القارئ: ويستحب لمن أراد دخول مكة أن يغتسل ويدخلها من أعلاها من ثنية كَداء ويخرج من أسفلها لما روي عن ابن عمر أنه كان يغتسل ثم يدخل مكة ويذكر أن النبي ﷺ كان يفعله وقال دخل رسول الله ﷺ مكة من الثنية العليا التي بالبطحاء وخرج من الثنية السفلى متفق عليهما.
[ ٣ / ٤٦٦ ]
الشيخ: أولًا يسن لمن أراد دخول مكة أن يغتسل استعدادا للطواف حول البيت والثاني أن يدخل من أعلاها ودخوله من أعلاها وخروجه من أسفلها هل هذا تعبد أو لأنه أسهل؟ على كلام المؤلف أنه من باب التعبد وعلى هذا فإذا جئت من طريق جدة تدور حول مكة وتدخل من أعلاها من الشرق وقال بعض أهل العلم إن هذا من باب الأسهل وأن الرسول ﵌ دخل من أعلاها وخرج من أسفلها لأنه أسهل فإن تيسر لك أن تدخل من أعلاها وتخرج من أسفلها فهذا هو المطلوب وإن لم يتيسر كما هو الغالب في عصورنا هذه فادخل حيث تيسر لك.
وأما الاغتسال فهل نقول إن الاغتسال في السيل الآن للإحرام يغني عن الاغتسال لدخول مكة لأنه ليس بينه وبين دخول مكة إلا ساعة أو نحوه أو نقول إذا أردت تطبيق السنة عند دخول مكة قف واغتسل؟ هذا محل تردد عندي أنا متردد في ذلك لأن الذين يغتسلون في السيل أو يغتسلون في رابغ يقدمون إلى مكة دون أن يحصل لهم شعث أو غبرة فالمقصود حاصل وفيما لو قلنا بأنه سنة عند دخول مكة مع قرب اغتسالهم للإحرام مشقة على الناس وربما يأتي إنسان يقول أنا أريد أن أفعل السنة ويفعلها الثاني والثالث فيحصل زحام فالظاهر إن شاء الله أنه يكتفى بالاغتسال إذا كان عند ركوبه إلى مكة أما من أحرم من ذي الحليفة فالمسافة بعيدة فيغتسل عند دخول مكة.
القارئ: ويستحب أن يدخل المسجد من باب بني شيبة لقول جابر أن النبي ﷺ دخل مكة ارتفاع الضحى فأناخ راحلته عند باب بني شيبة ودخل المسجد رواه مسلم.
الشيخ: وهذا كالأول هل هو مقصود أم حصل اتفاقا؟
[ ٣ / ٤٦٧ ]
وباب بني شيبة يقابل الباب الذي يدخل منه الناس الآن من عند المسعى وكان باب بني شيبة أدركناه كان فيه قوس على عمودين قريبا من مقام إبراهيم ومكان زمزم وأنا أتعجب كيف يسع الناس هذا القليل من الأرض يعني باب بني شيبة كان قريبا جدا إلى مقام إبراهيم وإلى مكان زمزم لكن الآن إذا أخذت اتجاها خطا مستقيما تخرج من عند ما يسمونه الآن باب السلام.
القارئ: ويستحب أن يدعو عند رؤيته البيت ويرفع يديه لما روى ابن جريج أن رسول الله ﷺ كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال (اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما ومهابة وبرا وزد من شرفه وكرمه ممن حجه واعتمره تشريفا وتعظيما وبرا) رواه الشافعي في مسنده.
الشيخ: هذا الحديث ضعيف لأنه مرسل ولهذا لم يستحبه بعض أهل العلم وقال ليس هناك دعاء عند رؤية البيت وإنما يدخل المسجد الحرام ويقول كما يقول في أي مسجد آخر.
القارئ: وعن سعيد بن المسيب أنه كان حين ينظر إلى البيت يقول (اللهم أنت السلام ومنك السلام حينا ربنا بالسلام) ذكر الأثرم هذا الدعاء وزاد (الحمد لله رب العالمين كثيرا كما هو أهله وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله الحمد لله الذي بلغني بيته ورآني لذلك أهلا الحمد لله على كل حال اللهم إنك دعوت إلى حج بيتك الحرام وقد جئتك لذلك اللهم تقبل مني واعف عني وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت) وما زاد من الدعاء فحسن.
الشيخ: ولكن إذا قلنا بأن العبادات توقيفية كما هو واضح فإنه إذا لم يثبت هذا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا يقال لأن هذا سنة قولية وفعلية ومكانية فلا بد من ثبوتها عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإلا فيقال هذا اجتهاد ممن فعله وليس كل مجتهد مصيبًا.
فصل
البدء بالطواف عند القدوم
[ ٣ / ٤٦٨ ]
القارئ: ويبدأ بالطواف لما روت عائشة (أن النبي ﷺ حين قدم مكة توضأ ثم طاف بالبيت) متفق عليه ولأن الطواف تحية المسجد فاستحبت البداءة به كالركعتين في غيره من المساجد.
الشيخ: أما الأول فصحيح ولا حاجة للتعليل الذي ذكره المؤلف فيكفي حديث عائشة أن النبي ﷺ أول ما يقدم مكة يبدأ بالطواف قبل أن يذهب إلى بيته ينيخ راحلته صلوات الله وسلامه عليه عند البيت ويطوف وأما قوله ﵀ ولأن الطواف تحية المسجد فهذا غير صحيح تحية المسجد الحرام كغيره من المساجد لعموم قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلى ركعتين) لكن من دخل ليطوف فطاف كفته ركعتا الطواف عن تحية المسجد.
القارئ: وينوي المتمتع به طواف العمرة وينوي المفرد والقارن الطواف للقدوم.
الشيخ: والأول ركن والثاني سنة يعني الطواف هذا ركن بالنسبة للمتمتع وسنة بالنسبة للقارن والمفرد والدليل على سنيته حديث عروة بن المضرس أنه سأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صبيحة يوم العيد في مزدلفة أنه أتى من جبل طي ولم يدع جبلا إلا وقف عنده ولم يذكر أنه دخل مكة وطاف ولم ينبهه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على ذلك فدل على أن طواف القدوم ليس بواجب بالنسبة للقارن والمفرد.
القارئ: ويسن الاضطباع فيه وهو أن يجعل وسط الرداء تحت منكبه الأيمن ويتركه مكشوفا ويرد طرفيه على منكبه الأيسر لما روى ابن عباس أن النبي ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى رواه أبو داود.
[ ٣ / ٤٦٩ ]
الشيخ: عمرة الجعرانة كانت في ذي القعدة حين رجع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الطائف ونزل في الجعرانة فدخل ليلًا مع بعض أصحابه وليس مع الجميع فأتى بعمرة ﵊ واضطبع وكيفية الاضطباع أن يجعل وسط الرداء تحت إبطه الأيمن وطرفيه على كتفه الأيسر في جميع الطواف وليس في الثلاثة الأشواط الأولى منه وليس في السعي بعده ولا في السير قبله خلافًا لما عليه عامة المسلمين اليوم مع الأسف أنهم يضطبعون من حين أن يحرموا ولكن هذا جهل منهم والواجب على طلبة العلم أن ينبهوا على هذا.
القارئ: ويطوف سبعًا يبتدئ بالحجر الأسود فيستلمه لقول جابر حتى أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا ومعنى استلامه مسحه بيده ويستحب تقبيله لما روى أسلم قال رأيت عمر بن الخطاب قبل الحجر وقال إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ قبلك ما قبلتك متفق عليه فإن لم يمكنه تقبيله استلمه وقبل يده لما روي أن النبي ﷺ استلمه وقبل يده رواه مسلم.
الشيخ: المؤلف ﵀ تعبيره بقوله (لما روي) مع أنه في مسلم على غير اصطلاح المحدثين لأن روي إنما تقال في الحديث الضعيف فيجب أن ينتبه لهذا.
القارئ: فإن استلمه بشيء في يده قبله لما روى ابن عباس قال رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجن معه ويقبل المحجن رواه مسلم وإن لم يمكنه أشار بيده إليه لما روى ابن عباس أن النبي ﷺ طاف على بعير كلما أتى الركن أشار إليه وكبر.
الشيخ: هذه المراتب أربعة أعلاها أن تستلم وتقبل ثم أن تستلم بيدك وتقبلها ثم أن تستلم بشيء في اليد كمحجن أو مقصرة أو ما أشبه ذلك وتقبلها ثم الإشارة ولا تقبل لأن ذلك لم يرد عن النبي ﵊ ولأنه لا يمكن قياس الإشارة على الاستلام لأن الاستلام قد باشر الحجر.
[ ٣ / ٤٧٠ ]
فإن قال قائل هل إذا علمت أنني لن أصل إليه بيدي هل يسن أن أحمل عصا حتى أستلم به الحجر وأقبل العصا؟ نقول لا لأن الرسول ﵊ لم يحمل المحجن إلا من أجل البعير فهو لحاجة ثم إنه فيه أذية للناس فلذلك لا يسن أن يحمل الإنسان العصا من أجل أن يستلم بها الحجر.
وفي قول عمر ﵁ إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع إشارة إلى كمال توحيده ﵁ وأن النفع والضرر إنما هو بالله أما الأحجار وغيرها فلا تضر ولا تنفع.
وفيه أيضًا رد لما يفعله بعض الناس الآن من التبرك في مس الكعبة من أي جانب كان وقد رأينا بعض الناس يكون معه أطفاله فيستلم الركن اليماني ثم يمسح أطفاله بيده ولا شك أنه أراد بذلك التبرك وهذا غلط يجب على طلبة العلم إذا رأوا أحدا يفعل ذلك أن يبينوا له أن هذا ليس بمشروع وأن هذه الأحجار لا تنفع ولا تضر ولو أنا قدسنا الكعبة لأنها حجر لكان هذا نوع من الوثنية لكنا نقدسها لأنها بيت الله ولا نقدسها إلا على حسب ما جاءت به شريعة الله فقط.
وفيه أيضا قوة التأسي من عمر ﵁ برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث قال لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقبلك ما قبلتك.
