًا
[ ٤ / ٣٣٤ ]
انبنى على رد لبن التصرية لما ذكرنا فإن قلنا لا يرده فبقائه كتلفه وهل له رد المبيع يخرج على الروايتين فيمن اشترى ثوبًا فقطعه ثم علم عيبه.
الشيخ: سبق لنا أن النبي ﷺ قدر قيمة اللبن في المصراة بالتمر من أجل قطع النزاع قدره بالتمر دون غيره لأنه أقرب ما يكون شبهًا باللبن.
فصل
القارئ: فإن كانت المصراة أمة أو أتانا ففيه وجهان أحدهما لا رد له لأن لبنها لا عوض له ولا يقصد قصد لبن الأنعام والثاني له الرد لأن الثمن يختلف بذلك لأن لبن الأمة يحسن ثدييها ويرغب فيها ظئرًا ولبن الأتان يراد لولدها فإن حلبها فلا شيء عليه للبنها لأنه لا قيمة له.
[ ٤ / ٣٣٥ ]
الشيخ: ذكر المؤلف مسألتين المسألة الأولى إذا كانت المصراة أمة فيكون فيه وجهان أحدهما لا رد له لأن لبنها لا عوض لها وهذا غير صحيح بل لبن الأمة له عوض ولهذا لو بيع لبن بعد حلبه فإنه جائز ولأن المرضعة قال الله تعالى فيها (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) على ماذا؟ الجواب على اللبن وما ذهب إليه بعض العلماء من أن المراد أجور حمل الطفل وإلقامه الثدي فهذا لا وجه له لأن الذي يسترضع لولده هل يريد أن تحمل الولد وتضعه في حجرها وتلقمه الثدي ولو كان جافًا؟ لا وإنما يريد اللبن ولهذا نقول إن المرضعة المستأجرة يراد بذلك لبنها وما قبله من الحركة ووضعه في الحجر وإلقامه الثدي هذا مراد لغيره وليس مراد لذاته لكن المؤلف ﵀ بنى على أن لبن المرضع ليس هو المعقود عليه بناءً على أنه لا يصح عقد الإجارة عليه والصواب أن اللبن مقصود بلا شك وأن له قيمة أما لبن الأتان فلا قيمة له لأنه لبن محرم ولكن إن قلنا إنه لا قيمة له فإن نقص لبن الأتان يعتبر عيبًا ونقصًا لأن الإنسان إذا اشترى أتان ذات لبن يريد أن يسقيه ما عنده من صغار الحمر فهو مراد بلا شك فالصواب أن التصرية تجري في لبن الأتان وأنه إذا علم أنها مصراة فله الخيار لكن إذا ردها هل يرد معها شيئًا؟ الجواب لا يرد معها شيئًا لأن اللبن لا قيمة له.
السائل: تصرية الأمة لم يتبين لي كيف تصر الأمة؟
الشيخ: مثلًا يقال لها لا ترضعي الولد أو لا تحلبي اللبن فينبغي إذا راءها المشتري وإذا ثديها كبير قال هذه ما شاء الله عندها لبن كثير.
السائل: إذا تعذر وجود التمر فما الحكم؟
الشيخ: تأخذ قيمته.
السائل: إذا وجد التمر ولكن في قوم لا يأكلون التمر فما الحكم؟
الشيخ: الظاهر أنه في هذه الحال إذا كان أهل المكان لا يأكلون التمر فيرجع إلى قيمته أو يعطون من الطعام المقارب.
فصل
[ ٤ / ٣٣٦ ]
القارئ: وكل تدليس بما يختلف به الثمن يثبت خيار الرد قياسًا على التصرية كتجعيد شعر الجارية وتسويده وتحمير وجهها.