[ ٣ / ٤٧١ ]
وفيه أيضا أن بعض أفعال الحج تعبدي محض لا نعلم له علة إلا مجرد التعبد وكون الإنسان يتعبد الله بما لا يعقل معناه هذا أكمل في العبادة صحيح أن الإنسان إذا علم المعنى وعقله يكون أشد قبولا للعبادة لأن نفسه تطمئن أكثر لكن إذا تعبد بشيء لم يعلم الحكمة منه كان هذا أدل على ذله وخضوعه لله ﷿ وأنه مسلِّم لشرعه كما هو مسلِّم لقدره ومن ذلك كوننا نأخذ حجرات ونرمي بها مكانًا معينًا وأعنى بذلك الجمرات هل هذا إلا عبادة محضة وتسليم للشرع؟ وأما ما ذكر أن الشيطان تعرض لإبراهيم في هذا المكان وأنه رماه بالحصى فهذا لا صحة له بل يقال أن هذا موضع رماه النبي ﷺ بأحجار فنحن نتعبد لله تعالى متأسين برسوله الله ﵊.
القارئ: ويستحب أن يقول عنده ما روى عبد الله بن السائب أن النبي ﷺ قال عند استلامه بسم الله والله أكبر إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاءً بعهدك واتباعًا لسنة نبيك محمد ﷺ.
الشيخ: وهذا الحديث فيه ضعف لكنه صح من فعل ابن عمر ﵄ فقوله في الابتداء طيب (بسم الله والله أكبر اللهم إيمانا بك) يعني أفعل هذا إيمانا بك (وتصديقًا بكتابك ووفاءً بعهدك واتباعا لسنة نبيك ﷺ).
القارئ: ويحاذي الحجر بجميع بدنه ليستوعب جميع البيت بالطواف ثم يأخذ في الطواف على يمين نفسه ويجعل البيت على يساره ويطوف سبعا يرمل في الثلاثة الأولى.
[ ٣ / ٤٧٢ ]
الشيخ: قوله يحاذي الحجر بجميع بدنه هذا المذهب وأنه لا بد أن تحاذي الحجر بجميع البدن وقيل إذا حاذاه ببعض بدنه كفى وهذا ينفعك عند الزحام الشديد ولكن الاحتياط أن تحاذيه بجميع البدن ومن نعمة الله ﷿ أنه وضع الآن خط بنيّ يعرف به ابتداء الطواف وانتهاء الطواف أيضًا وكان فيما سبق هناك خطان أحدهما على يمين الحجر والثاني على يساره بحيث يكون الحجر متوسط بينهما لكن حصل في ذلك مفسدة فصاروا يبدؤون من الخط الذي دون الحجر وينتهون بالخط الذي قبل الحجر وهذا معناه أنهم لم يكملوا الطواف فيسر الله ﷿ إزالة الخطين واقتصر على خط واحد يبتدئ من قلب الحجر نسأل الله تعالى أن يوفق الحكومة لما فيه الخير، وأن يديم هذا الخط حتى لا يلتبس الأمر لأنه كان بالأول ولا سيما مع الزحام وبعد الإنسان عن الكعبة يحصل عندهم ارتباك هل أنا وازنت الحجر أم لم أوازنه وتجد الإنسان ربما يأخذ مسافة كبيرة احتياطية مع المشقة الشديدة عليه لكن الحمد لله هذا ريَّح الناس.
القارئ: ويطوف سبعا يرمل في الثلاث الأول منها وهو إسراع المشي مع مقاربة الخطى ولا يثب وثبا.
الشيخ: هذا الرمل له سبب سببه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما صالح قريشا في الحديبية على أن يأتي معتمرا في العام القادم وجاء أراد المشركون أن يشمتوا بالرسول وأصحابه فقالوا إنه يقدم عليكم قوم وهنتهم حمى يثرب يعني حمى المدينة نجلس وننظر فجلسوا نحو دار الندوة من شمال الكعبة فأمر النبي ﷺ أصحابه أن يرملوا في الأشواط الثلاثة من الحجر إلى الركن اليماني وأن يمشوا ما بين الركنين.
أولا لم يأمرهم في إكمال السبعة لئلا يشق عليهم ذلك.
[ ٣ / ٤٧٣ ]
وثانيا أذن لهم أن يمشوا ما بين الركنين لأنهم في هذا المكان يغيبون عن قريش لا يشاهدونهم والمقصود من الرمل إغاظة المشركين وإذا غابوا عنهم لا يدرون عنهم لكن في حجة الوداع رمل النبي ﵊ في الأشواط الثلاثة كلها من الحجر إلى الحجر فعلم بهذا أن هذه السنة ثابتة ولو زال سببها وأنها أيضا زيدت على ما كانت عليه عند وجود السبب لأنها في ذلك الوقت كانت مبنية على السبب مع التعبد لله ﷿ بإغاظة المشركين أما في حجة الوداع فهي تعبد محض فهل نحن إذا رملنا نتذكر أن سبب هذا الرمل إغاظة المشركين؟ قليل من يتذكر هذا ولكن ينبغي أن نشعر بهذا أننا نفعله تعبدا لله واتباعا لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ونذكر أننا مأمورون بكل ما يغيظ الكفار بل قد قال الله تعالى (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) وقال تعالى (وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئًا يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِح) فينبغي أن نتذكر هذه المعاني الجليلة أن أصل هذا الرمل هو إغاظة المشركين.
وقول المؤلف في تفسيره إسراع المشي مع مقاربة الخطى هل المعنى أنه يتقصد تقريب الخطى أو المعنى الإسراع بدون مد الخطوة لأنه جرت العادة أن الإنسان إذا أسرع تمتد خطوته؟ يحتمل هذا وهذا والثاني عندي أقرب أن المعنى إسراع المشي لكن بدون أن يمد خطوه بل يكون على العادة وأما ما يفعله بعض الناس الآن في الرمل من كونه يمشي الهوينا ولكن يهز كتفيه كأنه يرقص فهذا لا شك أنه خطأ حتى ولو في الزحام من قال أنه يشرع هز الكتفين؟ في الزحام امش على العادة لا تشق على الناس ولا تشق على نفسك.
[ ٣ / ٤٧٤ ]
إذا كان محمولا أو كان على عربية فهل يشرع لحامليه أن يرملوا ولمن يدف العربية أن يسرع؟ قال بعض العلماء لا لأن الإسراع إنما المقصود به بيان جلد الطائف وقوته والمحمول لا يتحرك وكذلك المدفوف وعندي في هذا توقف ويحتاج إلى تحرير إن شاء الله تعالى وربما نحرره.
القارئ: ويمشي أربعًا لحديث جابر وروى ابن عمر قال كان رسول الله ﷺ إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثا ومشى أربعا متفق عليه ولا يرمل في غير هذا الطواف لذلك فإن ترك الرمل في الثلاث لم يقضه في الأربع لأنه سنة فات محلها فلم يقضه في غيره كالجهر في الأوليين لا يقضى في الأخريين.
الشيخ: ولأنه لو قضاه في الأربعة الباقية لفوت السنة في الأربعة لأن الأربعة السنة فيها المشي وكما قال المؤلف سنة فات محلها كما أن الإنسان لو شرع في الفاتحة ونسي الاستفتاح فإنه لا يشرع له قضاؤه ويقال إنه سنة فات محلها وكذلك ما ذكره المؤلف الجهر في الأوليين لا يقضى في الأخريين لأنه لو قضاه لفوت السنة في الأخريين لأن السنة فيها الإسرار.
السائل: هل يشرع الإنكار على من يتمسح مثلًا بالكعبة وما أشبه ذلك وهو يطوف؟
الشيخ: نعم ما لم يصل الحد إلى الإخلال بالطواف مثل أن يكون الناس كثيرين ولو ذهب ينصح كل واحد لفاته مقصود الطواف هذه واحدة والشيء الثاني لا بد أن يغلب على الظن قبول الحاج لأن بعض الناس ما يقبل أبدا وربما يقول لك أنت وهابي.
القارئ: ولو فاته الرمل والاضطباع في هذا الطواف لم يقضه فيما بعده كمن فاته الجهر في الصبح لم يقضه في الظهر ويكون الحجر داخلا في طوافه لأن الحجر من البيت.
[ ٣ / ٤٧٥ ]
الشيخ: قوله إن الحجر من البيت هذا ظاهر حديث عائشة ﵂ حين سألت النبي ﷺ أن تصلي في الكعبة فقال لها (صلي ها هنا فإن الحجر من البيت) فظاهره أن جميع الحجر من البيت لكن المشهور عند العلماء الذي من البيت من الحجر نحو ستة أذرع ونصف تقريبا عند منحنى الحجر ولكن العلماء متفقون على أنه لا بد أن يكون الحجر داخلا في طوافه وأن الإنسان لو دخل من الفتحتين اللتين بين الحجر والبناء القائم فإن طوافه لا يصح.
القارئ: ولا يطوف على جدار الحجر ولا شاذروان الكعبة لأنه من البيت فيجب أن يطوف به.
الشيخ: لقوله تعالى (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ) ولم يقل في البيت ولو قال في البيت لصح أن يطوف داخل الحجر لأنه طاف في البيت لكنه تعالى قال (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ) والباء تقتضي الاستيعاب كما هي في قوله تعالى (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُم) أي بجميع الرؤوس.
[ ٣ / ٤٧٦ ]
وقوله ولا شاذروان الكعبة ما الشاذروان هذا الطوق المحيط بالكعبة من أسفل كان مبنيًا مسطحا ويمكن الطواف به أما الآن فلا يمكن الطواف به لأنه مزحلق لا يمكن للإنسان أن يطوف عليه إلا بتعب وعناء شديد واتكاء على أكتاف الناس مثلا لكن لا يجوز الطواف به وقول المؤلف لأنه من البيت هذا فيه نظر وقد قال شيخ الإسلام ﵀ إن الشاذروان ليس من البيت وإنما جعل عمادا له والبيت هو الجدار القائم أما هذا فهو عماد يعني ردف للجدار وليس من البيت وبناءً على هذا لو أن الإنسان يطوف حول الكعبة قريبا منها ثم زحم شديدا وصعد على هذا الشاذروان وجعل يمشي والناس قد زحموه متكئا على أكتافهم فعلى كلام المؤلف لا يصح طوافه وعلى ما ذهب إليه شيخ الإسلام يصح طوافه فنحن نقول قبل أن يشرع الإنسان في الطواف لا تطف على الشاذروان لكن لو جاءنا وقال لنا إنه وقع له مثل هذا الحال في طواف الإفاضة مثلا هل نقول إن حجك لم يتم الآن؟ على كلام المؤلف نقول لم يتم وعلى ما ذكره الشيخ نقول إن طوافك صحيح لأن الطواف على الشاذروان صحيح.
السائل: ماذا يقول المستلم للحجر الأسود وماذا يقول المؤشر لأن بعض أهل العلم يفرقون في ذلك وهل يسن السجود عليه؟
الشيخ: لا فرق بين المستلم والمؤشر كلاهما يكبر عند الاستلام أوعند الإشارة ولا فرق إنما الفرق في الابتداء وبقية الأشواط ففي الابتداء يقول بسم الله والله أكبر اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاءً بعهدك واتباعا لسنة نبيك محمد ﷺ وفي الدوران في الأشواط يكبر فقط.
أما السجود عليه فقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه فعله ولكن ليس فيه سنة عن الرسول ﵊ متبعة.
[ ٣ / ٤٧٧ ]
القارئ: ولا يستلم الركن العراقي ولا الشامي لما روى ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني وما تركت استلامهما منذ رأيت رسول الله ﷺ يستلمهما في شدة ولا رخاء رواه مسلم وقال ما أرى النبي ﷺ استلم الركنين اللذين يليان الحجر إلا لأن البيت لم يتم على قواعد ابراهيم ﵇ متفق عليه ولا طاف الناس من وراء الحجر إلا لذلك.
الشيخ: يقول المؤلف ﵀ إنه لا يستلم الركن العراقي ولا الشامي والركن العراقي هو الذي يلي الحجر الأسود وأما الشامي فهو الذي يليه من الغرب لا يستلمهما لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يستلمهما وهذه عبادة والعبادات توقيفية وما رآه ابن عمر ﵄ من العلة في عدم استلامهما صحيح لأنهما ليسا على قواعد إبراهيم فإن إبراهيم ﵊ بنى الكعبة على أوسع من هذا ولما هدمها قريش وعمروها قصرت بهم النفقة فرأوا أن يخرجوا جزءًا منها وسموه الحطيم لأنه حطم من الكعبة أو الحجر لأنه حجّر وبقي الحجر الأسود والركن اليماني على قواعد إبراهيم ولهذا سن استلامهما وقد رأى ابن عباس ﵄ معاوية بن أبي سفيان ﵁ يطوف ويستلم الأركان كلها فأنكر عليه فقال له معاوية ليس شيء من البيت مهجورا فقال له ابن عباس لقد رأيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يستلم إلا الركنين اليمانيين وقد قال الله تعالى (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) فرجع معاوية.
فأقول ماذا لو رأى ابن عباس الآن جهال الأمة الإسلامية يستلمون كل شيء الأركان وغير الأركان وهذا كله بسبب الجهل وعدم تعليم العلماء للعامة وإلا فأظن أن العامة لو بين لهم من يثقون به في بلادهم لحصل خير كثير.
[ ٣ / ٤٧٨ ]
القارئ: وكلما حاذى الحجر كبر ويقول بين الركنين ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار لما روى عبد الله بن السائب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول ذلك ما بين ركن بني جمح والركن الأسود رواه أبو داود ويقول في بقية الطواف اللهم اجعله حجا مبرورا وسعيا مشكورا وذنبا مغفورا رب اغفر وارحم واعف عما تعلم وأنت الأعز الأكرم ويصلي على النبي ﷺ ويدعو بما أحب.
الشيخ: أما التكبير عند محاذاة الحجر فهذا سنة لاشك ثابتة عن النبي ﵊ ولا يكبر عند محاذاة الركن اليماني ولهذا لم يذكره المؤلف ﵀ لعدم وروده ولا يشير إلى الركن اليماني أيضا عند الزحام لعدم وروده ولا يصح القياس على الحجر الأسود لأن الحجر الأسود أوكد من الركن اليماني ولأنه يسن فيه التقبيل والركن اليماني لا يسن فهل نقول أيضا يسن التكبير في الركن اليماني قياسا على الحجر الأسود؟ لا إذًا نقول لا يسن فيه أيضًا الإشارة لأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وأما قوله يقول فيما بين الركنين ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار فللحديث الذي أشار إليه ولكن إذا كان المطاف زحمة وانتهى من هذا الدعاء قبل أن يحاذي الحجر فإنه يكرره وأما مازاده بعض العوام وقنا عذاب النار وأدخلنا الجنة مع الأبرار يا عزيز يا غفار فهذه من أكياسهم ولم ترد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإنما نهاية الذكر الوارد ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وإذا لم يصل إلى الحجر الأسود كرره.
[ ٣ / ٤٧٩ ]
وأما ما ذكره المؤلف اللهم اجعله حجا مبرورا فهذا استحسان من المؤلف وليدع الإنسان بما شاء لأنه لم يرد فيه شيء معين إلا التكبير عند الحجر الأسود وقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار واختير أن يكون هذا الدعاء في هذا المكان لأنه منتهى الشوط وكان من عادة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه يختم دعاءه بهذا الدعاء (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).
القارئ: ويستحب أن يدنو من البيت لأنه المقصود فإن كان يمكنه الرمل بعيدا ولا يمكنه قريبا فالبعيد أولى لأنه يأتي بالسنة المهمة.
الشيخ: أما قوله إذا تعارض الدنو من البيت والرمل فيقدم الرمل فهذا صحيح وذلك لأن القرب من الكعبة لم يكن فيه سنة وإنما هو اختيار من العلماء أن يكون أقرب إلى البيت لأنه هو المقصود وأما الرمل فقد ثبت به السنة فكان أوكد هذا من وجه ومن وجه آخر أن الرمل سنة تتعلق بذات العبادة والدنو من البيت سنة تتعلق بمكانها والمحافظة على ما يتعلق بذات العبادة أولى من المحافظة على ما يتعلق بمكانها أو زمانها ولهذا سن تأخير صلاة الظهر عند اشتداد الحر لأن ذلك أقرب إلى الخشوع في الصلاة وتأكد أن يؤخر الإنسان الصلاة إذا حضر الطعام أو دافعه الأخبثان مع أن الصلاة أول الوقت أفضل لكن تؤخر عن الأفضل في الزمان مراعاة لما يتعلق بذات العبادة وكذلك هنا نقول الرمل متعلق بذات العبادة فهو أولى من مراعاة المكان وهذه قاعدة مفيدة لطالب العلم وربما أيضا نمثل بإنسان وجد مكانا بالصف الأول وبقربه رجل له رائحة كريهة ويخشى إذا وقف في هذا المكان أن يتأثر في صلاته فنقول لا بأس أن تنتقل إلى مكان آخر مفضول مراعاة لما يتعلق بذات العبادة.
القارئ: ولا بأس بقراءة القرآن في الطواف لأنه صلاة والصلاة محل القرآن.
[ ٣ / ٤٨٠ ]
الشيخ: هذا التعليل فيه نظر بل لأنه ذكر من أفضل الذكر (وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ) وقد روي عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من حديث عائشة (إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله) وأما قوله لأنه صلاة والصلاة محل القرآن فيقال له الصلاة في بعض أركانها ليست محلًا للقرآن بل ينهى الإنسان أن يقرأ القرآن فيه كالركوع والسجود فقد ثبت عن النبي ﵌ أنه قال (ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أوساجدا) حتى قال بعض العلماء إذا قرأ الإنسان وهو راكع أو ساجد بطلت صلاته لأنه أتى بقول منهي عنه فهو ككلام الآدميين الذي نهي عنه في الصلاة فالحاصل أن التعليل الصحيح أن يقال لا بأس بقراءة القرآن لأنه ذكر بل هو أفضل الذكر وقد روي عن النبي ﵊ أنه قال (إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله).
القارئ: ويجوز الشرب في الطواف لأن النبي ﷺ شرب في الطواف رواه ابن المنذر.
الشيخ: ويجوز الأكل في الطواف ويجوز الكلام ولا تجب قراءة الفاتحة فيه ولا يجب فيه التكبير ولا يجب استقبال القبلة فهو يخالف الصلاة في أكثر ما يتعلق بالصلاة وبه نعرف ضعف الحديث الذي يروى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام) فهذا الحصر غير صحيح بل أبيح في الطواف أشياء كثيرة تحرم في الصلاة.
القارئ: ويستحب أن يدع الحديث كله إلا ذكر الله أوقراءة القرآن أو دعاءً أو أمرًا بمعروف أو نهيًا عن منكر لما روى ابن عباس أن النبي ﷺ قال (الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباحكم فيه الكلام فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير) رواه الترمذي.
[ ٣ / ٤٨١ ]
الشيخ: كل ماذكره صحيح إلا أنه إذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يشغله عن المقصود بالطواف فإنه يدعه يعني لو كان كل خطوة يرى منكرًا وإذا أراد أن ينهى عن هذا المنكر انشغل عن الطواف لا سيما إن وجد من يجادله فلا يفعل محافظة على المقصود بالطواف وأما الحديث فقد عرفتم أنه ضعيف لا يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فصل
(في ركعتي الطواف)
القارئ: فإذا فرغ من الطواف صلى ركعتين خلف مقام إبراهيم يقرأ فيهما بـ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وسورة الإخلاص لما روى جابر أن النبي ﷺ طاف بالبيت سبعا وصلى خلف المقام ركعتين قرأ فيهما قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد رواه مسلم وإن صلاهما في غير هذا الموضع أو قرأ غير ذلك أجزأه.
الشيخ: هاتان الركعتان سنة عند جمهور العلماء وذكر بعض أهل العلم وأظنه مذهب مالك ﵀ أنهما واجبتان واستدل لذلك بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما تقدم إلى مقام إبراهيم قرأ (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً) وجعل هذا الفعل تفسيرا للآية والأمر في الآية للوجوب فقرر وجوبهما ولكن جمهور العلماء على أنهما سنة وعلى كل حال فلا ينبغي للإنسان تركهما فإن تيسر في هذا المكان أي خلف مقام إبراهيم فهذا الأفضل فإن لم يتيسر ففي أي مكان من المسجد صلاهما أجزأ.
فإن قال إن صليت خلف المقام انشغلت بالناس وربما أضيق المطاف فأيهما أفضل أن أصلي في هذا المكان أو أن أتأخر وأصلي بطمأنينة؟
الثاني لأن هذا يتعلق بذات العبادة.
وفي هاتين الركعتين تستحب سنتان.
الأولى أن يقرأ في الركعة الأولى قل يا أيها الكافرون وفي الثانية أن يقرأ قل هو الله أحد مع الفاتحة.
[ ٣ / ٤٨٢ ]
والثانية أن يخففهما لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يخففهما وإذا كانت السنة تخفيفهما فالمكث بعدهما ينهى عنه وذلك لأنك إذا مكثت بعدهما فقد حجزت ما لا تستحق عن غيرك لأن هذا المكان لمن أراد أن يصلي ركعتين خلف المقام وإذا كانت السنة أن تخفف ذات الركعتين فمن باب أولى أن تخفف الجلوس بعدهما فلا تجلس ولا حاجة للدعاء لكن بعض الجهال يأبون إلا أن يبقوا ويطيلوا الركوع والسجود والقراءة ويبقون يدعون بعد الصلاة وكل هذا من الجهل.