الشيخ: التدليس ضابطه أن يظهر السلعة بمظهر مرغوب فيه وليست كذلك كما ذكر المؤلف ﵀ (كتجعيد شعر الجارية) والجارية يعني الأنثى يجعده يعني يجعله جعدًا بدل أن يكون سبطًا والفرق بينهما ظاهر الجعد يكون قويًا ويكون معكرشًا وهو مرغوب عند بعض الناس والسبط أيضًا مرغوب عند بعض الناس لكن الغالب الأول فتسويده بعد أن كان أبيضًا وتبيضه بعد أن كان أسودًا لكن العكس لا يمكن ولكن ألم تعلموا أن النساء الآن بدأنا يخترن اللون الأبيض على اللون الأسود سبحان الله انقلاب يخترن اللون الأبيض على اللون الأسود فهن يسألن دائمًا عن صبغه بالبياض ليس بياضًا ناصعًا كالثوب بل يكون أشهب.
القارئ: وجمع الماء على الرحى وقت عرضها على المشتري.
الشيخ: كانوا في السابق يأخذون من النهر ساقية ويضعون عليها الرحى وباندفاع الماء تتحرك البكرة وإذا تحركت بسرعة أخرجت ماء أكثر فيأتي البائع مثلًا عند العرض ويسد الجدول أو الساقية التي أخذها من النهر فإذا أراد عرضها فتح السد فانطلق الماء بقوة فتزداد حركة البكرة ويزداد حركة الماء فهذا تدليس لأنه لو رجعنا إلى أصلها ما كانت بهذه القوة.
القارئ: فإن حصل ذلك بغير قصد كاجتماع اللبن في الضرع بغير تصرية واحمرار وجه الجارية لخجل أو تعب فهو كالتدليس لأن الخيار ثبت لدفع الضرر عن المشتري فلم يختلف بالقصد وعدمه كالعيب وإن رضي المشتري بالمدلس فلا أرش له لأن النبي ﷺ خير بين إمساك المصراة بغير شيء وردها مع التمر.
[ ٤ / ٣٣٧ ]
الشيخ: وقيل بل له الأرش في الفرق بين قيمتها مدلسة وقيمتها غير مدلسة ولكن الأصوب أنه لا يخير فيقال إما أن تردها وإما أن تبقيها لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (من غش فليس منا) فيقال للمغشوش وهو المدلس عليه يقال له إما أن تمسكها بدون عوض وإما أن تردها كما أن المعيب أيضًا
سيأتينا إن شاء الله تعالى أن بعض أهل العلم يقول لا أرش له فلا أرش لمن وجد الشيء معيبًا فيقال إما أن تمسكه معيبًا وإما أن ترده لأن الأرش عوض عن الجزء الفائت وهذا يحتاج إلي رضا من الطرفين.
فصل
القارئ: وإن دلس بما لايختلف به الثمن كتبييض الشعر وتسبيطه فلا خيار للمشتري لأنه لا ضرر في ذلك.
الشيخ: قوله تسبيطه هذا ما لم يكن رغبة الناس في السبط فإن كان الرغبة في السبط صار تدليسًا.
القارئ: وإن علف شاة فظنها المشتري حاملا أو سود أنامل العبد ليظنه كاتبًا أو حدادًا.
الشيخ: تسويد الأنامل ليظن أنه كاتب هذا مما يختلف به الوقت فالآن الإنسان يكتب ولا يكون في أنامله شيء من الحبر فهم يمثلون حسب وقتهم ﵏.
القارئ: أو كانت الشاة عظيمة الضرع خلقة فظنها كثيرة اللبن فلا خيار له لأن ذلك لا ينحصر فيما ظنه المشتري فإن سواد الأنامل قد يكون لولع أو خدمة كاتب أو حداد أو شروعه في ذلك.
الشيخ: فإن سواد الأنامل قد يكون لولع ومعنى الولع يعني توليع النار ولهذا يقول إن هذا ربما يكون لغير مالكه لتوليع النار لا لكونه كاتبًا.
القارئ: وانتفاخ البطن قد يكون للأكل فظن المشتري غير ذلك طمعًا لا يثبت له خيارًا.