فصل
(في شرائط الطواف)
القارئ: ويشترط لصحة الطواف تسعة أشياء الطهارة من الحدث والنجس وستر العورة لحديث ابن عباس وقول النبي ﷺ (لا يطوف بالبيت عريان) متفق عليه ولأنها عبادة تتعلق بالبيت فاشترط فيها ذلك كالصلاة وعنه فيمن طاف للزيارة ناسيًا لطهارته حتى رجع فحجه ماض ولا شيء عليه وهذا يدل على أنها تسقط بالنسيان وعنه فيمن طاف للزيارة غير متطهر أعاد ما كان بمكة فإذا رجع جبره بدم وهذا يدل على أن الطهارة ليست شرطا إنما هي واجب يجبره الدم وكذلك يخرج في طهارة النجس والستارة لأنها عبادة لا يشترط فيها الاستقبال فلم يشترط فيها ذلك كالسعي والوقوف.
[ ٣ / ٤٨٣ ]
الشيخ: يقول يشترط لصحة الطواف تسعة أشياء وشرط الشيء معناه أنه إذا تخلف فسد الشيء وهذا يحتاج إلى أدلة واضحة يمكننا أن نلاقي الله تعالى بها إذا أفسدنا عبادة عباد الله ولا يكفي الظنون أو التعليلات العليلة فمثلًا يقول يشترط الطهارة من الحدث والنجس وستر العورة أما ستر العورة فلقول النبي ﷺ (لا يطوف بالبيت عريان) ولكن هل هذا يدل على فساد الطواف لو طاف عريانًا؟ يحتمل ذلك أو يقال هذا خالف في لباس وهذا شيء والطواف شيء آخر منفك لكن لا ينبغي أن يقال فيمن طاف عريانًا أنه يصح طوافه إذا كان عاريًا بالكلية أما لو كان في إزاره شق ولم يعلم به أو كان إزاره خفيفًا ولم يقل الناس إن هذا أساء بلباس هذا الإزار فلا ينبغي أن يقال إن هذا طوافه باطل أما لو خلع والعياذ بالله إزاره بالكلية وصار يطوف عريانًا هذا لا بأس أن نقول لا طواف له لأنه يشبه المستهزئ ولأن الناس أيضًا لا يمكن أن يمكنوه.
أما الطهارة فيقول ﵀ لأنها عبادة تتعلق بالبيت فاشترط فيها ذلك كالصلاة، لو أن المؤلف استدل بحديث ابن عباس السابق (الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام) كما استدل به غيره لكان أحسن من هذا التعليل قد يقول قائل الاعتكاف يتعلق بالبيت (أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ) ومع ذلك لا تشترط الطهارة في الاعتكاف.
ثم ذكر المؤلف ﵀ الطهارة من النجاسة بمعنى أن لا يكون على الإنسان أو على بدنه أو على ثوبه أو في بقعته نجاسة كالصلاة وهذا أيضًا فيه نظر والصواب أنه إذا تطهر فهو أفضل لكن لو فرض أن الإنسان طاف بإزار نجس فإنه لا إعادة عليه أما إذا كان ناسيًا أو جاهلًا فالأمر واضح وأما إذا كان متعمدًا فليس هناك دليل يدل على هذا.
ثم ذكر المؤلف عنه فيمن طاف للزيارة ناسيًا لطهارة حتى رجع فحجه ماض ولا شيء عليه وهذا يدل على أنها تسقط بالنسيان وسقوطها بالنسيان يدل على أنها ليست بشرط.
[ ٣ / ٤٨٤ ]
يقول وعنه فيمن طاف للزيارة غير متطهر أعاد ما كان بمكة فإذا رجع جبره بدم وهذا يدل على أن الطهارة ليست شرطًا وإنما هي واجب يجبره الدم فكذلك يخرج في طهارة النجس والستارة لأنها عبادة لا يشترط فيها الاستقبال فلم يشترط فيها ذلك والصواب أن يقال في التعليل لأنه لم يرد ما يدل على اشتراط هذا لصحتها وانتفاء الدليل كافٍ في عدم الإفساد بالعدم والصواب عندي أنه لا يشترط الطهارة في الطواف إلا طهارة الجنابة لأن الجنب ممنوع من المكث في المسجد لقوله تعالى: (وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ) فيكون بقاؤه بقاءً محرمًا كبقاء الحائض والحائض قد منعها رسول ﷺ من الطواف.
أما الطهارة من الحدث فليست بشرط ولكن لا يعني ذلك أننا نهون الأمر عند الناس ونعلن هذا ونقول أيها الناس طوفوا بلا وضوء لكن إذا جاءنا إنسان بعد أن فرغ من طوافه وقال إنه لم يتوضأ أو إنه أحدث في أثناء الطواف واستمر فإننا لا نأمره بالإعادة أما تهوين ذلك في نفوس الناس فهذا ليس بصواب لأنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم طاف طاهرًا متوضئً وهذا سنة لا شك، هذا الذي نراه الصواب إن شاء الله.
القارئ: الرابع النية لأنها عبادة محضة فأشبهت الصلاة.
الشيخ: النية لاشك أنه لا تصح الأعمال إلا بها لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إنما الأعمال بالنيات) لكن هل تشترط النية لكل جزء من أجزاء الحج أو تكفي نية عامة هذا محل إشكال فمن العلماء من يقول تشترط النية لكل جزء من أجزاء الحج فالطواف له نية والسعي له نية والرمي له نية والوقوف له نية وما أشبه ذلك.
[ ٣ / ٤٨٥ ]
ومنهم من قال هذه أجزاء لا يشترط لها نية خاصة كما أن المصلي لا ينوي الركوع إذا أراد الركوع ولا السجود ولا الجلوس ولا القيام فإذا نوى الحج فهذه النية تعنى أنه نوى الحج بجميع أجزائه فلا حاجة لأن ينوي لكل جزء وهذا القول قد يكون أقرب للصواب كما أنه أيسر للعباد لأن كثيرًا من الناس يأتي ومع الزحام الشديد ينوي أنه يطوف فقط لا أنه للعمرة أو أنه للحج ينوي الطواف هكذا فنقول له في هذه الحال إن طوافك صحيح مجزئ لأنه لو سألك سائل بعد انتهاء الطواف ماذا أردت من هذا الطواف لقلت الحج أو العمرة.
القارئ: الخامس الطواف بجميع البيت فإن سلك الحجر أو طاف على جدار الحجر أو على شاذروان الكعبة لم يجزئه لأن الله تعالى قال: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق) وهذا يقتضي الطواف بجميعه والحجر منه لقول النبي ﷺ (الحجر من البيت) متفق عليه.
الشيخ: نعم هذا صحيح لا بد من الطواف بجميع البيت فإن طاف ببعضه فإنه لا يجزئه لقوله تعالى (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ) والباء للاستيعاب وليست للظرفية وإن كانت تأتي للظرفية لكن هنا لا تكون للظرفية وسبق الكلام على الطواف على الشاذروان وأن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قال إنه يجزئ وقلنا إن الإنسان لا يتعمد ذلك لكن لو فرض أنه مع الزحام الشديد أراد أن ينجو بنفسه فصعد على الشاذروان وصار يطوف فإن ذلك يجزئه.
القارئ: السادس الطواف سبعًا فإن ترك منها شيئًا وإن قل لم يجزئه لأن النبي ﷺ طاف سبعا فيكون تفسيرًا لمجمل قوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق) فيكون ذلك هو الطواف المأمور به وقد قال ﵇ (خذوا عني مناسككم).
[ ٣ / ٤٨٦ ]
الشيخ: هذا أيضًا صحيح لا بد من الطواف سبعًا فإن نقص فطوافه غير صحيح فلا بد من استيعاب السبعة والدليل ما ذكره المؤلف ﵀ أن الله أجمل فقال: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق) ولم يذكر عددًا ولكن النبي ﷺ طاف سبعًا بيانًا لهذا المجمل وبيان المجمل له حكم المبين فيكون ذلك واجبًا.
وهناك أيضًا تعليل آخر يقال إنه لو كان النقص على السبعة جائزًا لفعله النبي ﵊ حين أتى لعمرة القضاء لأنه أيسر على الناس.
القارئ: السابع أن يحاذي الحجر في ابتداء طوافه بجميع بدنه فإن لم يفعل لم يعتد بذلك الشوط واعتد له بما بعده ويأتي بشوط مكانه ويحتمل ألا يجب هذا لأنه لما لم يجب محاذاة جميع الحجر لم تجب المحاذاة بجميع البدن.
الشيخ: وهذا الاحتمال هو الذي ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وقوله ولأنه لما لم يجب محاذاة جميع الحجر لم تجب المحاذاة بجميع البدن يحمل هذا على ما إذا كان الإنسان ضعيفًا أو يقال إنهم جعلوا حاشية الحجر من الحجر لكن هذا أيضًا بعيد على كل حال على كلام المؤلف لا بد أن يحاذي الإنسان الحجر بجميع بدنه سواء استوعب الحجر كله أو لم يستوعب إلا بعضه أو كان عريضًا جدًا وصار الحجر في نصف صدره.
السائل: هل يصح الطواف أو السعي بدون أن يذكر الله؟
الشيخ: أما على كلام الفقهاء فليس بشرط يعني لو دار بدون أن يتكلم ولا بكلمة فطوافه صحيح وكذلك السعي لكنه ناقص لا شك.
القارئ: الثامن الترتيب وهو أن يطوف على يمينه فإن نكسه لم يجزئه لما ذكرنا في السادس ولأنها عبادة تتعلق بالبيت فكان الترتيب فيه شرطًا كالصلاة.
الشيخ: الترتيب بهذا المعنى المذكور لاشك أنه واجب أنه يطوف ويجعل البيت عن يساره.
[ ٣ / ٤٨٧ ]
وهنا مسألة في الواقع تشكل من الناحية العلمية ومن الناحية العملية وهي أن بعض الناس في الزحام لا يتسنى له أن يكون البيت عن يساره في كل الطواف مع الزحام قد يلقي ظهره إلى الكعبة أو وجهه أو ما أشبه ذلك فهل نقول إن هذا جزء يسير كالالتفات في الصلاة وأنه يسامح عنه لاسيما إذا كان الإنسان يُحمل على ذلك حملًا أو يقال إذا حصل مثل هذا فيلغى هذا الشوط ويأتي بدله بشوط آخر؟
يعفى عنه لأنه يسير ولأنه أيضًا يحمل على هذا حملًا فالظاهر إن شاء الله أنه يعفى عنه لأنه يصدق عليه أنه طاف وجعل البيت عن يساره.
ولكن لماذا جعل البيت عن اليسار في الطواف لماذا لم يجعل عن اليمين لأن اليمين أفضل؟ فقال بعضهم لأن القلب بيسار الجسد وهو بيت الرب في جسد الإنسان والكعبة بيت الرب في الأرض فكان الأنسب أن يجعلها عن يساره لأجل أن يتقارب البيتان.
وقال بعضهم إنما جعل ذلك لأن الحركة الدورية تعتمد فيها اليمنى على اليسرى يعنى إذا درت فإن الاعتماد يكون على اليسار هذا هو الأغلب وقد يدور الإنسان بجعل الاعتماد على اليمين لكن الأغلب على اليسار فروعي الأغلب في دوارن الإنسان وهذه مراعاة لمصلحة جسدية.
والثالث أنه يجعل البيت عن يساره لأنه إذا قابل الحجر وحاذاه فإنه يبدأ باليمين واليمين مما يلي الباب وإذا بدأ باليمين صار البيت عن يساره.
والرابع أن وجه الكعبة هو ما فيه الباب وما خلفه يسمى دبر الكعبة والبداءة بما يقابل وجهها أولى.
[ ٣ / ٤٨٨ ]
والخامس أن هذا فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وكفى ولهذا لما سئلت عائشة ﵂ ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة وقد قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) ولهذا علل ابن عباس إنكاره على معاوية بأن الرسول ﷺ لم يفعله وقد قال الله تعالى (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) وابن عمر علل ذلك بأنهما ليسا على قواعد إبراهيم فالمهم أن المؤمن إذا قيل له هذا قضاء الله ورسوله انتهى ويكون هذا أريح له أيضًا لأن كل تعليل مما سمعتم يمكن أن يورد عليه ما ينقضه.
القارئ: التاسع الموالاة شرط لذلك إلا أنه إذا أقيمت الصلاة أو حضرت جنازة فإنه يصلى ثم يبني لقول النبي ﷺ (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) رواه مسلم وعنه إذا أعيا في الطواف فلا بأس أن يستريح وقال إذا كان له عذر بنى وإن قطعه من غير عذر أو لحاجة استقبل الطواف وعنه فيمن سبقه الحدث روايتان إحداهما يستأنف قياسًا على الصلاة والثانية يتوضأ ويبني إذا لم يطل الفصل فيخرج في الموالاة روايتان إحداهما هي شرط كالترتيب والثانية ليست شرطًا حال العذر لأن الحسن غشي عليه فحمل فلما أفاق أتمه.
[ ٣ / ٤٨٩ ]
الشيخ: الموالاة معناه أن تكون الأشواط متتابعة لا يفرق بينها لكن استثنى المؤلف إذا أقيمت الصلاة فإنه يقطع الطواف ويصلي مع الجماعة ولا يمكن أن يطوف وهم يصلون وظاهر كلام المؤلف أنه لا يقطع الطواف لاستماع خطبة الجمعة وأنه يستمر في طوافه ولو كان الإمام يخطب وذلك لأن طوافه لا يشغله عن استماع الخطبة فيستمر ولكن إذا صلى ثم أراد أن يكمل قيل يبدأ من أول الشوط وقيل يبدأ مما وقف عليه وهذا القول هو الصحيح أنه يبدأ مما وقف عليه لأن ما سبقه قد وقع على وجه شرعي وما وقع على وجه شرعي فإنه لا يمكن إبطاله إلا بدليل شرعي فما هو الدليل؟ ومادامت الموالاة سقطت لهذا العذر فإن ما سبق من الشوط يعتبر في محله فيكمل من حيث وقف وكذلك أيضًا إذا حضرت جنازة فإنه يصلي لأن الصلاة على الجنازة فرض كفاية فلا ينبغي أن يحرم من أجر هذا الفرض فيصلي ثم يكمل.
وهذه الروايات التي ذكرها المؤلف ﵀، وعنه إذا أعيا في الطواف لا بأس أن يستريح وقال إذا كان له عذر بنى وهذه الرواية هي الصحيحة أنه إذا أعيا وتعب فلا بأس أن يستريح ثم يكمل وكذلك يقال في السعي وإن قطعهم لغير عذر أو لحاجة استقبل الطواف وعنه فيمن سبقه الحدث روايتان إحداهما يستأنف قياسًا على الصلاة والثانية يتوضأ ويبني إذا لم يطل الفصل والرواية الثانية تدل على أنه لا يشترط في الطواف الطهارة لأنه لو اشترطت الطهارة لبطل الطواف بالحدث وإذا بطل بالحدث لم يمكن البناء على ما سبق.
فصل
(في سنن الطواف)
القارئ: وسننه استلام الركن وتقبيله أو ما قام مقامه من الإشارة والدعاء والذكر في مواضعه والاضطباع والرمل والمشي في مواضعه لأن ذلك هيئة في الطواف فلم تجب كالجهر والإخفات في الصلاة وركعتا الطواف ليست واجبة لأن الأعرابي لما سأل النبي ﷺ عن الفرائض ذكر الصلوات الخمسة قال فهل علي غيرها قال (لا إلا أن تطوع) متفق عليه.
[ ٣ / ٤٩٠ ]
الشيخ: هذا الحديث يستدل به كثير من العلماء على نفي الوجوب في بعض الصلوات وعندي أن الاستدلال به فيه نظر لأن الأعرابي إنما سأل عن الصلوات الدائمة التي تكون كل وقت أما العارضة فهذه مقرونة بأسبابها وقد يدل الدليل على الوجوب وقد يدل الدليل على الاستحباب.
هذا الحديث يستدل به على نفي وجوب الوتر لأنه يتكرر كل يوم فلو كان هناك صلاة واجبة في اليوم والليلة غير الخمسة لبينها الرسول ﵊ وأما أن يجعل دليلًا على كل شيء حتى ما قرن بسبب فهذا توسع في الاستدلال لا وجه له وهذا كالذي يستدل بنفي الواجبات في الصلاة بحديث المسيء في صلاته أو الذي يستدل بوجوب كل صفة وهيئة للصلاة بحديث (صلوا كما رأيتموني أصلي) فهذا غلو في النفي والإثبات فيقال هنا إن هذا الحديث لا يدل على نفى وجوب صلاة ركعتي الطواف لأن المقصود به الصلوات المتكررة كل يوم أما ما له سبب فهو مقرون بسببه ولهذا لا نستدل به على عدم وجوب تحية المسجد أو على عدم وجوب صلاة الكسوف أو على عدم وجوب صلاة العيد أو ما أشبه ذلك ولكننا نعرف أن هذا واجب أو غير واجب من دليل آخر.
القارئ: ولأنها صلاة لم يشرع لها جماعة فلم تجب كسائر النوافل ولكنها سنة مؤكدة وإن صلى المكتوبة بعد طوافه أجزأته عنهما.
الشيخ: إن صلى المكتوبة بعد طوافه أجزأته عنهما الدليل أن المقصود أن يصلي بعد الطواف وهذا يحصل بالفريضة وربما يستدل لذلك بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين طاف للوداع صلى صلاة الفجر ثم ركب وإن كان هذا قد يعارض بأن يقال ليس فيه نفي لركعتي الطواف.
السائل: ذكرنا بأن الجنب لا يجوز طوافه بالبيت لأنه ممنوع من البقاء في البيت أفلا يلزم على هذا أنه لو توضأ جاز له أن يطوف؟
الشيخ: نعم يلزم على هذا وهو صحيح لو توضأ جاز أن يطوف لأنه يجوز المكث في المسجد إلا إذا قلنا بوجوب الطهارة من الحدث فلا.
السائل: هل تجب الموالاة بين الطواف والسعي؟
[ ٣ / ٤٩١ ]
الشيخ: لا تجب الموالاة لو طاف أول النهار وسعى في آخر النهار فلا بأس.
السائل: هل يشرع استلام وتقبيل الحجر الأسود من غير طواف؟
الشيخ: لم يتبين لي أنه يشرع إنما هو من سنن الطواف أما تقبيل بلا طواف فلا أعلم أنه ورد.
القارئ: فإن جمع بين الأسابيع وصلى لكل أسبوع ركعتين جاز لأن عائشة والمسور ابن مخرمة فعلا ذلك.
الشيخ: يقول المؤلف ﵀ إذا جمع أسابيع يعنى طاف سبعًا ثم سبعًا ثم سبعًا ولم يصلّ بينهما فإنه يصلي لكل أسبوع ركعتين لأن كل سبعة أشواط لها ركعتان.
وهذا يدلنا على مسألة تقع في الجمع بين الصلاتين إذا جمع بين المغرب والعشاء فهل نقول إن صلاة ركعتين تكفي عن راتبتي المغرب والعشاء أو يصلي أربعًا؟ يصلي أربعًا فلا تتداخل الركعتان بل إن عدم تداخل الركعتين في الصلاتين المجموعتين أولى من عدم تداخل الركعتين في الأسابيع.
القارئ: ولا تجب الموالاة بينهما لما ذكرنا.
الشيخ: قوله (بينهما) أى بين الطواف والركعتين وأما الموالاة بين أجزاء الطواف فقد سبق أنها شرط.
القارئ: وأن يطوف ماشيًا فإن طاف راكبًا أجزأه لأن النبي ﷺ طاف على بعيره وأمر أم سلمة فطافت راكبة من وراء الناس حديث أم سلمة متفق عليه ويجوز أن يحمله إنسان فيطوف به لأنه في معنى الراكب.
[ ٣ / ٤٩٢ ]
الشيخ: هذا ما ذهب إليه المؤلف ﵀ ولكن المذهب أنه يشترط أن يطوف ماشيًا إلا لعذر والاستدلال بحديث أم سلمة فيه نظر لأن الدليل أخص من المدلول فإن أم سلمة اشتكت إلى النبي ﷺ في طواف الوداع أنها مريضة فقال لها (طوفي من وراء الناس وأنت راكبة) ويفرق بين الطواف لعذر والطواف لغير عذر وأما طواف النبي ﷺ راكبًا على بعيره فهذا لفائدة عظيمة وهي أن يراه الناس ويستنوا به يعنى أن يفعلوا مثلما فعل فحديث أم سلمة لعذر وحاجة وحديث النبي ﷺ لمصلحة عظيمة ولهذا كان الاحتياط بلا شك ألا يطوف راكبًا إلا لعذر والمحمول كالراكب والذي يدف بعربية كالراكب أيضا إذا كان لعذر فلا شك في جوازه وإذا كان لغير عذر ففي جوازه نظر.
القارئ: وإن طاف راكبًا أو محمولًا لغير عذر ففيه روايتان إحداهما يجزئه لأن الله تعالى أمر بالطواف مطلقا وهذا قد طاف ولأن النبي ﷺ طاف راكبًا وهو صحيح، والثانية لا يجزئه لأنها عبادة تتعلق بالبيت فلم يجز فعلها راكبًا لغير عذر كالصلاة فأما النبي ﷺ فإن ابن عباس قال (إن الناس كثروا عليه يقولون هذا محمد هذا محمد حتى خرج العواتق من البيوت وكان رسول الله ﷺ لا يضرب الناس بين يديه فلما كثروا عليه ركب) رواه مسلم.
الشيخ: إذًا صارت المسألة لمصلحة وكما ذكرنا أن الرسول ﵊ ركب ليراه الناس ويتأسوا به ولهذه العلة التي ذكرها ابن عباس ﵄ والاحتياط بلا شك ألا يطوف راكبًا إلا لعذر.
فصل
[ ٣ / ٤٩٣ ]
القارئ: والمرأة كالرجل إلا أنها إذا قدمت مكة نهارا استحب لها تأخير الطواف إلى الليل لأنه أستر لها إلا أن تخاف الحيض فتبادر الطواف لئلا يفوتها التمتع ولا يستحب لها مزاحمة الرجال لاستلام الحجر بل تشير بيدها إليه قال عطاء كانت عائشة تطوف حجزة من الرجال لا تخالطهم فقالت امرأة انطلقي نستلم يا أم المؤمنين قالت انطلقي عنك وأبت وليس في حقها رمل ولا اضطباع لأنه يستحب لها التستر ولأن الرمل شرع في الأصل لإظهار الجلد والقوة ولا يقصد ذلك من المرأة ولذلك لا يسن الرمل في حق المكي ومن جرى مجراهم وقال ابن عباس وابن عمر ليس على أهل مكة رمل وكان ابن عمر ﵁ إذا أحرم من مكة لم يرمل.
الشيخ: هذا الفصل بين المؤلف ﵀ أن المرأة كالرجل في الطواف إلا فيما استثني:
منها أن الأفضل للقادم إلى مكة أن يبادر بالطواف اقتداء بالرسول ﷺ أما المرأة فقال إنه يستحب لها أن تؤخر الطواف لأنه أستر لها ومعلوم أن هذه العلة في وقتنا الحاضر منتفية وعلى هذا فيسن لها أن تبادر بالطواف كما يبادر الرجل.
كذلك أيضًا قال إنها لا تستلم الحجر إذا كان هناك مزاحمة والصحيح أن هذا لها وللرجال لكن يختلف الرجل عنها بأن الزحام اليسير بالنسبة للرجل لا يمنع استحباب استلام الحجر وأما الزحام الذي يذهب الخشوع ويكون الإنسان بين الحياة والموت فهذا لا يسن له أن يستلم الحجر ولا يحاول ذلك أما المرأة فمجرد الزحام ولو يسيرًا يمنع من استحباب استلامها الحجر.
[ ٣ / ٤٩٤ ]
ومنها أنه ليس لها رمل ولا اضطباع أما عدم الاضطباع فظاهر وأما الرمل فلأن المقصود بالرمل في أصل مشروعيته هو إظهار الجلد والقوة والمرأة لا يقصد منها ذلك ولأنها لو رملت لكان ذلك في بعض الأحيان سببًا لانكشاف عورتها ولست أقصد بالعورة السوأة ولكن انكشاف شيء من بدنها وبهذا نعرف خطأ أولئك النساء اللاتي يرملن في الطواف وكذلك لا تسعى في بطن الوادي إلا أنه يعكر على السعي أن أصل مشروعية السعي هو تذكر حال أم إسماعيل وأم إسماعيل في مكان السعي أى في بطن الوادي كانت تسعى لكن حكى بعض أهل العلم الإجماع على أن المرأة لا يسن لها الرمل في الطواف ولا السعي بين العلمين بين الصفا والمروة ولأنه قد يكون السبب له حال والحكم المرتب على هذا السبب له حال أخرى انظر إلى سبب الرمل في الطواف أليس سببه أن النبي عليه الصلاة وسلام أراد من الصحابة أن يظهروا قوتهم وجلدهم ولهذا أمرهم أن يمشوا ما بين الركنين لكن الحكم لم يبق وصار الناس الآن يرملون كل الأشواط الثلاثة
أهل مكة ليس عليهم رمل لأنهم أحرموا من قريب من البيت ومن أحرم من قريب من البيت فلا رمل عليه ويدل لذلك أن الصحابة الذين أحرموا بالحج من الأبطح لم يرملوا في الطواف وعلى هذا فنقول إن من أحرم من مكة فإنه ليس عليه رمل كذلك من كان من أهل مكة وإن أحرموا من الحل ليس عليهم رمل وإنما الرمل للآفاقيين.
فصل
[ ٣ / ٤٩٥ ]
القارئ: وإذا فرغ من الركعتين سعى بين الصفا والمروة ويستحب أن يستلم الحجر ثم يخرج إلى الصفا من بابه فيرقى عليه حتى يرى البيت فيستقبله ويدعو لأن جابرًا قال في صفة حج النبي ﷺ ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) نبدأ بما بدأ الله تعالى به فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت فاستقبله فوحد الله وكبره وقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شي قدير لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ثم دعا بين ذلك وقال مثل هذا ثلاث مرات قال أحمد ويدعو بدعاء ابن عمر ذكر نحوًا من هذا وزاد لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون اللهم اعصمني بدينك وطواعيتك وطواعية رسولك اللهم جنبني حدودك اللهم اجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك وأنبيائك ورسولك وعبادك الصالحين اللهم حببني إليك وإلى ملائكتك وإلى رسولك وإلى عبادك الصالحين اللهم يسرني لليسرى وجنبني العسرى واغفر لي في الآخرة والأولى واجعلني من أئمة المتقين واجعلني من ورثة جنة النعيم واغفر لي خطيئتي يوم الدين اللهم إنك قلت ادعوني استجب لكم وإنك لا تخلف الميعاد اللهم إذ هديتني للإسلام فلا تنزعني منه ولا تنزعه مني حتى تتوفاني وأنا على الإسلام اللهم لا تقدمني لعذاب ولا تؤخرني لسوء الفتن رواه سعيد بن منصور وما دعا به فحسن.
الشيخ: في هذه الجملة مسائل:
المسألة الأولى إذا فرغ من الركعتين وأراد السعي بين الصفا والمروة رجع إلى الركن أى إلى الحجر الأسود فاستلمه وهذا الاستلام ليس فيه تقبيل وهو سنة لمن أراد الخروج للسعي وأما من طاف وخرج لغير السعي فليس بسنة وكذلك لو لم يتيسر له الاستلام فالظاهر أنه لا يشير إليه.
[ ٣ / ٤٩٦ ]
فإن قال قائل ما هي الحكمة في أن يستلمه الإنسان بعد انتهاء الركعتين وقد استلمه في طوافه؟ فالجواب أن يقال هذا من سنة رسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم والله أعلم ما هي الحكمة هذا ما عندي الآن وربما تظهر الحكمة بالتأمل.
وتشتمل هذه القطعة على أنه يخرج إلى الصفا من بابه وكان في الأول المسجد الحرام له أبواب دون المسعى وإنما استحب العلماء أن يخرج إلى الصفا من بابه لأنه أيسر له ولأن هذا هو الظاهر من فعل الرسول ﷺ.
ومما يؤخذ من هذه القطعة أن الإنسان إذا دنا من الصفا يقرأ (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) قبل أن يصعد عليه ولا يعيد هذا مرة ثانية وهذه الآية التي تلاها الرسول ﷺ هي كالآية التي تلاها حين تقدم إلى مقام إبراهيم لأجل أن يشعر نفسه بأنه فعل ذلك تعبدًا لله تعالى وامتثالًا لأمره.
[ ٣ / ٤٩٧ ]
ومما يؤخذ منها أيضًا هل يكمل الإنسان فيقول نبدأ بما بدأ الله به أو إن الرسول ﷺ قالها تشريعًا لا تعبدًا بها؟ يحتمل هذا وهذا فيحتمل أن النبي ﷺ قال نبدأ أو قال أبدا بما بدأ الله به تشريعًا كأنه يقول للناس بدأت بالصفا لأن الله بدأ بها ويحتمل أن تكون من تمام الذكر وأن الإنسان يقول (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) أبدأ بما بدأ الله به ليطابق اللسان القلب فإن القلب لاشك أراد أن يبدأ بالصفا واتجه إليه لكن من أجل أن اللسان يطابق القلب ويؤكد أنه إنما بدأ بالصفا لأن الله بدأ به هذا لفظ حديث جابر ونأخذ منه فائدة وهو أن الأصل في ترتيب القول ترتيب الفعل يعني إذا ذكر الله أشياء مرتبة بقوله فهي مرتبة بفعله ولهذا استدل العلماء على وجوب الترتيب في أعضاء الوضوء بهذا الحديث قالوا إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أشار إلى هذا أن الترتيب القولي يقتضي الترتيب الفعلي فإن الله قال (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ) فبدأ بالصفا وقال (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْن) فبدأ بالوجه ثم اليدين ثم الرأس ثم الرجلين وهذا لا شك استدلال في محله.
ومما يؤخذ من هذه القطعة أن الإنسان يصعد الصفا حتى يرى البيت أى الكعبة فيستقبلها ويمد يديه مد الدعاء وليس كما يفعل العامة الآن يشيرون إليه إشارة تكبير الصلاة ويقول ما ذكره المؤلف من ذكر الله ﷿ وما ثبت به الحديث ويدعو بين ذلك فيكرر الذكر ثلاث مرات ويدعو مرتين ثم ينزل متجهًا إلى المروة.
السائل: هل يشرع شرب ماء زمزم بعد الطواف؟
الشيخ: الفقهاء يرون أن شرب ماء زمزم في يوم العيد فقط لأنه لم يرد عن النبي ﷺ إلا يوم العيد.
[ ٣ / ٤٩٨ ]
القارئ: ثم ينزل فيمشي حتى يكون بينه وبين الميل الأخضر المعلق بفناء المسجد نحوًا من ستة أذرع فيسعى سعيًا شديدًا حتى يحاذي الميلين الأخضرين الذين بفناء المسجد وحذاء دار العباس.
الشيخ: هذا الذي وصف المؤلف ﵀ لا تدركونه اليوم لأن المعالم تغيرت كثيرًا كان بالأول المسجد الحرام ينتهي قبل أن تصل إلى الصفا بينه وبين الصفا سوق وشارع تمشي منه السيارات وأنا أذكر أن الناس يسعون وإذا جاءت السيارة وقفوا لتقطع المسعى في زاوية المسجد بعد أن ينتهي هذا الشارع هناك عمود معلق كما قال المؤلف عمود أخضر لكن لا يتصل بالأرض مجعول علامة لكن هذا العمود بعد أن تقطع الشارع والشارع هذا هو مجرى السيل يعنى هو الوادي وبين طرف الشارع إلى هذا العمود نحو ستة أذرع فلهذا قال العلماء إلى أن يكون بينك وبين هذا العمود ستة أذرع أما الآن والحمد لله وضعت أعلام خضراء على الجانبين وفوقها أنوار خضراء أيضًا حتى يكون الذي لا يراها من اليمين أو الشمال يرى الإضاءة اقترح بعض الناس أن يكون أيضًا تحت القدمين بلاط أخضر لكن هذا الاقتراح تبين أنه غير وجيه لأنه لو كان هناك شيء لكان هؤلاء الجهال يقفون على هذا الأخضر ثم يعوقون الناس وأكثر الناس ليس عندهم علم وبصيرة فلهذا رئي ألا يوضع شيءٌ في الأرض ويكفي الأعمدة على اليمين والشمال والأنوار.
وقول المؤلف ﵀ يسعى سعيًا شديدًا يعنى يركض ركضًا شديدًا حتى رئي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تدور به إزاره من شدة السعي وهذا مقيد بما إذا لم يشق على الإنسان بأذية له أو لغيره فإن كان لا يمكن إلا بأذية له أو لغيره فلا يؤذِ يمشي حسب ما يستطيع.
[ ٣ / ٤٩٩ ]
القارئ: ثم يمشي حتى يصعد المروة فيرقى عليها ويقول كما قال على الصفا ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه ويسعى في موضع سعيه حتى يكمل ذلك سبعا يحتسب بالذهاب سعية وبالرجوع أخرى يفتتح بالصفا ويختم بالمروة لأن جابرًا قال ثم نزل يعنى النبي ﷺ إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه رمل في بطن الوادي.
الشيخ: اللفظ الذي نعرفه من حديث جابر (حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى) وفرق بين (سعى) و(رمل) السعي أشد من الرمل فإن صحت هذه اللفظة فالمراد بها السعي.
القارئ: حتى إذا صعدنا مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا فلما كان آخر طوافه على المروة) ذكر الحديث رواه مسلم ويدعو فيما بينهما ويذكر الله تعالى قال أبو عبد الله كان ابن مسعود إذا سعى بين الصفا والمروة قال رب اغفر وارحم واعف عما تعلم وأنت الأعز الأكرم وقال النبي ﷺ (إنما جعل رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله) وهو حديث حسن صحيح.
الشيخ: وهذا الجعل شرعي فهو بمعنى إنما شرع لأن الجعل كوني وشرعي فقول الله تعالى (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ) هذا الجعل المنفي شرعي وقوله تعالى (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا) هذا جعل كوني.
فصل
القارئ: والواجب من هذا ثلاثة أشياء استيفاء السبع فإن ترك منها شيئًا وإن قل لم يجزئه وإن لم يرق على الصفا والمروة وجب استيعاب ما بينهما بأن يلصق عقبيه بأسفل الصفا ثم يلصق أصابع رجليه بأسفل المروة ليأتي بالواجب كله.
[ ٣ / ٥٠٠ ]
الشيخ: الآن ما في حد حتى يلصق العقبين بأسفل الصفا والأصابع بأسفل المروة لكن كان ذلك فيما سبق درج مثل درج الباب من أراد أن يصعد صعد على هذا الدرج ومن لم يرد أن يصعد استوعب ما بين الدرج وعلى هذا فتلصق عقبيك في آخر درجة من درجات الصفا وتلصق أصابعك في آخر درجة من درج المروة أما الآن فليس موجودًا لكن الممر الذي جعل للعربيات حده هو المسعى الواجب إذا انتهى الممر انتهى الواجب وليس بلازم أن تصعد ولا أن تطوف حول الدائرة إذا كنت تسعى من فوق يكفي أن تصل إلى جدار الدائرة سواء في المروة أو في الصفا وهم الآن صغروا الدائرة التي في الصفا فاتسع الممر الذي من ورائها وكذلك اتسع ما قبلها من المسعى فالحاصل الآن أن الإنسان إذا استوعب ممر العربيات فقد أتى بالواجب وإن صعد واستقبل القبلة كما قال المؤلف فهو أفضل.
القارئ: والبداءة بالصفا لخبر جابر.
الشيخ: خبر جابر أنه قال فبدأ بالصفا فرقى عليه.
القارئ: فإن بدأ بالمروة لم يعتد له بذلك الشوط واعتد له بما بعده.
الشيخ: فيكون سعى ستة أشواط فلا بد أن يعود إلى المروة وذلك لأن الشوط الأول الذي ابتدأه من المروة قد لغى.
القارئ: وترتيب السعي على الطواف فلو سعى قبله لم يجزئه لأن النبي ﷺ إنما سعى بعد طوافه وقال (خذوا عني مناسككم) ولو طاف وسعى ثم علم أن طوافه غير صحيح لعدم الطهارة أو غيرها لم يعتد له بسعيه لفوات الترتيب.
[ ٤ / ١ ]
الشيخ: الترتيب بين الطواف والسعى شرط لأن النبي ﷺ رتبه كذلك ولأن الله تعالى قال (فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) فبدأ بذكر البيت ولأن الطواف أهم لقوله تعالى (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) والذي ينبغي أن يبدأ بالأهم فالأهم لذلك كان الترتيب بين الطواف والسعي واجبا فلو بدأ بالسعي قلنا أعد السعي يعني لو سعى ثم طاف قلنا له أعد السعي لأن السعي الأول لاغي في غير محله وهذا في العمرة واضح وكذلك في الحج لا بد أن يتقدم الطواف السعي إلا أنه من رحمة الله ﷿ رخص للعباد أن يقدموا السعي على الطواف أي طواف الإفاضة لأن النبي ﷺ سئل فقيل له سعيت قبل أن أطوف قال (لا حرج) والحديث أخرجه أبو داود وهو صحيح فاختلف العلماء في تخريج هذا وكيف يسعى قبل أن يطوف ويقول رسول الله (لا حرج)؟ قالوا هذا في القارن والمفرد قدّم السعي بعد طواف القدوم فأولوا هذا التأويل لأنهم أصلوا قاعدة وهي أنه لا يجوز تقديم السعي على الطواف قالوا فإذا ورد الحديث بجواز تقديم السعي على الطواف وجب حمله علي الصورة التي وردت وهي سعي القارن والمفرد بعد طواف القدوم فيكون سعى قبل أن يطوف وهذا رأي الجمهور أنه لا يجوز تقديم السعي على طواف الإفاضة إلا القارن والمفرد إذا قدماه بعد طواف القدوم ولكن الذي يظهر أنه جائز في طواف الإفاضة لوجهين:
الوجه الأول أن من المعلوم أن الرسول ﵊ كان يسأل عن التقديم والتأخير في ذلك اليوم وأن السعي الذي سأل عنه السائل كان في ذلك اليوم من جملة الأنساك وليس بعد طواف القدوم.
ثم إن السعي بعد طواف القدوم لا يحتاج إلى السؤال عنه لأن الرسول ﵊ قد سعى بعد طواف القدوم فلا حاجة أن يسأل عنه وهو حج الرسول ﵊.
[ ٤ / ٢ ]
ثالثًا أن السعي والطواف إنما هو في عبادة الحج لأن الرسول كان يسأل يوم النحر وذلك في زمن الحج فالصواب أنه يجوز في سعي الحج أن يقدم على طواف الإفاضة وأما سعي العمرة على طوافها فلا يجوز حتى وإن كان ناسيًا فإننا نقول اذهب فأعد السعي أو جاهلًا نقول اذهب وأعد السعي لكن ذكر بعض العلماء ومنهم عطاء فيما أظن أنه لا بأس إذا كان ناسيًا أي أنه إذا سعى ناسيًا قبل أن يطوف في العمرة أجزأه لكن القلب لا يطمئن إلى هذا القول.
فإذا قال قائل لماذا لا نقيس العمرة على الحج لأن النبي ﷺ قال (العمرة حج أصغر)؟ قلنا لا نقيس للفرق لأنك لو قدمت السعي في العمرة على الطواف لأخللت إخلالًا بينًا إذ أن العمرة تتكون من ركنين الطواف والسعي وأما الحج فلا يختل إذا قدم على الطواف لكثرة أنساكه ولأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رخص في يوم العيد بالتقديم والتأخير دفعًا للمشقة لأن الناس لو قيل لهم لا بد أن ترموا جميعًا وتنحروا جميعًا وتطوفوا جميعًا وتسعوا جميعًا لكان في ذلك مشقة لكن إذا كان هذا يرمي وهذا ينحر وهذا يطوف وهذا يسعى صار في ذلك سعة للمسلمين.
فصل
القارئ: ويسن الطهارة والستارة وعنه أنهما واجبتان لأنه أحد الطوافين أشبه الطواف بالبيت والأول المذهب لقول النبي ﷺ لعائشة حين حاضت (اقضي ما يقضي الحاج غير ألا تطوفي بالبيت) أخرجه مسلم والبخاري.
الشيخ: هذا الحديث ليس على ظاهره فقوله ﵊ (غير ألا تطوفي بالبيت) قد ثبت في موطأ الإمام مالك ﵀ أنه قال لها (غير ألا تطوفي بالبيت ولا بين الصفا والمروة) وكذلك صح عنها في البخاري أنها قضت الطواف والسعي وأنها لم تقرب البيت إلا بعد الوقوف بعرفة فلا يكون في هذا الحديث دليل على أنها تسعى خصوصًا وأن عائشة لو سعت لكان هذا السعي لم يسبقه طواف وهو مشكل على ما تقتضيه الأدلة.
[ ٤ / ٣ ]
لكن يقال في الجواب على القياس على الطواف إن العبادات ليس فيها قياس وإلا لقلنا أيضًا تجب الطهارة في الوقوف وفي الرمي وفي غيرها من مشاعر الحج وأما الطواف بالبيت فللحديث المروي في ذلك (الطواف بالبيت صلاة) على أنه سبق لنا أن القول الراجح أن الطواف لا تشترط له الطهارة من الحدث الأصغر.
القارئ: ونحوه قالت عائشة إذا طافت المرأة بالبيت فصلت ركعتين ثم حاضت فلتطف بالصفا والمروة ولأنها عبادة لا تتعلق بالبيت فلم يشترط لها ذلك كالوقوف، ويسن أن يرقى على الصفا والمروة ويرمل بين العلمين ويمشي ماسوى ذلك لأن النبي ﷺ فعله ولا يجب لما روي عن ابن عمر أنه قال إن أمش فقد رأيت النبي ﷺ يمشي وأنا شيخ كبير رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، ويسن الموالاة بينه لأن النبي ﷺ والى بينه ولا يجب لأنه نسك لا يتعلق بالبيت فلم يشترط له المولاة كالرمي وقد روي أن سودة بنت عبد الله بن عمر سعت وقضت طوافها في ثلاثة أيام ويسن أن يمشي فإن ركب جاز لأن النبي ﷺ سعى راكبا ولما ذكرنا في الموالاة.
الشيخ: إذًا الموالاة على كلام المؤلف في السعي ليست واجبة ولا شرطًا فيجوز أن يسعى شوطًا في أول النهار وشوطًا عند الزوال وشوطًا بعد العصر وشوطًا في نصف الليل وشوطًا في الفجر وشوطًا في الضحى من الغد وشوطًا بعد الظهر من الغد لو فعل ذلك لأجزأ ولا يشك إنسان أن مثل هذا لا يقال إنه سعى سبعة أشواط لأن السعي عبادة واحدة يتصل بعضها ببعض فالصواب أن الموالاة فيه شرط وهو المذهب وأنه لا يجوز أن يفرق إلا لعذر مثل أن يحتاج إلى قضاء الحاجة أو يتعب فهذا له أن يفرق وأما بدون عذر فإنه يعتبر متلاعبًا.
[ ٤ / ٤ ]
فإن قال قائل أليس الله يقول (فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) فجعل الله تعالى هذه العشرة كاملة مع أنها مفرقة؟ قلنا لا قياس في العبادات وأيضًا المقصود سبعة أيام كل يوم منفرد عن الآخر أما السعي فهو عبادة واحدة فلماذا لا نقول إن الموالاة فيه شرط كما قلنا الموالاة شرط في الوضوء وشرط في الصلاة وكل عبادة إذا كانت مكونة من هيئة فلا بد أن تتم هذه الهيئة أما أن تجزأ وتجعل عضين فهذا يخالف ما جاءت به السنة.
السائل: أيهما أفضل السعي راكبًا أم ماشيًا لأن النبي سعى راكبًا وهل تقاس الآن العربة على الركوب؟
الشيخ: الأفضل أن يسعى ماشيًا لكن له أن يركب والعربة حكمها حكم الركوب.
القارئ: والمرأة كالرجل إلا أنها لا ترقى على الصفا والمروة ولا ترمل في طواف ولا سعي لما ذكرنا في الرمل في الطواف وليس على أهل مكة رمل كذلك نص عليه.
فصل
[ ٤ / ٥ ]
القارئ: فإذا فرغ من السعي فإن كان متمتعًا لا هدي معه قصر من شعره وحل من عمرته لما روى ابن عمر قال تمتع الناس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج فلما قدم رسول الله ﷺ مكة قال للناس من كان معه هدي فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجته ومن لم يكن معه هدي فليطف بالبيت وبين الصفا والمروة وليقصر وليحلل متفق عليه وإنما جعل التقصير هاهنا ليكون الحلق للحج فأما من ساق الهدي فليس له التحلل للحديث وعنه أنه يقصر من شعره خاصة ولا يمس شاربه ولا أظفاره لما روى معاوية قال قصرت من رأس رسول الله ﷺ بمشقص عند المروة حديث صحيح رواه مسلم، وعنه إن قدم في العشر لم يحل لذلك وإن قدم قبل العشر نحر وتحلل كالمعتمر غير المتمتع ومن لبد فهو كمن أهدى لما روت حفصة أنها قالت يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحلل أنت من عمرتك فقال إني لبدت رأسي وقلدت هديًا فلا أحل حتى أنحر متفق عليه، فأما المعتمر الذي لا يريد التمتع فإنه يحل وإن كان في أشهر الحج لأن النبي ﷺ اعتمر في ذي القعدة فحل ونحر هديه.
الشيخ: هذا الفصل فيه أن الإنسان إذا فرغ من السعي فإن كان متمتعًا لا هدي معه قصر من شعره وحل من عمرته وهل هذا وجوبًا أو استحبابًا؟ الصواب أنه استحباب وأن التمتع ليس بواجب بل الأنساك الثلاثة كلها جائزة لكن من ساق الهدي فالقران في حقه أفضل ومن لم يسقه فالتمتع في حقه أفضل وبذلك تجتمع السنة القولية والفعلية.
[ ٤ / ٦ ]
وفي هذا الفصل أن المتمتع يمكن أن يسوق الهدي والصواب أنه إذا ساق الهدي فإنه لا يحرم بالتمتع لتعذره لأن التمتع لا بد فيه من إحلال ومن معه الهدي لا يمكن أن يحل والعجب أن المؤلف ﵀ وكذلك من قبله من الفقهاء ومن بعده يقولون إنه إذا ساق الهدي وهو متمتع وطاف وسعى فإنه لا يقصر ويحرم بالحج وقد سبق لنا هل هذا يعتبر قرانًا أو تمتعًا؟ منهم من يرى أنه قران ومنهم من يرى أنه تمتع ولكن أصل المسألة غير صحيحة وغير واردة يعني أن يسوق الهدي وهو متمتع.
وفي هذا الفصل أنه إذا قدم في العشر ومعه هدي فإنه لا يحل لفعل النبي صلي الله عليه وعلى آله وسلم ومن قدم قبل ذلك فإنه يحل ولكن الصحيح أن الحكم واحد وأن من ساق الهدي في حجه أو في عمرته وهو متمتع فإنه يجعله قرانًا أي أن من قدم مكة ومعه الهدي فليس له إلا القران.
وأما قوله ﵀ إن التلبيد كسوق الهدي يعني فإذا لبد رأسه امتنع التحلل فهذا فيه نظر ظاهر لأن الذي يمنع التحلل ليس هو التلبيد بل هو سوق الهدي قال الرسول ﵊ (إن معي الهدي فلا أحل) وأما تلبيد الرسول ﵊ فلأنه كان عازمًا على ألا يأتي رأسه إلا في يوم العيد فلبده والتلبيد أن يضع على الرأس ما يلبد الشعر من صمغ وعسل ونحوه لئلا ينتفش فالصواب أن التلبيد ليس كسوق الهدي وأما قول الرسول ﵊ (إني لبدت رأسي وقلدت هديًا) فهذا بيان للواقع والذي يمنع التحلل هو سوق الهدي فقط.
وأما إذا قدم مكة لا للحج بل للعمرة فإنه إذا وصل إلى مكة وأدى العمرة نحر وحل وهذا لا إشكال فيه والدليل على ذلك أن النبي ﷺ اعتمر في ذي القعدة ونحر هديه وحل.
فصل
(في وجوب السعي)
القارئ: والسعي ركن لا يتم الحج إلا به لقول عائشة ﵂ (طاف رسول الله ﷺ بين الصفا والمروة وطاف المسلمون وكانت سنة ولعمري ما أتم الله حج من لم يطف بينهما) رواه مسلم.
[ ٤ / ٧ ]
وعن حبيبة بنت أبي تجراة قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول (اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي) رواه أبو داود وعنه أنه سنة لا شيء على تاركه لقول الله تعالى (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ) مفهومه أنه مباح وفي مصحف أبيّ وابن مسعود (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما) وهذا لا ينحط عن رتبة الخبر قال القاضي الصحيح أنه واجب يجبره الدم وليس بركن جمعًا بين الدليلين وتوسطًا بين الأمرين.
الشيخ: فصار في السعي ثلاثة أقوال:
القول الأول أنه ركن.
والثاني أنه سنة.
والثالث أنه واجب والأظهر أنه ركن وأنه لا يتم الحج والعمرة إلا به كما قالت عائشة ﵂ وأما قوله تعالى (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) فيعرف معنى الآية بمعرفة سبب النزول وسبب النزول أن الصحابة ﵃ تحرجوا من الطواف بين الصفا والمروة لأنه كان فيهما صنمان فتحرجوا من الطواف بهما فأنزل الله هذه الآية: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) ويدل على أن المقصود بذلك بيان مشروعية الطواف بالصفا والمروة أنه قال (مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) ويكون قوله (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ) دفعًا للتحرج مما وقع في نفوس الصحابة ﵃ فنفي الجناح ليس المراد به رفع الإثم بل رفع التحرج الواقع عند الصحابة ﵃.
فصل
(السعي بين الصفا والمروة)
القارئ: ولا يسن السعي بين الصفا والمروة إلا مرة في الحج ومرة في العمرة فمن سعى مع طواف القدوم لم يعده مع طواف الزيارة ومن لم يسع مع طواف القدوم أتى به بعد طواف الزيارة فأما الطواف بالبيت فيستحب الإكثار منه والتطوع به لأنه يروى عن النبي ﷺ أنه قال (من طاف بالبيت وصلى ركعتين فهو كعتق رقبة) رواه ابن ماجة.
[ ٤ / ٨ ]
الشيخ: السعي بين الصفا والمروة ليس بمشروع إلا في حج أو عمرة وأما الطواف فهو مشروع كل وقت ولكن هل الأفضل أن نكثر من الطواف في أوقات المواسم أو لا؟ الصواب أنه ليس من السنة ولا من الأفضل أن نكثر وذلك لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حجة الوداع لم يطف إلا طواف النسك فقط فطاف طواف القدوم وطاف طواف الإفاضة وطاف طواف الوداع مع أنه بقي أربعة أيام قبل الطلوع ولم ينزل إلى مكة ليطوف فدل هذا على أنه ليس من السنة ولا من الأفضل أن تكثر الطواف في أيام المواسم لأن في البيت من هو أحق منك ممن حج أو اعتمر فقول المؤلف ﵀ أنه يسن في كل وقت فيه نظر بل يقال أما إذا كان الإنسان في مكة أو كان قادمًا إليها ولم يكن هناك مواسم فلا بأس وأما إذا كان في موسم الحج فالأفضل أن لا يزيد على طواف النسك.
[ ٤ / ٩ ]